صفحات ثقافية

كارلوس فوينتس يفضح لعبة «الكرسي»

null
القاهرة – صبحي موسى
لا يمكن اعتبار الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس في روايته «كرسي النسر» (الصادرة أخيراً عن سلسلة الجوائز – الهيئة المصرية العامة للكتاب) روائياً فقط، فهو بمثابة مفكر سياسي من طراز ماكيافيلي الذي أسس فكرة الغاية التي تبرر الوسيلة. وهو الأمر الذي بنى عليه فوينتس روايته التي قدمت تشريحاً نفسياً وفكرياً للمتنافسين الكبار على السلطة وطرائق وصولهم إلى الحكم، فاضحاً قذارة المطبخ السياسي في دول العالم النامي الذي يجسد فيه كرسي الحاكم معنى الرمز المختفي خلف الحجب. وفي الطريق إلى هذا الكرسي فإن كل شيء متاح ومغفور ما لم يأت بالفشل. هذا ما أراد فوينتس أن يوضحه بجلاء من خلال رصده لكيفية تصنيع الرئيس وحجم الصراع الذي يخوضه وبشاعة المستنقع الذي تخوض فيه الدوائر السياسية الحالمة بالحكم.
لعب فوينتس في هذه الرواية على افتراضين، أولهما أشبه بالخيال العلمي، وهو توقف القمر الاصطناعي الخاص بالاتصالات في المكسيك، ومن ثم تتعطل الهواتف وتتلاشى كل منجزات ثورة الاتصالات الحديثة، لتصبح الرسائل المكتوبة أو المسجلة هي الطريقة المتاحة للتواصل أمام أناس فلا يمكنهم أن يعلنوا عما في داخلهم أمام الجميع.
من هنا جاءت فكرة الرواية التي اعتمدت فصولها على ما يشبه المخاطبات بين أبطالها، وهم في معظمهم يمثلون أجنحة الإدارة العليا للدولة، حيث مدير مكتب الرئيس، ووزير الداخلية، وقائد الدفاع، وعشيقة الرئيس، ورئيس البرلمان، ووزير المال، ورؤساء الولايات المكسيكية، والرؤساء السابقين للدولة.
أما الافتراض الثاني فهو أن توقيت هذه المخاطبات هو عام 2020 وليس بداية الألفين وقت تاريخ كتابة الرواية، وأن دستور المكسيك ينص على أن تكون مدة حكم الرئيس دورة واحدة فقط ولمدة ست سنوات، وأن نائبه أو من يحظى بدعمه كمرشح يكون صاحب الحظ الأوفر للفوز بكرسي النسر من بعده. وهذا الافتراض هو الأهم، لأنه تمثيل فني واقعي لما يجري في غالبية بلدان العالم النامي، فلا أهمية للأحزاب ولا وجود للديموقراطية، والأمر ينحصر في مجموعة صناع القرار الذين يمثلون أجنحة الإدارة العليــا، هـــؤلاء الذين يتفقون في ما بينهم علـــى من سيكون كرسي الحكم من نصيبه. ولكن ماذا إذا كان الرئيس في حالة من الضعف لا تسمح له بفرض سيطرته على أجنحة إدارته الراغبة في كرسي الرمز المختفي؟ وماذا إذا مات الرئيس قبل أن ينهي رئاسته؟ هذان هما الافتراضان اللذان صنعت الإجابة عليهما رائعة فوينتس المعنية بتشريح ذهنية السلطة ولاعبيها الكبار؟ ولكي تصبح اللعبة أكثر تعقيداً جعل الرئيس مصاباً بلوكيميا الدم، وموته – الذي لا يعلمه غير المتصارعين – في حكم المؤكد، ومن ثم فلا بد من وجود رئيس بديل لاستكمال ما بقي من فترة الحكم. ومع أنه سيكون رئيساً بديلاً لكنّ دعمه لمن يخلفه سيكون المحدد الأهم لشكل أو اسم الرئيس الحقيقي القادم.
تدور المراسلات بين أكثر من خمس عشرة شخصية متصارعة إن لم يكن على كرسي الرئاسة، فعلى مصلحة شخصية أخرى، مما يجعلنا أمام مجموعة من الأحزاب الصغيرة، لكل منها رئيس يلعب الجميع لمصلحته. لكن السياسة لا تعرف القوانين الحتمية بقدر ما تعرف الخيانة والتحالفات الدائمة، ومن ثم فالجميع يلعب بحسب إمكانات الأوراق المتاحة لديه. ولأن هذا هو القانون الذي بنى عليه فوينتس جانباً من فكرته، فقد أزاح كل المتصارعين الأساسيين ليأتي بنيكولاس بالديبا، المجهول الهوية ليكون الرئيس البديل. ذلك الشخص صنعته ماريا ديل روساريو كما بدا من خلال ثلثي الرواية لتنهي به على المنافس الحقيقي لزوجها. لكننا مع الثلث الأخير من النص نكتشف أن رئيس البرلمان أونسيلمو وإحدى أعضائه النسائية هما اللذان ساعداه في الوصول إلى الحكم. ومع الصفحات الأخيرة نعرف أن نيكولاس هو الابن غير الشرعي لوزير الدفاع موندراجون، وأنه خدع الجميع واستغلهم ليتحول من لص مزور إلى رئيس للجمهورية، وليبدأ في التخلص ممن يمكنهم أن ينافسوه في الانتخابات المقبلة، حال استطاعته تغيير مادة الدستور القاضية بعدم الوصول إلى الحكم إلا مرة واحدة.
جعل فوينتس من كرسي الحكم كرسياً للرمز المحتجب، فلم يثبت ولو رسالة واحدة منه إلى أي من شخوص الرواية، سواء نيكولاس بالديبا أو من سبقوه. فمع وصول بالديبا إلى الكرسي توقفت مراسلاته التي استمرت على مدار ثلثي الرواية، وأخذنا في قراءة مراسلات الآخرين إليه، من دون معرفة رده. وإذا حدث ذلك فإننا نعلمه من خلال مراسلات الآخرين سواء له أو لبعضهم بعضاً، وكأنه يتحدث بالإلهام أو التجلي الشخصي لمن يريد مخاطبته. وجعل فوينتس الرئيس الذي تنتهي ولايته يختار لنفسه واحدة من الدول الأخرى كي يقيم فيها بلا عودة. ولم يحدث خرق لهذا الأمر إلا في عهد الرئيس السابق لبلديبا، وقد تمتع بنوع من التسامح فضلاً عن الضعف البدني وعدم القدرة على اتخاذ القرار إلا ببطء شديد، مع أن ذلك يناقض فكرة فوينتس عمن يصل إلى الحكم، والذي يستحيل أن يكون شخصاً نقياً أو بعيداً من المستنقع القذر الذي يخوض فيه شتى العاملين في الشأن السياسي فهذا النقاء يعني إفساد اللعبة ككل، وقد يصل الأمر إلى حد اغتيال من يتمتع به حتى لو حظي بدعم الشعب والرئيس السابق. وفي أفضل الأحوال الاحتفاظ به تحت الأرض كورقة شرعية يمكن اللعب بها متى اقتضت الظروف، وهو ما حدث مع مورو الذي فاز في انتخابات 2012 وأعلن أنه سيحارب الفساد.
توقفنا الرواية أمام نوع من التشريح النفسي للراغبين في «الكرسي»، فجميعهم جاؤوا إلى الحياة السياسية على خلفية أحداث درامية في حيواتهم الشخصية. وجميعهم انتهجوا مبدأ الغاية التي تبرر الوسيلة، وصعدوا بطريقة الولاء المعلن أو الخفي للاعب كبير، لكنهم بعد خروجه منها دخلوا في تحالفات تليق بأوضاعهم الجديدة كمماليك حصلوا على الحرية بموت سادتهم، لذا أصبحوا أكثر عنفاً مع كل من يذكرهم بماضيهم.
ليس مفاجئاً بالطبع كراهية فوينتس لأميركا ولا حكامها، بخاصة جورج بوش الابن الذي ألف فيه كتابه صاحب الأصداء الواسعة «ضد بوش»، لكن المدهش اطلاعه الموسوعي على معظم المجريات السياسية التي شهدها العالم في العصر الحديث، وطرائق الديكتاتوريين في الوصول إلى الحكم والحفاظ عليه. والمدهش أيضاً كراهيته للسلطة ورجالها على اختلافهم، ويقينه أن كلاً منهم ملوث بخيانات ودماء لا حصر لها، فضلاً عن العار الذي جللوا أنفسهم به طيلة مسارهم نحو «الكرسي»، وهذه نظرة قد تبدو منطقية إلى حد بعيد، لكن إحكامها المطلق إلى هذا الحد يجعل منها فكرة طوباوية، ويقضي على أمل الشعوب في التغيير أو الحلم بالديموقراطية، ولعل فكرة المثقف كضمير للنزاهة والشرف تعد قديمة، ويصعب التعامل معها من هذا المنطلق في ظل ظروف مهنة من المعروف سلفاً أن مبدأها الأساس قائم على أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الذي أطلقها في الأصل هو رجل ثقافة أكثر منه رجل سياسة.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى