صفحات ثقافية

“سبوتنيك الحبيبة” لهاروكي موراكامي حياة صغيرة ومعقدة وشائقة

null
عناية جابر
«سبوتنيك الحبيبة» لهاروكي موراكامي عن «المركز الثقافي العربي» ترجمة صلاح صلاح، جديد الروائي الياباني المعاصر، أشهرهم على الإطلاق إذ تتصدر رواياته قوائم الروايات الأكثر مبيعاً في اليابان، وفي العديد من دول العالم وتتسابق الى ترجمتها ونشرها، كبريات دور النشر العالمية.
الرواية عن صبية في عامها الثاني والعشرين، واسمها «سوماير» وتعني باليابانية «بنفسج»، وعن كفاحها لان تصبح كاتبة ولا شيء آخر، الى ان تقع في الحب. حب عميق وحب بمقاسات بارزة حقا يمزّق حياة من يعانيه ويحطمها إرباً. من احبته سوماير اكبر منها بسبع عشرة سنة. متزوج. ومن الواجب الاضافة هنا ان من احبته سوماير كان امرأة. من هنا كانت بداية الرواية ونهايتها، الى حد ما. سوماير التي تكره اسمها المشتق عن قصة ابنة راع قاسي القلب تطأ زهرة بنفسج صغيرة سيئة الحظ في حقل وسوتها بالأرض: «كيف يمكن لأمي ان تسميني على اسم هذه الزهرة المروعة؟ تسأل سوماير حبيبتها «ميو» فتكتفي هذه بالاجابة: «حسنا»، اعتقد ان سوماير اسم جميل. احبه كثيراً». نمت هذه الاجابة احساس كلتا المرأتين وقالت «سوماير» في سرها: «لا بد اني احب هذه المرأة، ادركت كبداية. لا ريب في ذلك. الجليد بارد، الورود حمراء، وأنا عاشقة. هذا الحب على وشك ان يحملني الى مكان ما. التيار طاغ جداً، ولا خيار لي في ذلك. قد يكون مكاناً خاصاً، مكانا لم أره من قبل. الخطر كامن هناك، قد ينتهي بي الامر الى جرح عميق قاتل. قد اخسر كل شيء في النهاية. لكن لا رجعة الآن. لا يسعني الا السير مع التيار. حتى لو عنى ذلك انني سأحترق، وأذوي الى الأبد».
رواية موراكامي «سبوتنيك الحبيبة» كما معظم رواياته، تدخلك إلى عالم العلاقات الحميمة في الحياة المعاصرة. بجاذبية طريقته في القص، يجعلنا موراكامي نعيش وقائع الرواية كما لو انها قريبة منا، شخصياتها موجودة بيننا. ثمة هذا الرابط بين عالمنا الواقعي، وعالم سحري يفتحه الكاتب امام القارئ، على أبواب الخيال والسحر: «الرواية ليست شيئا من هذا العالم، يلزمها ذلك النوع من التعميد السحري الذي يربط عالمنا بالعالم الآخر» كما جاء على لسان بطل الرواية، وهو احد زملاء سوماير في الكلية التي هجرتها، لتتفرغ لكتابة الروايات ومثلها الأعلى هو الكاتب جاك كيرواك. القصة تدور حول سوماير بالطبع، لكن الراوي زميلها، الذي يفرد فصلا للكلام عن نفسه، وعن السؤال الذي لا يني يسأله: من أنا؟ ما الذي أبحث عنه؟ الى اين أنا ذاهب؟ كما ان الراوي، وكذروة في الفنية والدرامية البارعتين للكاتب، عاشقا لسوماير قبل وقوعها في حب ميو، وبعد وقوعها في ذلك الحب الغريب.
لحظة ذروة واحدة
براعة موراكامي في استدعاء القارئ، كما لو الى صالة مسرح، ليشاهد عن قرب، الحياة الصغيرة التي صنعها الكاتب، ولكن كل شيء فيها معقد، وشائق من تعقيده، كما لو حيال مسرحية عبثية. الحبكة بالمفهوم الروائي، عند الروائيين او اغلبهم، هي لحظة ذروة واحدة، لتعود الاشياء الى مسارها الطبيعي. مسار سلبي او مسار ايجابي بالنسبة لمصائر الشخصيات. الحبكة عند ماروكامي، او في «سبوتنيك الحبيبة» تحديداً، موضوع مقاربتنا، هي مئات لحظات الذروة، تتوزع في السرد، حيث الاحداث تصل او تهدد بالوصول في كل لحظة، الى طريق مسدود، دون ان يترك لها الكاتب اي خيار مفتوح. هذه اللحظات هي التي تستدعي القارئ بشدة، كما لو كان شريكاً فعلياً في كتابة الرواية، وفي المسؤولية ـ اذا صح التعبير ـ عن مصير أبطالها وايجاد الحلول لازماتهم المعقدة. ايضا براعة موراكامي تجلت في تجميع روايته قطعة قطعة، والامساك بمهارة في فصولها، التي تحلى كل فيها بحياة خاصة به، بينما فصول اخرى ظلت غير متشكلة بالكامل. كانت هناك ثغرات ومختصرات وجد موراكامي ولمزيد من تشويق القارئ، ان لا مناص منها، مضفيا على بعضها اهمية خاصة. براعته، بل مهمته ككاتب على تماس مع عصره، الجمع بحذر وعناية كل هذه العناصر في رواية واحدة. وقد فعل ذلك بكل الجدارة والجاذبية اللازمة لرواية ناجحة ومشوقة، وأيضا في رهان الكاتب الخفي، قابلة للترجمة الى لغات عديدة، على غرار معظم روايات موراكامي.
أكثر من قارئ
ليس ان الراوي لا ينسى تفصيلاً، بل طريقته الرشيقة في سرد هذه التفاصيل، وفي جعلها ذات اهمية بالغة للمشهد، مهما بدت هامشية او غير ذات قيمة. للموسيقى حضور دائم، ومساند لمشاهد كافة، كذلك الاحلام التي هي جزء لا يتجزأ من واقع الشخصيات، وتختلط هذه فلا ينجو من ارباك اختلاطها، حتى القارئ الذكي. كل براعة موراكامي التي ذكرنا، لا تمنع من القول بأن الرواية لامست في مواضع قليلة، سذاجة من نوع ما، ذلك النوع الذي يصبغ «روايات الحبيب» التي يصدف ان نقرأها هنا وهناك. سذاجة هي غير البساطة، كما لو أن الروائي يريد لروايته اكثر من قارئ، اعني ليس تحديداً القارئ المتطلب المثقف، بل شريحة واسعة من القراء، لا يطرحون اسئلة كثيرة على الراوي، جل اهتمامهم هو «المتعة» والتشويق. كون الكاتب يتعمد امتاع قارئه، ليس شيئا سيئا في حد ذاته، الا اذا جاء هذا على حساب فنيات الرواية. نظرة الى عمل موراكامي «سبوتنيك الحبيبة»، نظرة شاملة اعني، وموضوعية، كافية لكي نقول، ان الامتاع هنا، هو جزء من كتابة الرواية العصرية، وهو سر قوة ماروكامي ايضا، الذي تنوعت كتابته في رواياته كافة، ما بين الفكري والفلسفي والشعري والبوليسي حتى، وكلها على خلفية الامتاع نفسه، الذي يجعل من اعماله، خبزاً لجمهوره الكبير في العالم اجمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى