صفحات سورية

دمشق وواشنطن وحافة الهاوية

حسام كنفاني

من المعلوم أن العلاقات السورية – الأمريكية تمر منذ سنوات بمرحلة من القطيعة شبه التامة بناء على التشخيص الأمريكي لدمشق على أنها “دولة تزعزع الاستقرار” في الشرق الأوسط. إلا أن التوصيف لم يمنع التعاون الاستخباري بين البلدين منذ ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول. تعاون أقرّ به كبار المسؤولين في البلدين وفي مقدمتهم الرئيس السوري بشار الأسد، حتى جاءت الغارة الأخيرة في البوكمال لتضع علاقات الدولتين أمام المزيد من التعقيد.

رد الفعل السوري لم يخرج عن إطار العقلانية التي تدير بها دمشق سياستها الخارجيّة منذ عقود. فالدبلوماسية السورية تحرص دائماً على الحفاظ على شعرة معاوية مع الإدارة الأمريكية واعتماد سياسة حافة الهاوية من دون تخطيها، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض أو السياسات التي تمارسها تجاهها. ويمكن اعتبار أن قرار الإغلاق الفوري للمركز الثقافي الأمريكي، هو الرد الوحيد المباشر من سوريا تجاه واشنطن. أما المدرسة الأمريكية، فإن تأجيل إغلاقها إلى السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني يطرح علامات استفهام حول إمكان تطبيق القرار، ولا سيما أن التاريخ المذكور يأتي بعد إجراء الانتخابات الأمريكية وخروج نتائجها إلى العلن، وإذا كان المرشّح الديمقراطي باراك أوباما فائزاً، كما تشير كافة استطلاعات الرأي، فإن صفحة جديدة من العلاقات يمكن أن تفتح. صفحة قد تكون بدايتها إلغاء قراري إغلاق المدرسة والمركز الثقافي.

ومن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة تدرك السياسة السوريّة تجاهها، فسارعت إلى التلويح بإغلاق السفارة، وهي خطوة تسبق قطع العلاقات الكاملة وربما إعلان الحرب، الأمر الذي لا تريده دمشق في هذه المرحلة من حياة الإدارة الجمهورية الحالية. وكان لافتاً الحماية المكثفة للسفارة الأمريكية خلال التظاهرة المناهضة للولايات المتحدة في دمشق قبل أيام، رغم أن السفارة نفسها كانت عرضة لهجمات من متظاهرين في مناسبات سابقة.

بحسب مسار التصريحات السورية والأمريكية، فيبدو أن احتواء التصعيد بين الطرفين هو الغالب حالياً بانتظار الادارة الأمريكية الجديدة، التي قد تحسم الانقسام القائم في الإدارة الحالية، وخصوصاً بين الاستخبارات ووزارة الدفاع، حول التعاطي مع سوريا، التي أخرجت الغارة من دائرة أي رسائل سياسيّة، لتضعها في حسابات انتخابية أمريكية، أو “آخر أوراق إدارة بوش الراحلة”، كما نقلت وكالة “الأنباء” الإيرانية عن الرئيس السوري، بشار الأسد، خلال اتصاله الهاتفي مع نظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد.

ما يمكن تسميته ب “مسار التهدئة” السوري مع الولايات المتحدة، لا ينطبق بالضرورة على العراق، الذي يبدو أن سوريا تحمله الجزء الأكبر من تبعة الاعتداء، وخصوصاً أنه الوحيد الذي أقرّ به رسمياً، عبر التصريحات المبرّرة التي أدلى بها المتحدّث باسم الحكومة علي الدباغ في اليوم الأول للهجوم، ثم عاد وتراجع عنها في اليوم التالي. التصريحات أشارت إلى أن الحكم العراقي كان على علم مسبق بالاعتداء، رغم أن واشنطن لم تعترف به رسميّاً بعد.

وتخفيض عديد القوات السورية على الحدود العراقية يمثل رسالة مزدوجة لبغداد وواشنطن، غير أن تبعاتها بعيدة المدى تخص العراق من دون غيره، الذي يبدو أن علاقته مع دمشق قد تعود إلى ما كانت عليه في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.
الحليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى