صفحات سورية

سوريا على طريق الثورة (3)….. كيف..لماذا… ومتى يثور الشعب؟

null
رائد شما
مرحلة ما قبل الثورة
الظروف الإقليمية ورياح التغيير وضعت مؤخراً خيار إسقاط النظام على الطاولة. هذا الخيار الذي غاب عن مخيلة الشعب السوري أصبح يشكل مطلباً مشروعاً وحلماً قابلاً للتحقيق مع نجاحات تجارب الثورات العربية الحالية نظراً للتشابه الكبير بين الأنظمة الاستبدادية العربية من ناحية الفساد وصعوبة الإصلاح وعدم رغبة المنتفعين والمتنفذين به إلى تقديم تنازلات للشعب على حساب مكتسباتهم المالية والسلطوية.
كل الأنظمة القمعية بشكل عام و النظام السوري بشكل خاص ، تلجأ في الأوقات الحرجة إلى توليفة من الشدة واللين لتسيطر على الشعب. فمن جهة يلوح النظام بالسجن لتأديب من يحاول إضعاف عزيمة الأمة و من جهة أخرى ينهال على الشعب بالمكارم وزيادات الرواتب والتعويضات والتي بإمكاننا أن نسميها مسكنات أو مهدئات لحظية تدوم لفترة وجيزة ولا تصلح ما أفسده النظام.
في المرحلة التي تسبق الثورة أي عند شعور النظام وظهور مؤشرات تتنبأ باحتمال قيام حراك شعبي، يسارع النظام القمعي باتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية والتدابير الاحترازية كاعتقال شخصيات معارضة ، وتشديد الرقابة على الاتصلات والاستنفار الأمني. وهو بالتالي أي النظام يلجأ إلى سياسة العصا والجزرة ، أي بتقديم رشاوى للشعب كالإعلان عن إصلاحات ووعود وتقديم معونات ، وبنفس الوقت يقوم بالوعيد والتهديد وكيل الاتهامات للأفراد الذين يدعون إلى هذه التحركات بأنهم طابور خامس للإمبريالية والصهيونية وأنهم جزء من مشروع أميريكي (لضرب صمود الرئيس المناضل بشار الأسد وابن خاله وأمين بيت ماله المجاهد رامي مخلوف).الأحكام بسجن كاتب أو ناشط سياسي تندرج ضمن ما قد يسمى بالقمع الغير مباشر والانتقائي بحيث ترسل السلطة رسالة بأن من يشارك بأعمال أو نشاطات مضادة للسلطة أو بالتعبيرعن رأي لا يتناسب مع “خطورة المرحلة” سيكون نصيبه السجن ومثال على ذلك الحكم الجائر الصادر بالمدونة السورية طل ملوحي بالسجن خمس سنوات.
متى تثور الشعوب؟
بداية يجب التنويه هنا أن الشعب السوري ليس الشعب المصري أو التونسي أو الليبي أو الصيني أو الهندي وسوريا ليست مصر أو تونس أو الفليبين أو الصين ولا يحتاج المرء أن يكون طبيباً للعيون ليرى ذلك ، فنقاط الاختلاف بين الشعوب والبلاد واضحة. أما أهم نقطة تشابه بين أي شعب والشعب السوري والتي لم يشرحها لنا فيلسوفنا الحكيم هي أنهم بشر يغضب ويثأر ويثور.
الإجابة المختصرة على هذا السؤال هو أن الشعوب على المستوى الجماعي تثور عندما يصبح لديها وعي عام بأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قد بلغ مرحلة من السوء لا تنفع معه أية حلول جزئية والحل المتبقي أمامها هو الانتفاضة لإحداث تغيير جذري في المنظومة الحاكمة. تثور الشعوب عندما تدرك أنها بثورتها ستصنع التغيير وبذلك ستنهي حالة سيئة لتدخل مرحلة أفضل وأكثرعدالة من الوضع الراهن. أما على المستوى الفردي، فمشاركة أي شخص بالثورة تدخل ضمن محاكمة عقلانية وعمليات حسابية للتكلفة الفردية التي سيتحملها الفرد من جراء مشاركته في أي تحرك. كل شخص يسأل نفسه هذا السؤال: هل أنا قادر على تحمل عواقب اشتراكي في هذه الثورة؟ وهل مشاركتي ستكون مؤثرة أم أنني مجرد صوت لا يزيد أو ينقص من مجموع الأصوات؟ غالباً ما ينقسم الناس هنا إلى قسمين، الأول يأخذ على عاتقه التحرك والثورة وتكلفة الثورة بالنسبة له ليست أكبر من تحمل أعباء عدم الثورة والرضوخ للأمرالواقع أي أنه وصل بخياره إلى نقطة اللاعودة، وقسم آخر يفضل الانتظار والترقب قبل أن يقوم بالخطوة الأولى. بالمختصر، فاعلية أي تحرك ونجاحه تعتمد على طغيان القسم الأول المتخفزعلى القسم الثاني المتردد.
أهمية التواصل الاجتماعي
التواصل الاجتماعي مهم جداً لنجاح أي ثورة سواء كان هذا التواصل بشكل مباشرعن طريق أصدقاء أو زملاء عمل أو دراسة أو كان بطريقة غير مباشرة -وهي الأفضل ببلد قمعي كسوريا- عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والتويتر. بما أن الناس مخلوقات اجتماعية فهي تقررالاحتجاج والتظاهر بشكل جماعي مع آخرين لهم نفس الهدف وليس بشكل فردي. وهنا تبرز أهمية التواصل الاجتماعي كوسيلة لتبادل المعلومات والخبرات والتنسيق وعرض للخطط، كما أن هذا التواصل يحفز القسم المتردد والمشكك من الناس بتشجيعهم على المشاركة وعدم الخوف.
أهمية الوعي الفردي
إن كل مشارك في الثورة مهم بحد ذاته، وهكذا يجب على كل فرد أن يدرك أهمية مشاركته وأن هذه المشاركة هي التي ستصنع مستقبل أفضل له بشكل خاص و للبلد بشكل عام ،أي أن النفعية الخاصة يجب أن تندمج مع المصلحة العامة وذلك يتم عبر الإيمان بضرورة الثورة من أجل التغيير.
الانتصارات المتلاحقة واتساع رقعة الثورة جغرافياً
تنازلات النظام والرشاوى التي يقدمها للشعب قبل وأثناء الثورة تعزز الشعور لدى المسحوقين أنهم ظلموا من النظام وأن هذه المنح والمعونات قُدمت لأن النظام خائف، فهي من جهة قد تساهم بتخفيف نقمة الطبقة المسحوقة من الشعب وبنفس الوقت تعطي مؤشر ضعف بأن النظام مستعد لتقديم تنازلات أكبر في المستقبل.
الانتصارات المتتالية تؤكد للناس مدى قدرتهم على التغيير وترفع معنوياتهم، فتجارب الثورات الأخيرة بشكل عام وليبيا بشكل خاص تؤكد أنه ما أن تسيطر الثورة على رقعة معينة من البلد حتى تنضم باقي المناطق الهادئة أو الموالية إلى الثورة بشكل متتابع. ومع اتساع رقعة الثورة تساهم برفع نسبة المشاركة بشكل كبير بحيث يسارع المتفرجون وعابروا الطريق وربما أشخاص لم يكن في بالهم أن يشاركوا أصلاً في المظاهرات إلى أن ينضموا ويصبحوا فاعلين في التحرك. وهكذا فإن درجة التوتر تزيد في نفس الوقت بين النخبة الحاكمة خصوصاً حول كيفية الرد على الاحتجاجات ومعالجتها مما يؤدي إلى حصول خلافات وانشقاقات وتصدع بين رموز النظام. وهنا قد يؤدي هذا التوتر إلى ارتكاب النظام لأخطاء فادحة أثناء التصدي للمتظاهرين تؤدي غالباً إلى ازدياد النقمة لدى الشعب وبالأخص عند سقوط ضحايا من المشاركين في الثورة فتتحول جنازات الضحايا إلى مناسبات تأجج مشاعر الناس.
اللجوء إلى القمع والقوة
على المدى القريب ،القمع والقوة المفرطة قد يحدان من المظاهرات، لكن على المدى القريب يزيد هذا القمع من النقمة ووعي الجماهير لأهمية التحرك لإسقاط النظام. قدرة أي نظام على القمع تبقى محدودة في عصرنا الحالي مع انتشار وسائل الاتصال. كما أن قدرته على اعتقال المشاركين هي أيضاً محدودة بسعة سجونه ومراكز اعتقاله والتجربة تؤكد أنه مع ثورة شعبية عارمة وواسعة النطاق لا تنفع أي من هذه الوسائل على إيقاف المد والغضب الشعبي المتزايد. فإن اللجوء إلى العقاب الجماعي غالباً ما يفشل بتأدية دوره المفترض حيث أن مشاهدة العنف الذي يستهدف الناس بشكل طائش وعشوائي غالباً ما يجعل الناس يشعرون بأنهم مستهدفون من قبل النظام سواء شاركوا في الثورة أو لم يشاركوا.
قرار مجلس الأمن الأخير ضد النظام الليبي ورأسه وعائلته، وإحالة انتهاكاته بحق المتظاهرين إلى المحكمة الجنائية الدولية، يعطي مؤشراَ قوياً إلى أن الدول العظمى قد رفعت الغطاء بعد صمت طويل عن الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط. والنظام السوري وأجهزته الأمنية يجب أن يكونوا قد أخذوا العبرة هذه المرة من ليبيا بأن انتهاكاتهم لن تمر بدون عقاب في حال قرروا اللجوء إلى الخيار الهمجي الذي تربوا عليه.
هل يمكن للنظام أن يشعل بنفسه الثورة؟
مع استمرار حالة الضغط والتوترالمتواصل وحالة التعبئة والتحسب لأي تحرك فإن النظام قد يشعل شرارة الثورة دون الحاجة لتنظيم يوم غضب. والدليل على ذلك الاحتقان هو ما حدث مؤخراً في حادثة الحريقة وفي تجمع للنساء قرب البريد المركزي، هذه الحوادث كانت في الحالة الأولى موجهة ضد الاستبداد أما في الحالة الثانية فكانت شاهداً على الوضع الاقتصادي المزري الذي تمر به شريحة واسعة من أبناء الشعب السوري، إلا أنها كانت خجولة نسبياً وغير كافية لإشعال الثورة ربما لأن أجهزة القمع قررت وعلى مضض أن تتعامل معها بعقلانية مفرطة ومبتذلة. لكن في المرات القادمة وهي محتملة ومرجّحة قد تكون هذه الأحداث المفاجئة أكثر شدة مما سيؤدي إلى إرباك أكبر للنظام.
الحالة السورية لا تختلف عن حالة باقي الشعوب العربية الثائرة ، والشعب السوري يعاني مثله مثل باقي شعوب المنطقة من الفساد والاستبداد وهو بالتالي سيثور حتماً لإزالة حالة اجتماعية واقتصادية غير سليمة وغير قابلة للإصلاح، تتحكم فيها عائلة حاكمة فاسدة حولت البلد إلى إقطاعية وحولت الشعب إلى عبيد جائعين في هذه المزرعة ينتظرون بركات الآغا ومكارمه المتأخرة ووعوده الكاذبة.
يُخطىء بشار الأسد ومن حوله إذا ظنوا أن إعصار التغيير سيمر بجوارهم مرور الكرام. عندما سقط مبارك أعلنت أبواق النظام السوري بعبارات هزلية مبكية أنه سقوط لكامب ديفيد. لكن لا أحد يعلم هذه المرة بماذا سيتذرع نظام الصمود والتصدي عند سقوط القذافي وأية بدعة سيبتدع ليبرر سقوط عميد السجون العربية.
الثورة السورية الآن هي في عهدة الشعب السوري وحده لاشريك له ولا قائداً عليه وسقوط النظام السوري أو إسقاطه أصبح مسألة وقت لاغير.
syriandemocraticleague@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى