صفحات الحوار

وانيس باندك: حلب مدينة تضيق بمبدعيها!

null
تجربة مسرحية غنية كتابة وإخراجا
حلب ـ ‘ القدس العربي’ ـ من أنور بدر ربما تكون مدينة حلب من أهم المدن السورية التي نافست دمشق في حقل الثقافة والإبداع الفني تاريخياً، إذ قدّمت هذه المدينة أسماء لامعة في مجال الموسيقى والغناء وصولاً إلى المسرح وباقي الفنون،رغم أنّ مبدعيها ظلّوا بعيدين عن ألق العاصمة وبهرجة الإعلام فيها، أو أن حلب، بعبارة أخرى، مدينة تضيق بمبدعيها.
ويعتبر الدكتور المخرج وانيس باندك من أهم أسماء الجيل الثاني من مسرحيي هذه المحافظة، حيث ولد فيها عام 1955 وتعرّف على فن التمثيل وهو طفل في مدارسها، قبل أن يحصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق عام 1985، ويتابع دراسته للمسرح لاحقاً في جامعة ‘ برفان’ في أرمينيا، حيث نال دبلوماً في الفن المسرحي، ثم دكتوراه في الأدب المسرحي عام 1993.
والدكتور باندك كاتب قصصي ومسرحي، له مجموعة قصصيّة بعنوان ‘ الصيف المجنون’، كما كتب ثلاثة نصوص مسرحية ‘ طيور بلا أجنحة – إذاعة أبو حمود – أشباح المدينة’ وله نصان مسرحيان تحت الطبع، إضافة إلى مجموعة مسرحيات قصيرة للأطفال، وكان قد سبق له التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.
عمل وانيس باندك مديراً للمسرح الجوّال في مدينة حلب، ثم في المسرح المدرسي لتلك المدينة، وأخرج 18 عرضاً مسرحياً، بدأت بعرض ‘ على رصيف الغضب’ 1980 عن نص للشاعرة البحرينية ‘ حمدة خميس’، وكان آخرها في يوم المسرح العالمي لهذا العام بمسرحية ‘ إطلاق النار من الخلف’ للكاتب ‘ وليد إخلاصي’.
التقت ‘ القدس العربي’ هذا المسرحي المبدع على هامش مشاركته في لجنة تحكيم مهرجان الشباب المسرحي الخامس في حلب، وكان هذا الحوار حول تجربته الفنية:

* بداية كيف بدأت علاقتك بالمسرح؟
* كانت أولى خطواتي باتجاه فن التمثيل وأنا طفل صغير، أذهب برفقة أخي لمشاهدة أفلام تلك الفترة، سينما بالأبيض والأسود، لكنها غذّت مُخيلتي الصغيرة بأبطال: هرقل، ماشيستي، زورو، جيمس بوند، طرزان.. وبرزت هواية الطفل في تقليد الآخرين، قبل أن تتاح لي فرصة المشاركة بأكثر من عمل مسرحي وأنا تلميذ في المرحلة الابتدائية.
في سبعينيات القرن الماضي أخذت أرتاد مسرح الشعب في حلب، كما عملت كممثل مع فرق الهواة في المدينة، وشاركت في أحد عروض مسرح الشعب بدور شاب صغير، حيث تعلمت بعض الأساليب المسرحية من تجربتي مع ممثلين محترفين. وكنا نشارك في هذه المرحلة بمهرجان الهواة المسرحي الذي أقيمت دوراته اللاحقة في مدينة حلب، وكان مهرجاناً هاماً إذ خرج من عباءته كل المسرحيين المعروفين حالياً في المحافظة. ثمّ توقفت عن المشاركة في العروض المسرحية لمدة أربع سنوات أثناء خدمتي الإلزامية، ولكنني لم أنقطع أثناءها عن القراءة ومتابعة العروض المسرحية، وحتى بعض البروفات أحياناً.
في أواخر السبعينيات 1979 تشكلت في دمشق فرقة ‘ المختبر المسرحي’ والتي أشرف عليها المخرج المعروف ‘ وليد قوتلي’، وكان معنا بسام كوسا، واحة الراهب، ندى الحمصي، وآخرون… وقد استفدنا من هذه التجربة كثيراً، بل أستطيع القول أنها كانت بمثابة معهد مسرحي تعلمنا فيه وخلال عام كامل أن نؤلف مشاهدنا ونخرجها ونمثل فيها أيضا. وقد اشتغلنا على موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، حيث أثمرت هذه التجربة في النهاية عرض ‘ لكع بن لكع’ عن نص الكاتب الراحل ‘ إميل حبيبي’.

* كيف انتقلت من الهواية إلى الاحتراف؟
*بعد عودتي إلى حلب أوائل الثمانينيات شكلت فرقة مسرحية للهواة ضمن مخيم ‘ حندرات’ الفلسطيني، حيث قدمنا مسرحية ‘ على رصيف الغضب’ عام 1981 في أوّل تجربة إخراجية لي. بعدها وفي نفس العام أسّست فرقة ‘ الشهباء’ المسرحية، وكانت تابعة لمديرية الثقافة في حلب، وقدمت معها مجموعة من الأعمال التي شكلت ظاهرة فنية في فضاء المدينة، إذ كانت متابعة الجمهور لتلك العروض ملفتة للانتباه، حيث تمتلئ الصالة يومياً.
لكن الخطوة الأهم في تعزيز علاقتي بالمسرح جاءت عبر متابعة دراستي الأكاديمية للفن المسرحي، إلا أنني ورغم مضي هذه السنوات، ورغم حجم الأعمال التي قدمتها، ما زلت أشتغل بروح الهواة وخبرة المحترفين.

* جمع وانيس باندك بين الكتابة المسرحية وبين الإخراج أيضاً؟
*ربما لأنني بدأت في كتابة القصة القصيرة، ونشرت قصصي في الصحف السورية، حيث جاءتني أكثر من ملاحظة تشجيعية تشير إلى البعد الدرامي في قصصي، وأنني أحمل بذور فن الكتابة المسرحية، والتي أعتبرها من أصعب أنواع الكتابة الأدبية، وقد كتبتُ فعلاً بعض التجارب النصيّة للمسرح ولكنها لم ترَ النور، إلا أنني وبعد عودتي من أرمينيا بدكتوراه في الأدب المسرحي، بدأت أشعر أنني أصبحت ناضجاً لخوض غمار الكتابة المسرحية، فكتبت نصوصاً قمت بإخراج بعضها على الخشبة، كما كتبت نصين أخرجهما المسرحي ‘ محمد طيلون’، وأعتقد أنني في كتابتي المسرحية استفدت جداً من تجربتي العملية في المسرح ومن ملاحظاتي كمخرج.

*لكن الكثير من مثقفينا يرفضون حتى الآن الاعتراف بشرعية النصوص المسرحية كأدب، خاصة وأنّ المشهد المسرحي العالمي شهد وحتى مرحلة غير بعيدة انسحاب ثقل العمل المسرحي من الكاتب إلى المخرج؟
* كتبت مقالاً في ‘ ملحق’ جريدة ‘ الثورة’ الثقافي بعنوان ‘ النص المسرحي السوري! موت أم اغتيال؟’ رأيت فيه أنّ كتابنا المسرحيين المعروفين أمثال: سعد الله ونوس، وليد إخلاصي، مصطفى الحلاج، ممدوح عدوان، عبد الفتاح قلعجي، محمد أبو معتوق، رياض عصمت، .. وآخرين كتبوا نصوصاً مسرحية، وقدموا نصوصهم للمسرح القومي بأثمان رخيصة لا تُذكر. وكل فرق الهواة عملت على هذه النصوص من دون مقابل، إذ كان الهدف الأسمى هو تنشيط الحراك المسرحي. لكن فيما بعد برزت أسماء من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية كمخرجين، وبدؤوا يكتبون نص العرض المسرحي الذي يخرجونه، نص ‘ خشبة’ إن صح التعبير، وليس نصاً أدبياَ.
وكان تبريرهم بأنّ النصوص الأولى تمّ استهلاكها، أو أنها لا تجاري العصر، لذلك هم يكتبون نصوص عروضهم، أو يحاولون التعبير عن رؤاهم وأفكارهم المعاصرة. وهذا أربك الكثير من العروض، وشكل خللاً في بناء النص، وخللاً تالياً في بناء العرض المسرحي، حتى في تجارب أسماء كبيرة في عالم الإخراج اليوم، ومن هنا أميل إلى فكرة اغتيال النص المسرحي السوري، أكثر من موته.
بمعنى آخر: لا يمكن أن يكون هناك عرض مسرحي جيّد من دون نص مسرحي جيّد، فكما هو الإخراج عملية إبداعية مهمة، والتمثيل مهم أيضاً، يبقى النص المسرحي هو الأهم باعتقادي. وبالنسبة لي، وعلى الرغم من أنني كتبت بعض النصوص المسرحية وأخرجتها إلا أنني كتبتها كنصوص أدبية، وليست مجرّد نصوص خشبة أو للعرض فقط، كما أعمل بنفس الوقت على نصوص كثيرة لكتّاب سوريين، وأخرى مترجمة.
المهم برأيي أننا لا نستطيع أن نتخلى عن النص الأدبي الجيد، ولاحقا يأتي دور المخرج ليكون مؤلفاً ثانياً للنص، أو ليكتب نص العرض. واعتقد أنّ لدينا بعض الكتاب الشباب الموهوبين، ولكنهم يحتاجون إلى التشجيع والدعم ليأخذوا مكانتهم الأدبية أسوة بمن سبقهم.
*عرضك الأخير ‘ إطلاق الرصاص من الخلف’ لاقى نجاحاً مهماً كما قرأنا في بعض المتابعات الإعلامية، لماذا لا تتوفر المزيد من هذه الأعمال التي تستطيع استعادة الجمهور إلى المسرح؟ ولماذا توأد هذه الأعمال الناجحة عقب ولادتها، دون أن نراها في دمشق وباقي المحافظات السورية؟
*مسرحية ‘ إطلاق النار من الخلف’ للكاتب ‘ وليد إخلاصي’ نُشرت عام 1980، لكنني رأيت أنها لا تزال معاصرة في أفكارها ومغزاها، وقد تطلّب مني ذلك أن أعيد العمل على هذا النص كمسرَحة أو دراماتورجيا لأعيد تشبيكها في حياتنا اليومية. وقد فوجئت بسويّة التلقي ومتابعة هذا العرض الذي لم تشهده حلب منذ سنوات، وفق تعبير أحدهم، كما أنّ الكاتب ‘ وليد إخلاصي’ اعتبره أفضل عرض مسرحي قدّم لنصوصه في حياته.
ولذلك أنا اتفق معك على أننا بحاجة إلى الكثير من هذه الأعمال لاستعادة الجمهور إلى المسرح، كما أننا بحاجة إلى الذهاب بهذه العروض إلى الجمهور الأوسع في دمشق وباقي المحافظات، ولكن هذا يحتاج إلى تخطيط وقرار من مديرية المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة.

* من خلال تجربتك الشخصية، كيف ترى المشهد المسرحي الراهن في حلب ؟
*منذ بداية التسعينيات هناك سعير من الأعمال المسرحية التجارية التي تنتشر في حلب، والتي جعلت الحركة المسرحية في حلب تقع في مطب مسرح ‘ التسالي’ إن صحّ التعبير. في المقابل يوجد المسرح القومي الذي يُقدّم أعماله القليلة جداً، وهذه الأعمال لا تستطيع أن تشكل حالة أو ظاهرة مسرحية تقاوم المسرح التجاري وتقدّم بديلاً عنه. وقد انعكس ذلك على ذوق المشاهد في حلب، إذ تشوّهت ذائقته البصرية والنقدية من خلال عروض التسالي التي ذكرناها.
ونحن الآن نحتاج إلى الكثير من الأعمال الجيدة والقوية لنستعيد إلى المسرح جمهوره وألقه، نحن بحاجة إلى الكثير من الأعمال الكلاسيكية والأعمال الجادة وحتى عروض فرق الشباب والمسرح الجامعي التي افتقدناها مؤخراً، ففي مدينة حلب افتقد المشاهد عروض ومهرجانات المسرح العمالي والمسرح الجامعي ومسارح الهواة في النوادي والجمعيات الثقافية، كما افتقد مسرح مديرية الثقافة، هذه المسارح التي كانت تشكل بمجموعها حركة مسرحية جيدة، وكانت تجذب الجمهور لمتابعتها، ولكن عندما توقفت هذه التجارب، إلا في حالات فردية وطارئة اقتصرت على المسرح القومي، وبأعمال قليلة أصلاً، أصبح المسرح التجاري هو المسيطر الوحيد.
* ماهي أسباب تردي الحالة المسرحية والمشهد الثقافي عموما، وهل ما زلت محكوما بالأمل؟
*أنا أعتقد أنه عندما يكون وضع المسرح في حلب بهذه المأساوية فالسبب هو تراجع الحالة الثقافية العامة في المدينة، إذ أنّ المسرح جزء مهم من المشهد الثقافي. وأعتقد أنّ الحياة الاستهلاكية التي نعيشها بشكل عام جعلت الناس لا يبحثون أبعد من لقمة العيش، إذ أبعدتهم ظروفهم المادية عن الكتاب والمسرح ومشاهدة السينما، فيما لو وجدت لدينا سينما، وأصبح الإنسان يبحث عن الوسائل التي ترفّه عنه قليلاً من أعباء حياته اليومية، فيضطجع على الأريكة لمتابعة مسلسل تلفزيوني أو برنامج كوميدي لن يضيف إليه أي شيء جماليا أو معرفيا، فهذه الحالة أبعدت المواطن عن المتع التي كنا نمارسها أو نبحث عنها في الماضي، والتي أصبحت حالة استثنائية في حياتنا. تصوّر أنّ هناك روائيين يكتبون روايات لا يقرؤها إلاّ أصدقاؤهم، ومثلهم شعراء وكتاب لا يوجد لهم جمهور خارج بعض العلاقات الشخصية. ولن يشذ المسرح عن ذلك، فالثقافة كانت حالة مُعممّة سابقا، وأصبحت حالة خاصة مُقتصرة على الذين يمارسون الفعل الثقافي فقط.
وإن أردنا الخروج من عنق الزجاجة علينا العودة إلى ذلك المواطن أو الإنسان، علينا الاهتمام باحتياجاته المادية والثقافية في آن معا، وعندما تنتشر الثقافة من قصّة وشعر وفنون أخرى، وعندما نعنى بالإنسان منذ أن يكون طفلاً في المدرسة ونقدّم له ما هو جميل في الأدب والفن، سيكبر وهو يتجه نحو الثقافة الجادة والصحيحة. لذلك أعود إلى الحديث عن المسرح وضرورة الاهتمام بمسرح الطفل والمسرح المدرسي.
ومن خلال عملي الحالي كمدير للمسرح المدرسي في حلب، أستطيع القول أنّ لدى وزارة التربية توجّهاً في هذا الموضوع، حيث أنشأت مهرجانها الأوّل في كل المحافظات، وعندما يأخذ هذا المهرجان دوره في كل المدارس نستطيع أن نحلم بجيلٍ جديد يهتم بالمسرح والثقافة بشكل عام.
وبرأيي أن المستقبل مستمر من آلاف السنين ولا يمكن أن يتوقف لظروف خاصة أو عامة، سيأتي يوم ويكون لدينا فيه حركة مسرحية مهمة، وسيعود الجمهور إلى شـباك التذاكر، لأن الإنسان بحاجة إلى المسرح بطبيعته، بحاجة إلى استئناف الحوار والتواصل مجددا مع الآخر، وبالتالي قد يتوقف المسرح قليلا، لكنه سيعود دائما كما حصل عبر التاريخ، سيعود آلية للحوار ونافذة للجمال وفسحة للمتعة والمعرفة.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى