صفحات سورية

المعهد الاميركي للسلام» ينشر خلاصة لقاءاته مع صناع القرار في الشرق الاوسط

null

ابراهيم حميدي

دروس من محاولات واشنطن صنع السلام العربي – الاسرائيلي… ونصائح الى الرئيس الجديد

عندما قدم «المعهد الأميركي للسلام» كتاب السفير الأميركي الأسبق سام لويس والبروفسور كينيث ستين الذي حمل عنوان «صنع السلام بين العرب والاسرائيليين» الى الادارة الاميركية عام 1991، كان الأمل عظيماً بإمكان تحقيق سلام على خلفية انتهاء الحرب الباردة والنصر المحقق بقيادة أميركا في حرب الخليج الثانية وتراجع معارضة السلام في الشرق الاوسط. وكانت وقتذاك البيئة الاستراتيجية مواتية كي تقود أميركا عملية السلام الى مرحلة جديدة.

والآن وبعد مرور أكثر من 16 سنة على انطلاق عملية السلام، يعيد «المعهد الأميركي للسلام» الكرة مرة ثانية. اذ كلف المعهد في خريف 2006 مجموعة من الباحثين برئاسة كل من السفير الأميركي الاسبق دانيال كريتزر الذي عمل مدرساً في جامعة برنستون، والباحث سكوت لاسينسكي الذي يعمل نائباً لرئيس المعهد لمركز تحليل الصراعات. وشارك في المجموعة الدكتور شبلي تلحمي الذي يشغل مقعد الرئيس الراحل انور السادات في جامعة ميريلاند.

كان الهدف الاساسي من العمل البحثي والديبلوماسي الذي قام به فريق العمل، التوصل الى الدروس المستفادة من تجربة التفاوض السابقة للوصول الى توصيات ممكنة الى الادارة الأميركية الجديدة. ولتحقيق هذا الامر، التقى الباحثون عدداً من صناع القرار السابقين والحاليين في عدد من الدول في الشرق الاوسط. كان بينهم من سورية نائب الرئيس فاروق الشرع ووزير الخارجية وليد المعلم والمستشار القانوني رياض الداودي ومن اسرائيل مدير الاستخبارات الاسرائيلية عامي يعالون والوزير دان ميرودور ووزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط ووزير الخارجية الاردني عبد الإله الخطيب ورئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض ورئيس الوفد التفاوضي صائب عريقات.

ولخّص الباحثون تجربتهم المثيرة في كتاب صدر قبل أيام من المعهد وحمل عنوان «مفاوضة السلام العربي – الاسرائيلي»، حيث لوحظ انه منذ تأسيس اسرائيل اختبرت الادارات الاميركية المتتالية اسراتيجيات وتكتيات مختلفة لتحقيق سلام بين العرب والاسرائيليين. وعلى رغم الاستثمارات البالغة في القدرة الديبلوماسية والمساعدات الخارجية والهيبة الرئاسية، فإن هذا الصراع المرير يتواصل مهدداً موقع اميركا في الشرق الاوسط ويخرب مصالحها.

وكانت جهود تحقيق السلام التي بدأت في بداية السبعينات من القرن الماضي أسفرت عن اتفاق كامب ديفيد بين مصر واسرائيل العام 1978 واتفاق فك الاشتباك بين سورية واسرائيل عام 1974، حيث كانا «أرضية جيدة يمكن البناء عليهما». لكن بداية عقد التسعينات ارتفع الامل بامكانية «تحقيق تسوية شاملة».

أداء الادارات المتعاقبة

يرى الباحثون ان سجل الديبلوماسية الأميركية في حل الصراع منذ بداية التسعينات الى الوقت الراهن «ازداد سوءاً». ومع ان سجل ادارة الرئيس جورج بوش الاب ليس عظيماً، فانه يحصل على النقاط الافضل سواء لجهة الاداء او النتائج. ان ادارة بوش الأب استفادت من العملية السياسية المكثفة ومن البيئة الاستراتيجية.

اما الرئيس بيل كلنتون فقد استثمر ثقله في صنع السلام خصوصاً في نهاية ادارته الثانية، ويحق له ان يدعي بعض الانجازات. وهو كان اقرب من سلفه (بوش الأب) في انجاز تحالف داخلي قوي مؤيد لتحقيق السلام بين العرب والاسرائيليين. لكن لا يخلو الأمر من الفشل الديبلوماسي حيث كانت الديبلوماسية في اغلب الاحيان غير مؤثرة وغير فعالة قياساً الى تجربة الرئيس بوش الاب. لكن في الاطار العام، فإن التقويم البحثي هو ان ادارة الرئيس بوش الابن، حققت اقل النجاحات. ولا بد من الاعتراف ان البيئة التفاوضية كانت الأكثر تحدياً خلال حكم ادارة هذه الادارة.

كان لدى بوش الاب «الحس الاستراتيجي» الأوضح، حيث نفّذت ادارته ذلك بأسلواب منتظم وملتزم ومؤثر. ان الديبلوماسية في عهده، كانت مؤثرة ومستدامة بناء على الاولوية التي صاغها الرئيس وبناها، إذ توافرت القدرة على ايجاد الفرص عندما لم تكن موجودة، لصنع السلام. لكن ما يؤخذ عليه هو»الفشل في اقامة تحالف داخلي قوي يؤيد السلام». وساهم قراره في تجميد ضمانات القروض الى اسرائيل على خلفية قرار رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحق شامير المتعلق بتوسيع الاستيطان، في الحيلولة دون بناء هذا التحالف الداخلي.

في المقابل، فإن بيل كلينتون جاء الى البيت الابيض في كانون الثاني (يناير) 1993 وسط «بيئة مثالية استراتيجياً» لصنع السلام. كانت اميركا القوى الوحيدة في العالم. كان مؤتمر مدريد للسلام قد انعقد وانطلقت المفاوضات الثنائية والمتعددة الاطراف. وكان في اسرائيل رئيس وزراء جديد هو اسحق رابين خلفاً لشامير الذي اعترف لاحقاً انه «لم يكن ينوي أبداً التفاوض جدياً مع الفلسطينيين». لكن ما كان ينقص كلنتون هو «الانتظام والاستراتيجيا» قياساً لبوش الاب، بحيث سمع الفريق البحثي من الجانبين العربي والاسرائيلي ان هذه الادارة افتقدت «المتابعة والتركيز».

ومن الاخطاء الاخرى لكلنتون، انه لم يكن عارفاً تماماً بقناة سرية انجزت اتفاق اوسلو عام 1993. بل انه «عندما انجز اتفاق اوسلو، كانت ايدي اميركا مرفوعة عن هذا المسار مدة سنتين». وما يفسر ذلك انه اعطى الاولوية للمسار السوري بعد دخوله البيت الابيض الى حين اطلع وزير الخارجية الاسرائيلي الاسبق شمعون بيريز نظيره الاميركي وارن كريستوفر في نهاية آب (أغسطس) من العام نفسه بـ «الاختراق» الذي تحقق في اوسلو.

وعندما ابلغ رابين الوزير كريستوفر في شكل سري في 3 آب (أغسطس) عام 1993 بـ «وديعته» القائمة انه «كان مستعداً للتفاوض حول انسحاب كامل من الجولان في مقابل سلام كامل واجراءات امن متفق عليها. وبعرض رابين الافتراضي»، لم تستثمر ادارة كلنتون بديبلوماسية مكثفة ومستدامة ومكوكية كما فعلت سابقاً، في اشارة الى الجولات المكوكية بين سورية واسرائيل التي انجزت اتفاق فك الاشتباك في عام 1974. ويلاحظ الباحثون ان قمة جنيف بين الرئيس الراحل حافظ الاسد وكلينتون في 16 كانون الثاني 1994، تضمنت حديث الرئيس السوري للمرة الأولى عن «علاقات سلم عادية» مع اسرائيل.

وفي 26 تشرين الاول (اكتوبر) وقع الاردن واسرائيل اتفاق وادي عربة بحضور كلنتون، ثم طار كلينتون الى دمشق للقاء الاسد في محاولة لاطلاق مفاوضات المسار السوري. وعقدت الجلسة الاولى من المفاوضات في واي بلانتيشين في 27 كانون الاول (ديسمبر) 1995 بعدما تسلم بيريز الحكومة خلفاً لرابين الذي اغتيل في 4 تشرين الثاني (نوفمبر). وتكثفت جولات التفاوض في واي بلانتيشين الى ان حصلت ثلاثة «عمليات انتحارية» بين نهاية شباط (فبراير) وبداية آذار (مارس). فأوقفت المفاوضات على خلفية عملية «عناقيد الغضب» في جنوب لبنان.

وعندما انتخب ايهود باراك في العام 1999، اعطيت فرصة اخرى لفريق كلينتون للبحث عن «سلام شامل». لكن اميركا فشلت ايضاً مرة اخرى في البناء على هذه الفرصة. وكان طموح لكلينتون ان يسعى في بداية العام 2000 الى اتفاق سلام سوري – اسرائيلي وفي نهاية هذا العام الى اتفاق سلام فلسطيني – اسرائيلي.

والمشكلة التي ظهرت على المسار السوري انه بعد تجميد المفاوضات التي عقدت بين باراك ووزير الخارجية فاروق الشرع في شيبردز تاون في ولاية غرب فيرجينيا في بداية 2002، فان كلينتون جاء الى لقائه مع الاسد في جنيف في 26 آذار «من دون أفكاره الخاصة لحل القضايا العالقة» بين سورية واسرائيل. ويستخلص الباحثون: «ان المشكلة ان الاوراق كانت تكتب في تل ابيب وليس في واشنطن».

في المقابل، يطغى على مقاربة الرئيس بوش الابن الافتقاد الى الالتزام والحس في الغرض الاستراتيجي. بعض اعضاء الادارة اهمل اهمية الصراع العربي – الاسرائيلي وقال انه «ثانوي قياساً الى ازالة الرئيس الراحل صدام حسين والضغط لتحقيق اصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية في العالم العربي. وقيل ان الطريق الى القدس يمر عبر بغداد. وأخطر ما نال المصالح الأميركي، ان ادارة بوش الابن انعزلت عن الانخراط الفاعل لصنع السلام. هذا لم يؤثر في احتمالات صنع السلام وحسب، بل في مصالح أميركا».

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل «النشاط» في سنوات بوش الاخيرة مثل اقرار «خريطة الطريق» وتعيين مبعوثين عدة ولقاءات قمة. لكن الانشغال، لا يعني تماماً الانخراط الجاد والدفع في العملية السلمية قدماً ما أدى عملياً الى تعميق الانقسام بين العرب والاسرائيليين.

الدروس المستفادة

وبعد استعراض معمق ونقدي لسجل الدور الاميركي في صنع السلام بين العرب والاسرائيليين، يصل الباحثون الى «الدروس المستفادة» من التجربة السابقة يقترحون ان تؤخذ في الاعتبار من قبل اي فريق اميركي سيعمل على هذا الملف في المستقبل. ومع الادراك انه ليست هناك «نصيحة سحرية» يكمن تقديمها في هذا السياق، توصل الفريق الى عشرة دروس هي:

أولاً، ان صنع السلام العربي – الاسرائيلي هو مصلحة وطنية اميركية. احداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001 والعراق وزيادة عدم الاستقرار في الشرق الاوســط امور جعلت قيادة أميركا لعملية الســـلام اكثر اهـــمية وليس اقل اهمية. على الرئيس ان يؤشر دائماً الى ان عملية السلام اولوية ويتأكد ان ادارته يجب ان تعمل وفق هذا الأساس.

ثانياً، يجب الا تحدد السياسة في اي مكان في العالم سوى في واشنطن. الاستشارات مع الاطراف المعنية ضرورية ومراجعة السياسات يجب ان تتم على اساس هذه الاستشارات، لكن ان تكون سياستنا من صنعنا.

ثالثاً، يجب على الولايات المتحدة الاميركية ان لا تستغل الانفتاح وحسب، بل ان تشجع ذلك وتبحث عنه وتوجد فرص صنع السلام.

رابعاً، ان عملية السلام تجاوزت مرحلة الادواتية او الذرائعية، ويجب ان تصل الى مرحلة الحلول النهائية. هذا لا يتطلب قيادة أميركا الاطراف المعنية ومساعدتها على الوصول الى مساومات ومقايضات على القضايا الجوهرية وحسب، بل التزام بتوسيع المقاربة الديبلوماسية لينخرط فيها اللاعبون الاقليميون والدوليون.

خامساً، ان الالتزامات والاتفاقات المنجزة يجب ان تحترم وتنفذ من الاطراف المعنية. على اميركا ان تتحقق من الشكاوى عبر المراقبة واقامة نظام محاسبة وتقرير الخروقات من اي طرف وتحمل تبعات خرق الالتزامات والاتفاقات او عدم تنفيذها.

سادساً، ان التدخل المباشر من الرئيس امر حيوي، لكن ثقل الرئيس ثمين ويجب ان يستخدم بانتقاء وحرص. ان الدور المباشر الزائد يعرض قوة الرئيس للمس. والدور المتواضع يعرض الاستثمار والانفتاح السياسيين الى الضياع.

سابعاً، تشكيل فريق تفاوضي متنوع يتمتع بخبرة شرق اوسطية وتنفيذية لتشجيع الجدل والتعاون بين الحكومات المعنية. ويجب عدم التسامح مع سياسة غير كافية.

ثامناً، بناء دعم واسع وغير حزبي واستغلال الرأسمال السياسي قبل فوات الأوان في ولاية الادارة. ويجب اطلاع الكونغرس على التطورات. بناء علاقة مكثفة مع الكونغرس وجماعات الدعم من دون ان تكون أسيراً لبرامج هذه الجماعات المحلية.

تاسعاً، اي مبعوث ناجح يحتاج دعماً قوياً وغير غامض من البيت الابيض وصدقية لدى جميع الاطراف وولاية واسعة. المبعوثون يجب الا يكونوا بدلاً من الديبلوماسية ذات المعنى. توفر سياسة من دون مبعوثين افضل من مبعوثين من دون سياسة.

عاشراً، استخدام الادوات الديبلوماسية مع الانتباه الى التطورات على ارض الواقع. الادوات، مثل المساعدات الاقتصادية او لقاءات القمة، يجب ان تستخدم ضمن اهداف استراتيجية وليس فقط لشراء الوقت.

وإذ يرى الباحثون ان اميركا شريك في اي عملية سلام «لا يمكن الاستغناء عنه» لاسباب عدة اهمها الخلل في التوازن القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذي يدور بينهم «قلب الصراع»، يشيرون الى ان الرئيس الأميركي الجديد الذي سيستلم الحكم من الرئيس بوش في كانون الثاني المقبل، سيجد نفسه يتعامل مع وضع في الشرق الاوسط هو اكثر تعقيداً من ذلك الوضع الذي ورثه الرئيس بوش من ادارة الرئيس بيل كلنتون. ان الاحداث الراهنة تدل الى ان التشابك الدولي الاشكالي سيستمر لسنوات عدة الى ان تستطيع اميركا ان تنزع نفسها من العراق بطريقة لا تؤدي الى تطورات اكثر تعقيداً في الشرق الأوسط.

ويستخلص الفريق ان الصراع العربي – الاسرائيلي سيشكل عنصراً أساسياً في البيئة الاستراتيجية، لذلك فإن ديبلوماسية ناجحة يمكن ان توجد فرصاً لاميركا والدول الاخرى في الشرق الاوسط. واذ فشل الرئيس الجديد في وضع عملية السلام كأولوية رئيسية في جدول اعماله، فإن هذا الصراع سيطرح نفسه عاجلاً أم آجلا في وجه الادارة الجديدة وسيعقد الاهداف الاميركية. وان انتظار الفرصة الديبلوماسية المناسبة يجب الا يشكل خياراً، بل يجب على الرئيس ان يعطي الأولوية لصنع السلام وإيجاد الفرص المواتية لذلك.

عليه، يضع اعضاء الفريق خلاصة تجربتهم الديبلوماسية والبحثية ومقابلاتهم مع الاطراف المعنــــية، جملة من التوصيات – الواجبات على مكتب الرئيس الجديد، بينها ضرورة الحديث عن صنع السلام العربي-الاسرائيلي في الخطاب الاول للرئيس بعد تسلمه الحكم، وان يقدم الرئيس فوراً الى المسؤولين المعنيين في ادارته استراتيجية واقعية لانهاء الصراع، مع البحث عن انتصارات سريعة لإيجاد دعم شعبي لهذه الاستراتيجية.

واذ يوصي الباحثون في «الاستثمار في وسائل ديبلوماسية غير تقليدية مثل مفاوضات المسار الثاني»، يلاحظون ضرورة مراجـعـة الادوات الديبلومـــاسية التي كانت قائــــمــــة في زمـــن ادارة بوش ومـدى نجاحها او ما اذا كانت استعملت بطريقـــة حكيمة.مثل طـــرح سؤال، هـل تستحـق «اللجنة الرباعيــة الدولية» الــتي تضـم أميركا وروسيـا والاتحاد الأوروبي والأمـم المتحدة الوج

دمشق – الحياة – 20/02/08/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى