صفحات مختارة

المثقفون الغربيون والثورات العربية

الان تورين
كل صوت يرتفع مطالباً المثقفين بالتزام الصمت أمام النهضة الشعبية التي تشهدها العديد من الدول العربية، لا سيما في مصر وتونس، مرفوض بالدرجة الأولى جملة وتفصيلاً. ما غرض أولئك الذين يرفعونه؟ هل يريدون كتباً ونصوصاً شبيهة بتلك النصوص المتملّقة المكتوبة لفيديل كاسترو وماو أو الخميني؟
أشعر بالريبة إزاء ما يطلقه المفكرون الغربيون من أحكام سلبية حول الانتفاضات الحالية والذي يتكئ على نظرة عدائية للعرب تبزّ مبالغات الثقافة العالمثالثية لديهم. (أمثال برنار هنري ليفي وفنكلكروت وسواهما).
لا يمكن أن أفهم كيف يعطي فيلسوف أو كاتب الحق لنفسه في قول ما يشاء حول ما يشاء كما لو كان مبشراً في العالمية.
ما أبديته فيما سبق من فظاظة بحق الاعتدادات النخبوية الموجودة لدى بعض المفكرين الفرنسيين، ما هو إلا تمهيد أخاطر من خلاله بالقول إن التجربة الإيرانية قد أرخت بظلالها على أحكام كثيرين منهم. ومن هنا على المثقفين، وعوضاً عن «استحضار التجارب السابقة»، أن يسعوا إلى تشجيع واستنهاض كل ما من شأنه أن يعزّز هذه الحركات التحررية، التي يتربّص بها كمّ هائل من العقد وحتى خطر الانقلاب على مفهوم حريتها نفسه. ما ننتظره من هؤلاء «المفكرين» هو أن يطرحوا الأسئلة، باسم من يسعون وراء الديموقراطية، على أولئك العارفين الذين تحميهم معرفته من ارتكاب أخطاء جسيمة والذين، في الوقت نفسه، لا يملكون وحدهم الأجوبة الكافية.
وهنا أطرح إشكاليتي، وفي طياتها رغبة في تسليط الضوء على فرص الحرية الكامنة في التحركات الحاصلة التي تحمل، على غرار الحركات التاريخية كلها، إمكانيات الفشل كما تحمل العديد من الدلالات وحتى المتناقضة فيما بينها. دورنا نحن المثقفين أن نلقي بثقلنا التحليلي على الأحداث، في سبيل تمتين وتعزيز تلك الدلالات التي تشكل في ذاتها مستقبل الحريات والديموقراطية، وأن نمارس الضغط، في الوقت نفسه، على الحكومات الأوروبية التي برهنت على انعدام ثقة لديها في تلك الحركات الشعبيّة.
أقترح في البداية نقطة للنقاش تتلخص بما يلي: العالم عاش، على مدى نصف قرن، في ظل صراع عالمي، بارد أحياناً وساخن أحياناً أخرى، بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. وقف الاوروبيون خلاله، بسوادهم الأعظم، إلى جانب المعسكر الغربي. وهكذا بقيت الحركات الفكرية والاجتماعية في الولايات المتحدة وفي كندا كما في أوروبا الغربية مدعومة في تلك الفترة من الحركات الشعبية، الوطنية والديموقراطية المتواجدة في اوروبا السوفياتية، من برلين إلى بودابست، مروراً ببوزنان وبراغ، دون أن ننسى موسكو بالطبع. أما في المعسكر الثاني، فكان هناك كوبا ومنطقة تأثيرها وكذلك صين ماو، وهذا ما علينا ان نمتلك الشجاعة لتذكره.
خلال هذه الفترة الطويلة، وعلى الرغم من أفكارنا وميولنا، كانت المواجهة القائمة بين الغرب، بأنانيته وفضائحه، وبين الشمولية اللينينية قد دمّرت كل شيء، وكانت «المشاكل الاجتماعية» تحل دائماً في المرتبة الثانية، وهذا ما أعطي لنفسي الحق، أكثر من غيري، بقوله بعد أن كرّست السواد الأعظم من حياتي في فهم قضية الهيمنة الاجتماعية والحركات الاجتماعية المناوئة لها. نعم خلال نصف قرن كنا ننظر إلى بعضنا كأصدقاء وأعداء وليس من زاوية الصراع الطبقي.
كانت هذه الحقيقة فاضحة بدرجة كبيرة في العالم العربي وأميركا اللاتينية وكثير غيرهما من البلدان، وذلك جليّ في سببين جوهريين: في العنف الذي ارتكبته فرنسا إزاء الحركات الاستقلالية الجزائرية، وفي صراع الحياة أو الموت الدائر بين إسرائيل والفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة، في الوقت الذي لم تظهر فيه المشاكل الاجتماعية يوماً على الساحة السياسية. وهذا ما وقعت ضحيته الاحزاب الاجتماعو- ديموقراطية الأوروبية المتهمة بتحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية.
ما سبق يقودني إلى سوق الفرضية التالية: فرضية الخوف من الإسلام، التي بلغت ذروتها في أحداث 11 أيلول وامتدت لتصل إلى أوروبا وتتسلل حتى إلى الأوساط اليسارية نفسها، تنأى بشكل متزايد بالمثقفين الغربيين عن إعطاء الأولوية للدفاع عن حريات وحقوق الجماعات المسحوقة تحت وطأة الاستبدادية التي تمنع النمو الاقتصادي بسبب فساد المسؤولين المدنيين والعسكريين وتسببها بنزوح المفكرين والمهندسين كما في مصر. وهذا كان السبب وراء انطلاقة الحركات التي شهدتها مصر من الشارع ومن شبكات التواصل الاجتماعية والمدونات بدلاً من انطلاقها من الأحزاب المنظمة..
في الواقع، إن الاضطرابات التي تُعَد لسقوط ديكتاتور اليمن وتجعل من الدكتاتورية الجزائرية أكثر هشاشة، لا تدل على أننا نشهد على «ربيع الشعوب العربية» كما حصل في العام 1848 في أوروبا المركزية فحسب، بل تؤكد أننا أمام تغيّر مفصلي في حقبة تاريخية بأكملها. في هذه الحقبة الجديدة التي بدأت، اكتست المشاكل والخيارات الداخلية التي تتبلور في الحياة الجماعية للبلاد تأثيراً أكثر أهمية من ذلك القائم في منطق المواجهات الدولية.
وبالتوازي مع هذا التغيّر، لا يجوز أن نصرّ على القول إن الحقبة الجديدة ستقودها إيران بواسطة حليفيها، حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين. فالحالات التي ذكرتها تتعلق، بالدرجة الأولى بتطور الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
والسؤال هنا عن طبيعة العداء الفاضح الذي يسلكه الإسرائيليون إزاء التغيرات في السياسة المصرية: أليس هذا مثالاً صارخاً لهيمنة الشؤون الدولية على المشاكل الاجتماعية، أليس كذلك من مصلحة اسرائيل الحيوية أن تشارك في هذا التحول الاجتماعي؟ من السهل فهم القوة والمنطق اللذين تنتهجهما اسرائيل في رفض وجود الآخر في اسرائيل ولكن ليس من الصعب أيضاً تصور أن تدخل اسرائيل في موجة هذا التحول الجديد الذي يتيح لها التركيز على المنطق الداخلي الذي يسمح لها بحلّ المشكلة التي تهدّد صلب وجودها. ألا يشكل غياب دولة فلسطينية حقيقة سبباً جوهرياً يهدد وجود اسرائيل؟
في المرحلة الراهنة، لا يجوز الاعتقاد أن الجيد لا مفر منه او أن المطالبة بالعدالة الاجتماعية في إطار السلطات الدكتاتورية والمستبدة هو أمر كاف، فالخطر في أن تسيطر على الحكم سلطات ديكتاتورية، اكثر دكتاتورية حتى من مبارك وبن علي، هو حقيقي، وبالتالي على الحكومات الغربية وكذلك على الرأي العام السياسي الغربي ان يقتنعا بأن هذه ليست أموراً تافهة، وأن إعطاء الاولوية للشؤون الداخلية الاجتماعية بات مطلوباً من أجل الديموقراطية أكثر من المواجهات الدولية التي تعززت في ظلها الانظمة الاستبدادية المعادية للغرب والموالية للغرب على السواء. ولا ننسى رهاب العرب والاسلام لدى الغرب وهو علاوة على انه خطير بحد ذاته فهو يغذي مشاعر وسياسات العداء تجاه الغرب.
وفي النهاية، ينبغي أن لا نطلب من المفكرين التحدث باسم القيم العالمية لأنها ليست ملكهم. علينا ان نطلب منهم تعريف مفهوم الحرية والدفاع عنها والتي هي أيضاً قضية العدالة الاجتماعية. ويبدو لي ان الحكومات وكذلك الرأي العام يسمحان لنفسيهما بالانجرار وراء الأفكار التشاؤمية الموروثة من الحرب الباردة وتداعياتها. علينا قبل كل شيء النظر إلى الانقلابات الحاصلة اليوم في العالم العربي بعين إيجابية، وحتى لو كان دورنا محدوداً في هذا الإطار، يتوجّب علينا أن نكرس خياراتنا السياسية وتحليلاتنا للاعتراف بثقل الحضور الديموقراطي في هذه الانقلابات التي تنجح في إسقاط الديكتاتوريات العربية.
الحكمة اليوم، أبعد من الدخول في تحليل جدي للأحداث، هي تكمن في الاضطلاع بالمسؤوليات الخاصة بنا، وبالتالي في محاربة كل الاتجاهات وعلى المستويات كافة لتعزيز الثقة في التحركات الشعبية الحاصلة في العالمين العربي والاسلامي فصمت الحكومات الغربية اليوم ليس محايداً، إنما ينبئ بخطر الانزلاق في تعزيز الانظمة الاستبدادية أكثر من أي وقت مضى.

([) فيلسوف في علم الاجتماع
ترجمة: هيفاء زعيتر، بتصرف
عن «لوموند» الفرنسية
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى