صفحات أخرى

حول غيـاب النجوم في الإعلام السـوري

null


عدنان علي

يردد بعض المسؤولين لدينا ، ضمن الإعلام أو خارجه، شكاوى وغالبا في مجالسهم الخاصة ،بأنه لا يوجد نجوم أو أسماء لامعة في الإعلام السوري ،

على غرار بعض البلدان العربية الاخرى، سواء في مجال الإعلام السياسي أم غير ذلك . وهذه باعتقادي ملاحظة صائبة تحيل من جديد الى موضوع مكرور ربما لا أحد يتحمس اليوم للخوض فيه مجددا وهو ما يسمى بأزمة الاعلام السوري، وذلك لكثرة ما كتب وقيل خلال السنوات الأخيرة حول هذه المسألة من دون أن يترك ذللك أثرا على أرض الواقع . غير أن “كآبة ” الحديث في هذا الموضوع لا تعفي من الخوض فيه ، ذلك أن القلق على غياب النجوم في الإعلام السوري ، يجدر أن يسبقه قلق على هذا الإعلام نفسه ، لنسأل من جديد هل لدينا اعلام حقيقي يتوفر على الحد الضروري من مقومات الإعلام المعاصر؟ وهو سؤال يطال بالقدر نفسه تجربة الإعلام ،الخاص المكتوب منه والمتلفز، والذي يبدو أنه لم يقدم حتى الآن نموذجا أفضل من الإعلام الرسمي . والجواب السلبي المتوقع لا مجال في هذا المقام للخوض في أسبابه مطولا، لكنها باتت قاعدة معروفة أنه حيث تتحكم البيروقراطية والمحسوبيات وربما الفساد ، مقابل تراجع المعايير المهنية وكل اشكال الادارة الحديثة ، لا تنجح الدولة أبدا ، وطبعا لا ينجح القطاع الخاص ، لكن الأخير يظل أقدر على الدفاع عن مصالحه بينما تكون مصالح الدولة ، التي يفترض أنها تمثل الحكومة والمجتمع ، نهبا للضياع والتطاول . وبالعودة الى السؤال الأساسي .. حول غياب النجوم في الإعلام السوري (المقصود دائما الاعلام الرسمي والخاص أيضا بشقيه المطبوع والمتلفز ) ، فان الجواب ليس صعبا ، وربما يتحدد من خلال عدة نقاط : – بوجه عام ( ولكل قاعدة استثناء) لا يعمل الإعلام السوري غالبا وفق المعايير المهنية ، وبالتالي فان تقدير عمل الصحفيين والمذيعين وبقية العاملين في الحقل الإعلامي يتم وفق معايير من النمط الذي يسود في مجمل مؤسسات الدولة، أي المحسوبيات والعلاقات الشخصية وأحيانا الاعتباطية ليس أكثر، وفي هذه الاجواء يضيع الصالح بجريرة الطالح ويبرز الكم على حساب الكيف . – ان صناعة النجوم ، سواء في الاعلام أم غيره ، فن وعلم له مراحل وتقنيات علمية لا تتوفر غالبا الا في الاعلام الاحترافي الذي يعمل في بيئة مفتوحة وسوق تنافسية ،لأن النجوم في النهاية هم عملة صعبة يكون لهم أحيانا وظائف وطنية لكنهم غالبا يدرون أموالا على مؤسساتهم كما هو حال لاعبي كرة القدم ونجوم هوليود وعارضات الازياء .. الخ وبالتالي فان المصالح والمؤسسات التي تقف وراء صناعة النجوم غير موجودة في سورية حتى الوقت الحاضر . – مشروع النجم في أي مجال يبدأ من البحث عن الموهوبين حيث يتم تبنيهم والاخذ بيدهم ووضعهم على سكة النجاح والشهرة . في الاعلام السوري لا يجد الموهوبون مثل هذه الرعاية ، بل ربما يجدون العكس ، فقد تجري محاربتهم والحد من طموحاتهم ،وربما احباطهم ، بسبب الغيرة وخشية مسؤوليهم أن ينافسوهم ويحلو مكانهم ، وبسبب القيود التي تحكم عمل الجميع ، تغدو الصعوبات أمام الموهوب مضاعفة لأنه يحتاج لبذل جهود لانجاز موضوعه، وجهود أكبر لتمرير هذا الموضوع حيث تثير الأعمال المتميزة والجريئة مخاوف مسؤولي النشر الذين يخشون بدورهم من تعرضهم للمساءلة وربما فقدان المنصب في حال تسبب نشر او بث مثل هذه الأعمال في اثارة غضب جهات أ وأشخاص متنفذين في البلاد . – وصناعة الاسماء الكبيرة في الاعلام تحتاج الى أساتذة و”معلمين ” في الكار ، وهذا ايضا ما يفتقده الاعلام السوري في الوقت الحاضر ، مع كل الاحترام لبعض الاسماء التي اما تنحت جانبا في العقود الماضية أو اكتفت بأدوار هامشية لا تعكس قدراتها الحقيقية ، وذلك للاسباب التي نتحدث عنها أي تقدم أصحاب الولاء على أصحاب الخبرة. – ان النمط الذي طالما عمل تحت ظله الاعلام السوري ، أي النمط الشمولي حيث يذوب الفرد في الجماعة ، هذا النمط كان يحد بشكل كبير من بروز الافراد . وحتى وقت قريب نادرا ما كان ينشر اسم محرر على الصفحة الاولى في جريدته الرسمية . – الخبطات الصحفية الكبيرة التي يمكن أن تصنع النجوم غير متاحة غالبا للصحفيين في سورية خاصة في المجال السياسي ، وأية تسريبات أو حتى أحاديث عادية يفضل المسؤولون عندنا تقديمها للصحافة العربية او الاجنبية وليس المحلية التي نقل عن كثير من هؤلاء المسؤولون في السنوات الاخيرة أنهم لا يعتدون بها ولا يعتبرونها المنبر المناسب لايصال رسائلهم للخارج . أما في المجالات الاخرى غير السياسية فقد نعثر على صحفيين موهوبين يوفقون في انجاز تحقيق جريء أو الكشف عن قضية فساد، لكن قلما يتاح لهؤلاء المواصلة على الوتيرة نفسها ، لأنه حالما “ينكشفون ” وتعرف توجهاتهم “الاشكالية ” توضع خطوط حمر تحت اسمائهم ويتجنب المسؤولون التعاون معهم . – كما انهم يوضعون من جهة اخرى في خانة اصحاب المشاكل الذين لا يصلحون تاليا للترشح للمناصب الاعلامية ، حيث تلصق بهم تهم المغامرة والتهور، وامكانية توريط مؤسستهم في مشاكل مع الحكومة او المجتمع . – ولعل النقطة الهامة ايضا في احباط الموهوبين والحد من انتشارهم هي اتباع معظم المسؤولين سياسة “التطنيش ” او تجاهل الموضوع المثار بحيث لا يتم الرد عليه او اثارة أي جدل بشأنه وفق قاعدة اعلامية صحيحة هي ان تجاهل الموضوع يقتله في مهده ويحد من تفاعلاته ، ما يبقي صاحبه في الزاوية ايضا . وكثير من الصحفيين ممن انجزوا موضوعات جيدة كانوا يأملون أن تثير موضوعاتهم جدلا وأن تكون أمامها فرصة اوسع للتفاعل مع الواقع ،لكن خاب أملهم بسبب سياسة التجاهل القاتلة هذه ، وحيث لم يعد المسؤولون يتلزمون بتعليمات سابقة تلزمهم بالرد على ما تنشره الصحافة . – ولا شك ان أبرز ساحة يتم فيها اشهار وتعويم الصحفيين اليوم هي المحطات الفضائية التي تستضيفهم بوصفهم خبراء ومحللين في قضايا مختلفة سياسية اقتصادية وغير ذلك . في سورية لم نتقن بعد صنعة الكلام الفضائي . وربما تجد الفضائيات العربية صعوبة بالغة في تأمين ضيوف من الساحة السورية للحديث عن قضايا سورية ليس أكثر، وذلك بسبب عدم تعود إعلاميينا ومسؤولينا بعد على ممارسة التفكير الحر الذي وحده يطلق الالسنة .. فنحن مشبعون بالشعارات والجمل الجاهزة، لكننا فقراء بالمعلومات والحجة والمنطق . ولا شك أنه يقع على كاهل القيادات الإعلامية، وفي المقدمة السيد وزير الاعلام مسؤولية خاصة في البحث عن الموهوبين في الاعلام السوري ورعايتهم وتشجيعهم معنويا وماديا ،ومنحهم كل الفرص التي يقتنصها غالبا من لا يستحقونها ، وتذليل العقبات أمامهم في سعيهم لاثبات ذواتهم ، وحمايتهم من بطش أعداء النجاح داخل مؤسساتهم وخارجها . ولعل مسؤولية خاصة في منح الفرص للموهبين تقع على عاتق الإعلام الخاص الذي يفترض أنه متحرر من بعض القيود والضغوط التي قد يتعرض لها الاعلام الرسمي، لكن هذا ما لم نلحظه حتى الآن . عدنان علي : ( كلنا شركاء ) 11/3/2008

11/03/2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى