صفحات سورية

صناعة الخوف/ الخوف مطلب للمستبدين والطائفيين

null
مصطفى الحاج صالح
الخوف شعور طبيعي إنساني يعتور المرء عندما يواجه ما يجهل أو عندما يلاقي قوة طاغية لا يستطيع التغلب عليها سواء كانت قوة طبيعية أو بشرية ويظل الخوف محسوبا في عداد الطبيعي ما دام محدودا في الزمان والمكان فمتى تحول عن شرط المحدودية ليصبح مطلقا شاملا خرج عن كونه شعور إنساني طبيعي وردة فعل عضوية على أمر طارئ ليصبح صناعة وصناعة الخوف بالقطع ليست صناعة حديثة لكنها بلغت في عصرنا مرحلة متقدمة من الإتقان خصوصا في ظل أنظمة الاستبداد والطغيان ولعل من أهم عوامل نجاح صناعة كهذه الجهل والفقر ففي بلد كسوريا ما زالت فيه نسب الأمية عالية؛ وأعداد الفقراء في ازدياد مستمر لم يلاقي النظام الحاكم صعوبة كبيرة في تنمية تلك الصناعة مستفيدا من بعض خبرات العهود السابقة في تعميم وفي ترسيخ هذا الشعور داخل نفوس الرعية عبر قانون الطوارئ وعبر استخدام القوة العارية لتنفيذ أجراءات معينة لا تحتاج في الأحوال الطبيعية لمثل تلك القوة ( المكتب الثاني؛ الحرس القومي ) وفيما عدا فترة قصيرة من الديمقراطية الليبرالية التعددية عاشت البلاد موجات عنف متعاقبة لجأ العسكر خلالها إلى تصفية بعضهم بعضا وإلى تصفية مدنيين كانوا على صلات معينة مع العهد البائد ، لم تشهد البلاد بعد استقلالها من احتلال عسكري فرنسي كان مسبوقا بفترة سيطرة تركية طويلة الأمد فترة استقرار طبيعية تتيح للناس الرعية الجمهور فرصة التقاط الأنفاس وفرصة تجريب مشاعر وأحاسيس طبيعية ناتجة عن حالة استرخاء عامة في الاقتصاد والاجتماع كما في السياسة.
يقودنا هذا إلى الأشارة لحالة الاصطناع التي عاشتها شعوب المنطقة بعد سايكس بيكو وبعد قيام إسرائيل مترافقا مع قيام عدد من الكيانات المصطنعة مثلها ومع تحولها ـ إسرائيل ـ إلى أهم مصادر الخوف وأكثرها عنفا ووحشية بالنسبة للمواطن العربي [ فلسطين ولبنان بالدرجة الأولى ] يمكننا القول لا شيء طبيعي في حياة المواطنين في المنطقة المسماة الشرق الأوسط [ فلسطين ـ سوريا ـ لبنان الأردن ـ مصر ، العراق ] لا في اجتماعهم السياسي الذي تعرض للقطع والبتر؛ العنف والهزات ؛ الحروب والحروب الأهلية ( النكبة؛ حرب حزيران ؛ حرب تشرين؛ أيلول الأسود؛ الحرب الأهلية اللبنانية؛ تدخل الجيش السوري في لبنان؛ اجتياح بيروت ؛ الحرب الأهلية السورية ؛ الاعتداءات الإسرائلية الكثيرة ..حروب الخليج الثلاثة واحتلال العراق ..و ..) كل ذلك ملأ الأسماع وعلى مرآى العيون .. يعني ذلك؛ خوف يومي وقلق دائم ؛ خو ف وقلق دائمين في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متدهورة ؛ تشكل بدورها عاملا إضافيا لزيادة وتيرة الخوف والقلق خاصة في ظل سيطرة الأنظمة السياسية على مقدرات البلاد وإدارتها على أرضية ولاء مـٌفرخ للفساد ومبدأ الاستقواء فلم تكن سبل عيش المواطنيين سهلة ميسورة ولم تكن في أي وقت من الأوقات مريحة ؛ يضاف إلى فساد الاجتماع السياسي وإلى تدهور مستويات العيش إلى حدود غير مسبوقة/ في الحالة السورية / عامل ثالث ؛ ثقافية أقصائية قائمة على القسر والعنف ليس عند النظم الحاكمة بل عند قوى الظلام والجاهلية؛ قوى الطوائف والإرهاب التي ولدت في مخدع الطغيان ذاته وكانت استجابة لشرط نقيضها أو هو صنوها فكما احتكرت الأنظمة المستبدة أدوات قوة الدولة العلنية والمشروعة ( الجيش والشرطة) وقامت بتحويلها لصالح مشاريع البقاء السلطوية بأبعادها الطائفية ( العراق؛ سوريا) قامت قوى التطرف المختلفة باحتكار مشروعية العنف المضاد ؛ مسوغة القتل والموت على أسس دينية ؛ أسس تحلل الموت للقاتل وللمقتول .
إلى ما بعد حرب تشرين بقليل أو بالأحرى إلى عام تدخل الجيش السوري في لبنان لصالح الحفاظ على الصيغة اللبنانية التقليدية ومنعا لتغيير تلك الصيغة والحياة العامة السورية محتملة مقبولة إلى حد ما ؛ المجتمع الساسي لم يكن ملحقا بالسلطة إلى الحد الذي شهدناه فيما بعد و الدولة كانت قائمة بذاتها وغير متبوعة هي الأخرى أو مجيرة لأصحاب القرار السياسي في السلطة أما الثقافة أو بالأحرى المجال الثقافي العام فلم يكن إقصائيا بالشكل الذي شهده في ثمانينات القرن العشرين ؛ لم يكن مشدودا متوترا إلى حد إعلان كاتب بعينه كراهيته لمدن تبدأ بحرف الحاء ولم تكن التيارات المتطرفة آنذاك في وارد التكفير العلني لأشخاص أو جماعات بعينها ولعل تغير موقع اللاعب السوري في معادلة المنطقة هو الذي قاد إلى مجموعة انتقادات سياسية لم يحتملها النظام فراح يلجأ إلى تضييقات مختلفة في كافة المجالات ؛ في الثقافة كما في المجال السياسي العام ومثل هذه التضييقات كانت بمثابة الحامل لنمو مشاعر طائفية مضادة من جهة ومعززا لقدرات الأخوان المسلمين ؛ ترافق التضييق مع توسع ملحوظ في عديد الأجهزة الأمنية وفي دورها كما ترافق بعمليات إقصاء متتابعة لضباط من السنة إما من باب الوقاية أو لأنّ بعضهم كان مشاركا في الإعداد لعمليات انقلاب ولأنّ الحقيقة أبعد ما تكون عن الظهور في بلادنا لا يجد المرء أمامه من سبيل غير ترجيح عامل على عامل أو سبب على سبب ؛ بالتأكيد لن يجد رأس النظام ولاء أوفى من ولاء آل بيته أولا ثم ولا ء آل طائفته ثانيا وثالثا ولاء حزبه وهذا الولاء الأخير لم يكن كافيا أو مـُطـَمئنا خاصة بوجود نظام بعثي آخر منافس يعتمد ذات الأساليب تجاه شعبه وتجاه جيرانه( استخدام التنظيمات البعثية لغايات النظامين )
إن كانت السياسة تقبع في أساس الصراعات وإن كانت الثروة من أهم محاور الصراعات فلا شيء يفسر ما جرى في سوريا سوى رغبات ثأرية مستحكمة بأصحابها . نحن في الشرق أو (هم ) والمقصود هنا أهل الحكم لا يملكون سوى طريقة واحدة لإدارة الصراع السياسي أو الاجتماعي حول المصالح ؛ القوة والعنف والعنف بطبيعته جاذب لكل أنواع السلوك الدنيا وفي مقدمتها الانتقام والثأر ؛ المنتقمون الثأريون هنا وهناك استدعوا التاريخ بكل حمولته؛ النظام الثوري الانقلابي سموه ما شئتم حرم المجتمع من أدوات ووسائل الصراع الطبيعية( منع الإضرابات؛ فرض الطواريء ؛ التضييق على الأحزاب …إلخ ) تاركا المجال لبعض من جهاته الطائفية كي تعمل على تعميق الشعور الطائفي من خلال الدعوات ومن خلال ترويج أو بالأحرى تعميم ونشر ثقافة تصب في هذا المجال المسكون بالشياطين في نفس الوقت لم يكن لدى النسخة السورية من الأخوان المسلمين وطليعتهم المقاتلة من سبيل سوى السيف ؛ العقل والمنطق السليم بالإضافة إلى المصلحة الوطنية يقولان هناك دائما حلول لأي معضلة لو أنّ المصلحة الوطنية هي المعيار ِ؛ النظام وقد أحرز شرعية دولية وعربيه بعد اجتياح لبنان لم يعد بحاجة إلى شرعية داخلية قد تضطره إلى تقديم تنازلات إما للأخوان المسلمين أو للبعثيين ( النسخة الصدامية) اللذين يملكون دعما لوجستيا عاليا وقاعدة ولا لا يستهان بها لذلك راح وعن عمد يخفض من سقف الحريات العامة ؛ مضيقا في نفس الوقت مجالات المشاركة العامة والسياسية مستخدما قرارا لجبهته الوطنية القاضي باحتكار الجيش وقطاع الطلبة!! احتكار تحول من حزب البعث إلى الطائفة .
قبل بدء الفتنة كان الخوف شعور فردي يقبل القياس والتحكم كما لم يكن الخوف من السلطات آنذاك عميقا ولا واسعا كما أصبح فيما بعد .. إلى حد ما كان مظهر الدولة أكثر وضوحا من مظهر السلطة فمن جهة كانت معظم الإجراءات قانونية دستورية ( بغض النظر عن عدالة الدستور وعن دستورية القوانين).
وكأن أهل الحكم كانوا بانتظار مبرر يتيح لهم الإمساك بعنق المجتمع بقوة عبر العنف وتعميم الخوف .. أكان ذلك إذن مخططا ؟ كما يقول بعضهم انطلاقا من نظرية المؤامرة الجاهزة للاستعمال عندما نعجز عن الفهم والتحليل أو عندما لا نجرؤ على التوصيف و لا على قول حقائق مؤلمة؛ نراها ؛ نعلمها لكننا نتجاهلها .. بالتأكيد ثمة اطراف خارجية لها مصلحة في ما آلت إليه الأمور لكن يظل السؤال معلقا فوق رؤوس الزاعمين .. من أتاح لهم ـ ألأعداءـ فرصة العبث ..؟ هل أتاحت سياسة صدام احتلال العراق ..؟ ألا يسري هذا على الجميع . ما جرى في سوريا لم يكن متناسبا على الإطلاق مع حجم الجرائم المرتكبة ؛ لم ينبع من أرضية وطنية تأخذ بعين الاعتبار مصالح وأمن سكان كل البلاد إلى ذلك لم يجري على أرضية قانونية إنطلاقا من مسئولية الدولة عن مواطنيها فالرد على أعمال العنف والإرهاب ؛ على مجزرة المدفعية لم يكن مناسبا على الإطلاق؛ كان وفقا لكل المقاييس انتقاميا عنيفا غير قانوني ومن دون أية حسابات وطنية مستقبلية أو حاضرة والأنكى إطلاق يد قطعات معينة من الجيش ومن الأمن ؛ ذات صبغة طائفية .. أكان ذلك إذن مدروسا ..؟ أكان صاحب القرار يرمي من قراره هذا التمكين لطائفته فتصبح الغالبة باستخدامها قوة الجيش والأمن أو قوة الدولة أم أنّ الأمر لايعدو كونه هوجة ثأرية ؛ هوجة مكلفة قادت إلى ما قادت إليه وكانت سببا في خسارة لأمور كثيرة من أهمها حيادية الدولة على المستوى الطائفي .. ألم يكن بالمقدور إرسال قطعات جيش أخرى ..؟
الحكام ليسوا جهلة ولا أغبياء ولطالما تغنى كبراء الدولة بذكاء المعلم الرئيس هنا أو هناك وهو عندما يتخذ قرارا لا يفعل ذلك وهو نائم إذ تكفي خبرات قيادة السلطة وقراءة التقارير الأمنية المقدمة له كل يوم كي يحدد الاتجاه المطلوب لسفينته وقد اختار تأمين الغلبة الطائفية والعائلية كما اختار اسلوب الصراع ؛ اختار العنف القتل والمجازر ليحكم السيطرة ؛ اختار تعميم الخوف بطريقة غير مسبوقة طالت كل أرجاء البلاد ؛ إفراط في استخدام العنف على مدى سنوات عديدة ؛ شمل قصفا مدفعيا وصاروخيا؛ قتل جماعي ؛ مجازر ؛ تطويق المدن؛ ترافق ذلك مع تعميم هستريا أمنية شارك فيها إلى جانب الأجهزة الأمنية الموسومة بطابعها الطائفي [ في السلوك وفي العديد] حزب النظام من خلال كتائبه المسلحة بالإضافة إلى منظما ت شعبية تابعة للنظام وأحزاب تابعة .
حيثما توجهت .. كيفما تحركت وجدتهم أمامك ببنادقهم المشرعة ؛ أسئلتهم الوقحة المهينة ؛ شتائمهم ومزاجهم الانتقامي .. أنت مشبوه ما لم تكن منهم .. ما لم تحمل سلاحا معهم .. في النهار تنطلق دورياتهم المؤللة والراجلة في نسق يوحي لك في الحال أنّك أمام جيش احتلال ؛ أمام عصابات ؛ أمام مليشيا .. الأسلحة مصوبة نحو المارة ؛ العيون تبرق بوميض عدائي غير متخيل … فجأة يطلقون الرصاص ؛ يطلقونه بكثافة.. يطلقونه فوق الرؤوس وهم يهتفون هتافات تقليدية معتادة عندهم وأخرى استفزازية مهينة فمن يرفع عينه ؛ من يرفع رأسه ..؟ من يجرؤ على التوقف ما لم يطلب منه ..؟ من يجرؤ على المشي دون أمر هم في كل مكان .. في الأسواق .. أمام الجوامع .. في زوايا الحارات والأحياء؛ أمام الجامعة وفي وسطها وعليك وأنت في بلدك إظهار بطاقتك الشخصية عدة مرات في اليوم الواحد ولا يتوقف الأمر هنا عند إجرءات أمنية اتخذتها دولة رشيدة أو في الحد الأدنى نظام سياسي غير منحاز .. فمن يطلق تلك العفاريت من قماقمها (إن لم يكن يعرف !!) فعليه معرفة ما كانت تلك العفاريت تفعله وكيف كانت تتصرف ؛ الجني المحبوس ( على فرض حسن النية عند أهل الحكم) لم يكن مؤهلا لأداء مهمام وطنية داخلية على درجة شديدة من الحساسية ؛ هو ـ الجني ـ أمي أو شبه أمي وفي نفس الوقت أقرب إلى الطائفية في مسلكه من الوطنية ؛ أقرب إلى الطاعة العمياء منه إلى التدبر فمدن البلاد ليست الجولان ولا هي خط نار مع العدو .. لكنهم أفتوا بذلك ومجرد الإفتاء بذلك على المستوى السياسي والديني يعني تغييب كل مصلحة وطنية ولو تمعن أهل الحكم السابقين والحاليين في الأمر لأدركوا أنّ التخوين مثلبة عليهم وبرهان على شعور باللامشروعية ؛ شعور بأنّهم سارقون وبأنّهم عابرون وأنّ تعميم الخوف ونشره بأشكال مختلفة لا يحمي أوطانا بل ولا يؤمن سلطات لو أنكشف عنها الغطاء ؛ المواطن الشجاع الأمن على نفسه من سلطته هو المانع لكل تآمر ؛ هو القوة التي يخشاها الأعداء ؛ هو ما بالضبط ما تخشاه إسرائيل التي تعتبر أكبر المخيفين في منطقتنا ؛ هي مصدر كل شر ويقع وجودها واستمرار وجودها في أساس الطغيان وفي أساس الطائفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى