صفحات مختارةياسين الحاج صالح

لماذا لم يكن ماركس ملحدا؟

null
أندي بلوندن
كتب أندي بلوندن، الماركسي الأسترالي، هذا النص في حزيران 2006. وفضلا عن أهميته الذاتية، وعما قد يحوزه من فائدة للنظر في المشكلة الدينية الراهنة عندنا، فإن نشر نص حول ماركس ربما يكون مساهمة متواضعة في الاحتفال بمرور 160 عاما على البيان الشيوعي.
في شذراته المعروضة هنا يبدو ماركس في صراع مع أفكاره. هذا مفهوم. فقد كان الرجل شابا دون الثلاثين حين اعتنى بقضايا الدين. ولعل اهتمام ماركس بالمشكلة الدينية تراجع منذ أواخر أربعينات القرن التاسع عشر لأن الواقع ذاته كان يتكفل بحلها في أوربا الغربية. فقد أنجز الجوهري من نقد الدين في ألمانيا كما يقول ماركس نفسه، وكان سيادته السياسية نزعت لمصلحة الدول القومية و سيادته العقلية لمصلحة العلوم الطبيعية والإنسانية.
أما عندنا فبعيدا عن أن تكون المشكلة الدينية قد حلت، يتراءى لبعضنا بالعكس أن الدين هو الحل لمشكلاتنا الوفيرة، الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها. وفوق سيادة رمزية لا جدال فيها، فإنه يحوز سيادة عقلية واسعة إلى درجة تسخير العلوم الطبيعية لتثبيت سلطته أحيانا، ويتطلع إلى السيادة السياسية في أكثر بلداننا.   للقارئ أن يقدر إن كانت مقالة بلوندن وأفكار ماركس تفيد في مقاربة مشكلتنا الدينية. ما نحن على يقين منه أن مدى الانتفاع بها يتضاءل كلما تعاملنا معها تعاملا دينيا، على نحو كان شائعا قبل عقود قليلة، ولا يزال في بعض أوساطنا.
آندي بلوندن من مواليد 1945 في أستراليا لأبوين شيوعيين، درس الهندسة في ملبورن وفي لندن، وهو يعيش الآن في ضاحية قرب ملبورن.وهذه وصلة لموقعه الشخصي:  http://home.mira.net/~andy/   المترجم
*************
قد يبدو عنوان كلامي مفاجئا لبعضكم، غير أنها لحقيقة مجردة أن ماركس رفض أن يصنف كملحد منذ أن كان في الثالثة والعشرين على الأقل، وأنه لم يصف نفسه بالملحد قط. وليس موقفه المجمل من الدين مطابقا لما يفترض بشأنه عموما، كما أن موقفه من المادية الفلسفية ليس موافقا لتأويله الشائع. لكن قبل أن أبدأ، يتعين علي أن أدلي ببضع نقاط توضيحية صغيرة، وذلك فقط للتيقن من أننا لا نهدر وقتنا بكلام لا طائل من تحته، توجهه مقاصد متعارضة.
نقاط توضيحية
بادئ ذي بدء، لست أزعم أن ماركس كان متدينا أو أنه كان غير مكترث بالإيديولوجية الألوهية أو متعاطفا معها. لقد ذهب، بالأحرى، إلى أبعد من قضية وجود الله، ولم يكتف بإنكار وجوده.
وتاليا، ينبغي أن يكون واضحا أني لا أدعي أن ماركس كان لا أدريا. فهذا موقف بلغ من الغباء حد أنه لا يتفوق إلا على موقف أولئك الذين يمارسون الدين تحسبا لاحتمال أن يكون الله موجودا فعلا.
أخيرا، في كل ما أقوله عن الإلحاد فإنه لا علاقة للإله الذي أتكلم على نكران وجوده بتصورات طفلية لإله أنثروبومورفي (مشابه للإنسان) يشرف على حركاتنا وسكناتنا، ويُؤثر قويمي السلوك من بيننا. لقد اختفى هذا الضرب من التصور من اللاهوت الجدي، دع عنك الفلسفة، منذ قرون خلت؛ وكان حوفظ عليه لوقت طويل لمواساة الجهلة وضبط الأطفال.
إن إلحادا يحدد نفسه بنكران هذا الصنف من الإله لا يستحق اسمه. أما الإلحاد الذي أتكلم عليه فهو إلحاد ينكر وجود إله من أي صنف، بما في ذلك ألوهة غير تدخلية تقتصر على كونها محركا أول، وبما في ذلك الإله السبينوزي  المتحد بالوجود.
وعلى أية حال، أكرر القول إن هذا لا يعني البتة أن ماركس كان ربوبيا  أو معتنقا لمذهب وحدة الوجود، ما أعنيه هو أن الرجل ينكر كل ضروب الإلوهة والربوبية ووحدة الوجود، بما فيها تلك الضروب التي تنتحل زيا إلحاديا أو فلسفيا.
في أيامنا هذه نواجه انبعاثا لما يسمى “الأصولية”، والواقع أن الأصولية المسيحية تمكنت من الاستيلاء على مواقع قوية جدا في العالم، رغم أن الأصوليين يبقون أقلية صغيرة من مجموع السكان ككل. وبالطبع يزكي  الأصوليون المسيحيون هؤلاء تصورا طفليا لله. وفكرتي أنا هي أن الماركسين والملحدين من كل صنف سيجدون أنفسهم في تحالف مع قوى التيار المسيحي الرئيس [غير الأصولي، م] الأعرض بكثير في مواجهة تلك الغباوة الرجعية. ورأيي أنه ليس للنضال ضد تلك الدوغما الصبيانية وغير المتسامحة أية صلة بالإلحاد. آمل أننا متفقون جميعا على ذلك. فالإلحاد مطروح على مستوى أعلى، إن أمكن القول. فإذا كنت ملحدا، لن تكون ضد بيركلي والبابا فقط، وإنما ضد سبينوزا وروسو أيضا.   .
تبقى نقطة أخيرة في هذا التقديم. سأقتبس كثيرا من ماركس لأن مقصدي هو توضيح رأي ماركس وليس رأيي أنا، وبتحديد أكبر أن أثبت أن ماركس رفض تصنيفه “ملحدا”. ليس غرضي أن أحاضر عليكم بآرائي في شأن الإلحاد. ستظهر آرائي بالطبع، لكن عرضيا فحسب.
ماركس والمادية الفرنسية
إن مؤسسي الإلحاد الحديث هم ماديو القرن الثامن عشر الفرنسيون: جان ملييه، جوليان لا متري، دنيس ديدرو، هولباخ، أنارشازيس كلوت، جاك هيبير وأمثالهم. وكان ماركس صريحا في اعتبار مفكري هذا التيار مصدر النظرية السياسية الشيوعية الحديثة. مقابلا بين هؤلاء الكتاب والمادية الديكارتية “العلمية”، كتب ماركس في العائلة المقدسة: “يفضي التيار الآخر في المادية الفرنسية مباشرة إلى الاشتراكية والشيوعية. وما من حاجة إلى كثير من نفاذ البصيرة لنرى من تعاليم المادية بصدد الخيرية الأصلية للإنسان والمواهب العقلية المتساوية للناس والقوة الحاسمة للتجربة والعادة والتربية وتأثير البيئة على الإنسان والأهمية العظمية للصناعة وتسويغ التمتع إلخ، لنرى كم أن المادية على علاقة ضرورية بالشيوعية والاشتراكية”.
لقد كان الملحدون هم اليسار الأقصى في الثورة الفرنسية. فإنكار الله كان إنكارا لكل سلطة على الإنسان لمصلحة حرية البشر الكاملة في تنظيم العالم لمصلحة الإنسان. كان أيضا اليافطة التي شنت باسمها الحرب ضد ممثلي الله على الأرض، أي الكهنوت المسيحي. ولقد رأى ماركس نفسه بجلاء تام مشاركا في حركة تمتد أصولها، عبر بابوف وبلانكي، في تربة المادية الفرنسية.
لكن حين انضم ماركس إلى “الاشتراكية الحقيقة” على يد موس هس، وشرع بالكتابة السياسية كأحد أتباع لودفيغ فويرباخ، كان عبوره من هذه البداية إلى نقد صارم لا لين فيه للحركة الشيوعية في أيامه عبورا بالغ السرعة. ولقد تمثل أحد انشغالات ماركس في إنقاذ تبصرات الفلاسفة المثاليين الألمان من إسقاط طائش لها في غمار الحماس للإلحاد الفرنسي الراديكالي الجديد.
نقد الدين
في ملاحظة شهيرة في مطلع مدخل إلى نقد فلسفة الحق عند هيغل، كتب ماركس: “بخصوص ألمانيا، لقد اكتمل نقد الدين في أساسياته، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكل نقد”.
وبينما لفت إلى أن المهمة الملقاة على عاتق الإلحاد قد أنجز الأساسي فيها على يد الثروة الفرنسية، فقد رأى أيضا نقد الدين نموذجا لنقد الرأسمالية.
ومنذ عام 1842، وكان في الثالثة والعشرين، كتب ماركس إلى صديقه أرنولد روج أنه يرفض لنفسه “صفة “الملحد” (التي تذكر المرء بالأطفال وهم يؤكدون لكل من هو مستعد لسماعهم أن لا يخافون من  البعبع)، وأنه يفضل بدلا من ذلك أن يوضع مضمون الفلسفة بين يدي الشعب” [رسالة إلى روج، 24 تشرين الثاني 1842].
وفي مخطوطات 1844 جادل مارس بأنه مع انتصار الثورة البرجوازية وبروز حركة العمال المناضلة من أجل الاشتراكية، أخذ الإلحاد يغدو مفارقة تاريخية: “لما كان الوجود الحقيقي للإنسان والطبيعة قد غدا ظاهرا في الممارسة، عبر التجربة الحسية، لأن الإنسان غدا ظاهرا للإنسان ككائن للطبيعة، والطبيعة غدت للإنسان كائنا للإنسان [قد يعني ذلك: ما دام الإنسان والطبيعة قد حازا السيادة واستقلا عن كل قوة متعالية، م]، فإن مسألة وجود كائن غريب، فوق الطبيعة والإنسان، المسألة التي تتضمن إقرارا بلا حقيقية الإنسان والطبيعة، قد أضحت مستحيلة عمليا. وعليه لم يعد للإلحاد، من حيث هو نفي لله، أي معنى؛ ولا كذلك من حيث تسليمه بوجود الإنسان عبر هذا النفي. فالاشتراكية، بما هي كذلك، لم تعد بحاجة إلى توسط كهذا [وساطة نفي الله لإثبات الإنسان، م]”.
الاختلافات الأهم في السياسة هي دوما، بالطبع، تلك التي تميزك عن أصدقائك. إن موس هس، الذي ضم إنجلز إلى الشيوعية، وصاحب الفضل الأصلي في وضع شعار “الدين أفيون الشعب”، والذي بقي على تعاون وثيق مع ماركس حتى ستينات القرن التاسع عشر، صار هدفا لهجوم البيان الشيوعي لأنه يندد بالحقوق البرجوازية حتى قبل أن يتم إحرازها في ألمانيا. وفي نظر ماركس، كان هذا الصنف من المنافحة الصادحة عن فضائل الاشتراكية، المتعارض تماما مع شروط تحقيقها، معادلا لمساندة الرجعية. لقد كانت معارضة ماركس للإلحاد وثيقة الارتباط بمعارضته لهذا الصنف من النزعة اليسارية القصووية الفائقة، الغافلة عن حالة الوعي في أوساط الطبقة العالمة الألمانية.
كان أستاذ ماركس في الفلسفة، لودفيغ فويرباخ، هو الملحد الألماني الأوسع شهرة، وكان يتهم هيغل بإلغاء التاريخ فقط ليستعيده في الفلسفة. وإنما عبر نقده لمادية فويرباخ صاغ ماركس نظراته الخاصة.
فلنلق نظرة على ما قاله ماركس بصد نقد الدين. يقول في مقدمته الشهيرة: “إن جذر النقد اللاديني هو: الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. وإن الدين هو بالفعل الوعي الذاتي والاعتبار الذاتي للإنسان الذي إما أنه لما ينجح بعد في شق طريقه إلى نفسه أو أضاع الطريق ثانية. بيد أن الإنسان ليس كائنا مجردا يقبع خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. الدولة تلك والمجتمع هذا ينتجان الدين، الذي هو وعي مقلوب للعالم، لأنهما هما عالمان مقلوبان. الدين هو النظرية العام لهذا العالم،… ملجأه الأخلاقي، كمالته الرصينة والقاعدة الشاملة للمواساة والتسويغ فيه. إنه التحقيق الخيالي للجوهر الإنساني لأن الجوهر هذا لما يحز أي تحقق واقعي. لذلك فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد ذاك العالم الذي يمثل الدين أريجه الروحي. إن المعاناة الدينية هي في الآن ذاته تعبير عن المعاناة الواقعية واحتجاج على المعاناة الواقعية. الدين تنهيدة الكائن المضطهد، قلب عالم لا قلب له، وروح شروط بلا روح. إنه أفيون الشعب”.
ليس الإلحاد، تاليا، مجرد هجوم يستهدف العرض بدل المرض، بل إنه هجوم على الوسيلة التي تتوسلها الجماهير لتحمل معاناتها.
موضوعات حول فويرباخ
إن لب نقد ماركس موجود في هذه الموضوعات؛ ليس نقده للدين فقط، وإنما كذلك للرأسمالية. يحتاج الناس، ممن ليسوا فلاسفة، إلى الدين، أقله في شروط الاضطهاد والاغتراب. يحتاجونه على نحو ما يحتاجون مثلا عليا وأبطالا، أو حتى آمالا ضئيلة كي يناضلوا ويضحوا من أجل عالم أفضل. لذلك فالجدال ضد الدين بدل معالجة الشروط التي يتولد منها الدين يعطي نتائج عكسية. وكما يقول ماركس في ااموضوعة الرابعة حول فويرباخ: “ما إن نكتشف أن العائلة الأرضية هي سر العائلة المقدسة، حتى ينبغي علينا أن نصفي الأولى ذاتها نظريا وعمليا”.
ونقد ماركس للمادية الفلسفية واضح في الموضوعة الأولى: “يتمثل العيب الرئيس في المادية الموجودة حتى أيامنا، بما فيها مادية فويرباخ، في أنها تتصور الموضوعية والواقع والعالم الحسي في صورة الموضوع أو التأمل، لا كفاعلية إنسانية محسوسة، كممارسة، أي ليس ذاتيا. لذلك فقد وقع تطوير الجانب الفاعل على عاتق المثالية وبالتعارض مع المادية، بيد أنه تطوير مجرد لأن المثالية لا تعرف بالطبع الفاعلية الحسية بما هي كذلك”.
ليس نقد ماركس للمادية الفسلفية شأنا عارضا. فإذ تبين الدور التاريخي التقدمي الذي لعبته المادية الفلسفية على نحو ما تمثلت في ملحدي القرن الثامن عشر الفرنسيين، أخذ يرى أن هذا الموقف صار يتعين تجاوزه: “إن مسألة ما إذا كان يمكن عزو حقيقة موضوعية إلى التفكير الإنساني ليست مسألة نظرية بل هي مسألة عملية… وما الجدال في شأن واقعية ولا واقعية التفكير في معزل عن الممارسة غير مسألة محض سكولائية”.
إن المادية الدوغمائية من الصنف الفويرباخي تضع نفسها فوق المجتمع وخارجه” (الموضوعة الثالثة): “إن المذهب المادي الذي يقرر أن الناس نتاج للظروف والتربية، ومن ثم أن أناسا متغيرين هم نتاج ظروف متغيرة وتربية متغيرة، ينسى أن الناس هم من يغيرون الظروف وأن المربي في حاجة إلى تربية هو ذاته. لذلك يتحتم على هذا المذهب أن يقسم المجتمع إلى قسمين، أحدهما متوضع فوق المجتمع ذاته…”.
ويتعين فهم اقتراح ماركس المضاد على أكمل وجه. يقول في الموضوعة الثامنة: “الحياة الاجتماعية عملية في أساسها. والألغاز التي تقود التفكير النظري نحو الصوفية تجد حلها العقلاني في الممارسة الإنسانية وفي استيعاب هذه الممارسة”.
وليس الحل هذا هو العقل، ولا الطبيعة، ولا الإنسان، فهذه تجريدات، وإنما هو “الأفراد الحقيقيون، نشاطهم والشروط المادية التي يعيشون في ظلها” (الإيديولوجية الألمانية، 1 آ)
وحدة الوجود والمادية
إله أو لا إله، هذا لا يجدي شيئا.
إن المادي الذي يفخر بأنه لا يؤمن بالله، وأنه بالعكس يؤمن بأن كل شيء تحكمه الطبيعة أو تحدده قوانين الطبيعة (أو قوانين التاريخ، لا فرق) يختلف عن المؤمن بوحدة الوجود في الاسم الذي يعطيه للرب، وليس بالضرورة في أي شيء آخر.
دعوني أعطكم أمثلة مما قاله الماديون الفرنسيون العظام الذين أحلت إليهم فوق.
يقول جان ملييه في عام 1742: ” سأختم بأن أرجو الله الذي تثير تلك الطائفة سخطه أن يتلطف ويعود بنا إلى الدين الطبيعي، الذي ليست المسيحية غير عدوه الصريح”.
أما لامتري فقد كتب عام 1748: “لقد خلقتنا الطبيعة جميعا لا لشيء إلا لنكون سعداء.. ولهذا الغرض أعطت الحيوانات جميعا قسطا من القانون الطبيعي”.
ويقرر كلوت عام 1793 : “ما من إله آخر غير الطبيعة”.
ومن جهته فقد عزم روبسبير على بعث ما يسمى الكائن الأسمى، وعين يوما وطنيا ليقوم الفرنسيون بعبادته. ليست مفاهيم مثل المادة، الطبيعة، الأرض (غايا)، التاريخ، العقل.. غير أسماء أطلقتها طوائف مختلفة على الله، الأمر الذي تشير إليه عادة كتابة الحرف الأول من هذه الكلمات بحرف كبير.
ربما ليس تماما. فبالطبع يضمر الاسم الذي يطلق على الله نظرية كاملة حول طبيعة الله وكيفية معرفته، وهنا تكمن الفوارق الجوهرية. حين شيّأ الثوريون الفرنسيون العقل واستولوا على ممتلكات الكنيسة المسيحية، كان هذا بالطبع تغيرا حقيقيا وماديا جدا. أما حين تكتفي بإنكار وجود أي إله، فإنك تترك مسألة الافتراضات الأساسية التي يمكن تبيّن معنى العالم استنادا إليها من غير إجابة. ولعلنا نتوسع في مناقشة هذه النقطة لاحقا.
ليست المسألة مسألة وجود الله. إن المادة، على سبيل المثال، اسم أعطي للمطلق من قبل المادية. فإذا أعطينا أسبقية للمادة على الوعي فقد لا يكون ذلك غير مجرد صيغة من صيغ وحدة الوجود. العلم يختلف عن الدين في نظرية المعرفة التي تستخلص منه.
لا معنى إذن للاكتفاء بنكران وجود الله. ما معنى قولنا “يوجد”؟ إن تأكيد أن كينونة ما، إلهية أو غير ذلك، توجد بصرف النظر عن المعنى الذي قد يحوزه هذا الوجود في الممارسة الإنسانية، هو تقرير ضمني لإلوهة من نوع ما.
وليس لنكران الوجود مغزى مختلفا عن ذلك. عليك أن تحدد بوضوح ما تعنيه بقولك إن شيئا ما موجود قبل أن يكون لقولك إن الشيء غير موجود أي معنى.
على سبيل المثال، كنت أنا طوال سنوات مدافعا عما يسمى “ديالكتيك الطبيعة”. وهذا، مثل الداروينية الاجتماعية، يزعم استنباط قوانين المجتمع من قوانين الطبيعة. بيد أنه موقف غبي فعلا، وقد نتناوله في وقت آخر. وإنما نوع التصور هذا الذي يعزو خصائص معينة للطبيعة (الله) بغية إثبات أن الخصائص هذه ينبغي تطبيقها على الحياة الإنسانية، هذا النوع من التصور هو الذي وصفته بأنه غير مختلف جوهريا عن الربوبية أو وحدة الوجود.
إن فكرة “الله”، ومثلها فكرة “الطبيعة”، ليست إلا المطلق ضمن نظام فكري معطى، “الدال الكوني” بلغة ما بعد الحداثيين. أما عند الاشتراكيين فالمطلق هو النشاط الإنساني، الممارسة، ما هو ذاتي وموضوعي معا. وهذا التصور يختلف اختلاف الطبشور عن الجبن عن كل إشكال الألوهية والربوبية، مادية كانت أم مثالية.
خاتمة
ختاما، ينبغي لي أن ألفتكم إلى أن ماركس احتفظ بعداء عنيد للكهنوت وكل مؤسسات النظام القديم التي استخدمت لإبقاء الجماهير في حالة خضوع وجهل، وهو لم يجر أية تسوية مع مؤسسات الكهنوت الرجعية. ولقد قال: “ليست الاشتراكية المسيحية غير الماء المقدس الذي يقدس به القسس حرقة قلب الأرستقراطيين” (البيان الشيوعي).
لقد عارض تأثير الدين على الطبقة العاملة، لكن فقط بوصفه شكلا واحدا من أشكال تظاهر الصوفية، إلى جانب أشكال أخرى منها ذكر منها الإلحاد في أيامه.
كما تنبأ بيوم في المستقبل لن يكون فيه لله مكان في الشؤون الإنسانية، لأن ذلك العالم الذي يمثل الدين أريجه الروحي سيكون قد اندثر. بيد أن ذلك لا يزال شأنا من شؤون المستقبل.
ياسين الحاج صالح
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى