اسرائيلصفحات العالمقضية فلسطين

البديل عن فشل المفاوضات

مصطفى البرغوثي *
لم تُشْفِ رزمةُ الإغراءات والمكافآت الاميركية غليل بنيامين نتانياهو وحكومة المستوطنين التي يرأسها، بل يطالب بالمزيد. ومن يوم لآخر، تتكثف النشاطات الاستيطانية في القدس وسائر أرجاء الأراضي المحتلة.
الجاهل، أو المتجاهل، فقط مازال يعوِّل على مفاوضات مع اسرائيل. ذلك أمر مسلَّمٌ به. لكن السؤال الأساسي يبقى قائماً: ما هو البديل الذي سيُعتمد لفشل نهج المفاوضات؟
لقد وَعدت لجنة المتابعة العربية مراراً بأنها ستلجأ الى الخيارات الأخرى، ووعدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بأن لديها سبعة خيارات بديلة ستنتقي منها.
فلماذا الانتظار؟ ولماذا ترك زمام المبادرة بيد نتانياهو وحكومته، ومفاوضاته التي لن تنتهي مع الادارة الاميركية – التي تشعر بالضعف والحرج – للوصول الى صيغة ممسوخة اخرى لتجميد مزعوم للاستيطان، لن يكون تجميداً بل غطاءً للتوسع الاستيطاني؟
ألم يَحِنِ الوقت لاختيار البديل؟ وفي ظل استحالة انتزاع قرار من مجلس الامن، أليس البديل الفعلي المتوفر هو الإعلان الفوري عن الدولة الفلسطينية وحدودها على جميع الأراضي المحتلة بما فيها عاصمتها القدس، ومطالبة الجميع بالاعتراف بها، واتخاذ اجراءات فعلية لفرض الامر الواقع على الأرض في مواجهة السياسة الاسرائيلية؟
لقد سبقت البرازيل – مشكورةً – الجميعَ باعترافها بالدولة الفلسطينية وحدودها حتى قبل ان تطلب منظمة التحرير الفلسطينية ذلك، ونأمل في ان تحذو الدول العربية حذو البرازيل وتسارع الى اتخاذ هذه الخطوة.
في المعادلة القائمة حالياً، ليس هناك ما يزعج اسرائيل، بل هي في قمة الارتياح، فالاميركيون ينتظرون اسرائيل، والفلسطينيون ينتظرون الادارة الاميركية، والعرب ينتظرون الفلسطينيين، واوروبا والعالم ينتظر العرب والفلسطينيين، والكل مشغول بالحديث عن بناء مؤسسات الدولة، والكل يعرف ان اسرائيل تحشرها في المجال الامني سياسياً، وتحشرها في مناطق «أ» و «ب» جغرافياً، لتكون الخلاصة ما يسميه نتانياهو سلاماً اقتصادياً وبنياناً على ما لا يزيد عن 30-40% من الضفة الغربية: من دون القدس، ومن دون الأغوار، ومن دون قطاع غزة، ومن دون سيادة، ومن دون مصادر مياه، ومن دون الاجواء والحدود والمجال الكهرومغناطيسي (بدعة نتنياهو الجديدة!).
ان العملية الوحيدة الجارية حقاً على الارض هي تصفية عناصر القضية الفلسطينية وتصفية مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، واستبدالها بحكم ذاتي محدود في «بانتوستان»، وفي اطار تكريس نظام التمييز العنصري الاسرائيلي (الابارتهايد).
وبكلمات أخرى: ما يجري بناؤه، او ما تسمح اسرائيل ببنائه، هو ما اصطلح على تسميته «الدولة ذات الحدود المؤقتة»، وهو اسم مضلِّل، لأن المقصود جعل ذلك الحل دائماً وليس مؤقتاً.
لم تشهد قضية الشعب الفلسطيني في تاريخها ابداً هذا القدر من التآمر ولا هذا القدر من التواطؤ، كما لم تشهد الساحة الفلسطينية من قبل، وذلك من مسببات الحالة التي نعيشها، هذا القدر من التفتت. وكل محاولة لرأب صدع الانقسام الفلسطيني تجابه بضغوط خارجية لا أول لها ولا آخر، وبلاءات وفيتوات لا غرابة فيها، لأن أصحابها هم انفسهم أصحاب المشروع المذكور اعلاه، الذي من أهم مقومات نجاحه ابقاء الفلسطينيين منقسمين، ضعفاء، مشغولين بهموم لقمة العيش عن التفكير بمصيرهم الوطني ومستقبل ابنائهم وبناتهم، ومعرَّضين لعملية كَيٍّ لوعيهم غير مسبوقة، لإشعارهم باليأس والإحباط.
وهذا ليس نمطاً جديداً. رأيناه في أواسط الثمانينات، ورأيناه اواسط التسعينات، قبل ان يبلغ السيل الزبى. لكن هذا كله ليس سوى جزء من الصورة. ولربما كان في اغلبيته من مكونات الصورة الرسمية بمختلف هياكلها وعناصرها. ومقابلها هناك صورة أخرى، شعبية، لشعب متمرس لم تعد تنطلي عليه الاحابيل وان بدا صامتاً عنها.
صورة لعناصر توحُّد غير مسبوقة بين الفلسطينيين اينما كانوا، سواء داخل اراضي 1948، او في الضفة والقدس وغزة، او في الشتات والمهجر. وَحَّدتهم نفس القوة التي عملت على تقسيمهم، بإخضاعهم جميعاً لنظام التمييز العنصري تحت شعار يهودية الدولـة.
صورة لنهوض رائع لشباب وشابات فلسطين في مختلف انحاء العالم، بعد ان اجتازوا معاناة اهلهم وتشردهم وفقرهم، وتعلموا، ونضجوا، وأعادوا اعتناق قضيتهم الوطنية. وصورة لحركة عالمية ناهضة متضامنة مع فلسطين وقضيتها العادلة، ومؤمنة بما قاله نيلسون مانديلا: «إن قضية فلسطين هي قضية العدالة الانسانية الأولى في العالم»، حركة بدأ تأثيرها يمتد من الشعوب الى الحكومات، كما رأينا في موقف البرازيل والارجنتين.
صورة لحركة تنهض من القاعدة من بين الشعوب، لتجعل معظم جنرالات اسرائيل وقادتها يخافون السفر الى بلد كبريطانيا، ويخشون محاكم جرائم الحرب التي ستلاحقهم في كل مكان.
صورة لحركة جعلت متطوعين شعبيين يحققون ما عجزت عنه الحكومات والدول بكسر الحصار على غزة.
إنها الصورة نفسها للنضال نفسه الذي حرر جنوب افريقيا من نظام الأبارتهايد، وحرر الهند من الاستعمار، وحرر الاميركيين الافارقة من التمييز العنصري. إسمها إرادة الشعوب، وهي ما سماها غرامشي «تفاؤل الارادة في مواجهة تشاؤم العقل».
المتشائمون هم الذين راهنوا فقط على ما يسمى بالمفاوضات، فلا شيء فيها يبعث على التفاؤل. والمتفائلون هم الذين يراهنون على ارادة الشعوب وتراث شعب لم يكسره قرن من القمع والتآمر وعمليات الاحتيال، والذين يملكون مشروعاً بديلاً عماده المقاومة الشعبية والوحدة الوطنية واستنهاض حملة لفرض العقوبات على اسرائيل.
* الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية
الحياة

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. يادكتور مصطفى البرغوثي – وياكل فصائل منظمة التحرير لماذا وقفتم موقف المتفرج مما جرى بين فتح وحماس – وقفتم على الحياد بين الحق والباطل وبين الظالم والمظلوم – لم تقولوا من المخطئ حيث يجب أن يكون أحد الطرفين قد أخطأ على الآخر – أو أن أحد الطرفين أخطأ في كذا والطرف الآخر أخطأ في كذا – لماذا تركتموهم وحيدين بوساطة مصريكية متآمرة وخائنة لكل آمال وحقوق الشعب الفلسطيني – يادكتور الساكت عن الحق شيطان أخرس – قال تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما , فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله , فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله لايحب المقسطين – 9 الحجرات – لماذا يافصائل الشعب الفلسطيني لم تقوموا بهذه المهمة الربانية – أم أنه أمركم ليس بأيديكم !!! أما البدائل يادكتور فاسأل عنها مهندس جريمة أوسلو التي باع بها محمود رضا عباس عبدالبهاء ماتبقى من أرض فلسطين – ليس هناك بدائل يادكتووووووووووووووووووووووووووووور لأن جريمة أوسلو لاتحتوي على أية بدائل ولاأية كلمة عن الثوابت – القدس والحدود واللاجئين – فقط كانت جريمة أوسلو تنص على إبعاد حماس عن الساحة الفلسطينية التي كانت بعرف فتح ملكية خاصة لفتح – ولذلك ياسيدي لوكان في فلسطين رجال بصحيح فليفتحوا تحقيق قانوني ووطني بجريمة أوسلو ويحاسبوا مجرمها – البديل الحقيقي الوطني الصحيح هو التعاون والإتفاق مع حماس والمقاومة وليس غير هذه من بديل يصلح – وستذكرون ماأقول لكم – ولسوف تُسألون عما كنتم تعملون – والسلام

  2. يادكتور مصطفى البرغوثي – أنت تعلم تمام العلم أن حماس فازت في إنتخابات هي الأكثر شفافية ونزاهة على مستوى العالم الثالث بأسره – ومع ذلك قامت فتح في اليوم التالي بحرق سيارات نواب حماس وكسروا أبواب وشبابيك المجلس التشريعي – وتحولت فتح إلى وحش مسعور ينهش كل من يقابله – وبدأ الفلتان الأمني حيث أجهزة الأمن التي مهمتها حماية المواطنين تعتدي عليهم لإثبات فشل حكومة حماس – وأخذت أجهزة الأمن ( بأوامر دحلان ) تعصي تعليمات وزير الداخلية – وأنت ياسيدي الدكتور وكل الفصائل الفلسطينية الهلامية التي لم تنجح في الإنتخابات وقفتم كشيطان أخرس ( على الحياد ) بين الظالم والمظلوم بين المعتدي والمعتدى عليه وهذه ليست من شيمة الكرام الفضلاء – يادكتور إن ماسمي بإتفاقية أوسلو ماهي إلا جريمة بكل مافي كلمة جريمة من معنى – وإذاكنت لاتدري فتلك مصيبة — وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم – أنت ياسيدي الدكتور كنت طامعاً وكامحاً بالوصول إلى سدة الرئاسة عفواً الخازوق الذي كان يجلس عليه الراحل ياسر عرفات – كل فصائل منظمة التحرير شريكة في جريمة أوسلو – وهذه نتائج هذه الجريمة ترونها بأم أعينكم الإستيطان يكاد يبتلع ماتبقى من الضفة بينما أخرجت إسرائيل ذليلة صاغرة من غزة بجهود وجهاد حماس – ولكن !!– فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور – 46 سورة الحج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى