صفحات مختارة

كرنفالات وأحاديث في القنص والسياسة…

null
خالد حاج بكري(*)
ما أعدلهم!
ما إن تقترب من رغائبهم في السياسة والقنص حتى ترى ما يثير العجب، غيارى في الشأن العام، زاهدون في القنص، يكفيهم من الطريدة نصفها، وإذا أولمت لهم نصفها الآخر فذلك برهان على تفهّمك وعقلانيتك، وقبولهم الانضمام الى وليمتك دليل دامغ على كرمهم الوفير وعطفهم العظيم، الأمر الذي يستلزم أن تجترح من أجله آيات الشكر والتبجيل. أما استحواذك على النصف الذي أعطتك إياه القسمة والتكوّر عليه، فسيفتح في وجهك بوابات الويل والثبور وعظائم الأمور، لأنك مستأثر، تجهل الحقائق الرصينة والحقوق الواقعية، واستئثارك بالنصف تآمر واستكبار وكيدية.
ذلك في القنص فحسب، حيث المضمار يتسع، والمدى لا تحدّه حدود، أما في السياسة حيث الحدود والعقل والحسابات والتحسبات، فهم أعفّ الناس طراً، وما إن تهدأ براكينهم، وتبرد فوهات بنادقهم، حتى يقتربوا من ذلك المختلف الذي أذاقوه قل هنيهة أفنانين نيرانهم الموضعية النظيفة، مصافحين باسمين، يدعونه الى الحوار، ويخاطبونه بلقب لا تؤكده الثواني الفائتات قائلين بتبارؤ عجيب: ما رأيك الآن أيها الشريك في الوطن، ألا ترى معنا أن الوقت أضحى ملائماً للحوار البنّاء من أجل الوصول الى الشراكة؟؟!
شراكة على وقع الطلقات، ووحدة وطنية يعمّدها السلاح، وتوافق لا يبحث عن التوفيق بالقدر الذي يبحث فيه طرف عن نزع ممنهج لفتيل الانفجار العظيم، الذي يستطيع اكتساح البشر والعمران والفرصة والدولة والكيان، بينما يبحث الطرف الآخر عبره عن الهيمنة على القرار، خشية أن ينقلب هذا الكيان بقرار لا يمر من فروج أصابعه الى دولة.
قبيل حرب تموز 2006، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت: إننا عازمون على إعادة لبنان عشرين سنة الى الوراء، ولم تمض ساعات على تبخر حروف الرجل في الهواء، حتى انقضّت الطائرات الإسرائيلية على الطرقات والجسور والأبنية والمؤسسات الخدمية والتربوية والصحية، تقصف وتدمّر وتفتك، في عملية مدروسة ومفهومة لتحويل الكلمات الى وقائع، فما الذي يمكن أن يعيد لبنان عشرين سنة سوى قصف البشر واغتيال العمران؟
العجيب أن هذا التهديد الصلف لم يلق اهتماماً عاجلاً كافياً، وظهر من خلال ردود الفعل الأولى على القول، أن بعض اللبنانيين ينظرون الى هذا الوعيد باستخفاف لا معنى له، إذا ما قيس بحجم القدرة التدميرية الإسرائيلية، فلم يسأل أحد من الذين فرضوا بتهديدهم البلاد والعباد بالحرب الأهلية أمس معادلة الثلث المفجّر، ويفعلون كل شيء اليوم للتخفي في جلباب الحكومة اللبنانية مثلاً: ما الذي يمكننا أن نفعله لتجنّب الغطرسة والعدوانية؟ ولم يدع واحد منهم العالم الى الضغط على إسرائيل لتفادي ذلك التدمير، وإبعاد تلك الكأس عن لبنان، التي لاح أنه سيشربها من دون شكوك موضوعية كبيرة!
كيف تمر تهديدات بهذا الحجم من دون أن تحاول تحركات سياسية وديبلوماسية واسعة لبنانية وعربية ودولية تطويقها وفرملتها؟ وكيف لا يؤسس لهذه التحركات حوار داخلي واتصالات كافية لإقناع اللبنانيين بداية، أن ثمة ما يستحق معالجة تختلف نوعياً عن التحدي والقسم والمغلظ والاستفزاز بمخرج وحيد أوحد؟
فسنة النمو الواحدة في الحسابات البشرية، أكبر من ألا يلتفت إليها، وأثمن من أن تباع في أسواق التحديات والمكابرة، إنها تساوي ملايين الغالونات من العرق، وملايين الصفحات، وملايين الأحلام، وآلاف المخططات، ومئات الآلاف من العمائر، ومئات التجارب ووحدات النجاح وخبرات الإخفاق، وتساوي كذلك ألوف القطع الموسيقية، ومئات الألوف من صناديق الأشرطة السينمائية والإذاعية والتلفزيونية، ومئات المجمعات العلمية والتجارية والسياحية، سنة النمو الواحدة ثمينة، تستنزف طاقات هائلة، وترسم بالبشر وبالحجر خطواتها الواعدة على مؤشرات العيش والاغتناء والرفاه، وعندما نفرّط بها، نفرّط بموقع متقدم بين الأمم، ونزهق مرحلة من التقدم العقلي، ونجدد قصف الأمل، لتتناثر حجارته فوق أجيالنا الشابة وتزيدهم خيبة ويأساً، وتلهب حماستهم للهجرة، كأننا نطردهم، ونقلّص وطنيتهم، ونكوي نفوسهم بالخذلان، فما بالك بعشرين سنة؟
لا حاجة في سياق الإجابة المريرة، الى أحافير معرفية للكشف عن الطبيعة الخاصة لإنسان الشرق الأوسط، الذي يولي ذهنية البناء اهتماماً أقل مما يفعل إزاء نظرية المباطحة، ولا حاجة لعصف ذهني عظيم للإشارة من دون مواربة الى الفرز الإنساني الحاد الذي وزّع الشرق الأوسط ولبنان في قلبه الحارق، بين مبتكري عوالم عيش، ومفتشين عن سبل وأدها، والعبارة الأولمرتية لم تفقد أهميتها وخطورتها، في ساعة عجائبية، إلا لأن هذا الشرق التعس، قد حمل رجال التنمية وسدنة العيش الى الظل، ودفع بمقاومي الحياة الى الصهوات والمنابر.
سيقال إن الأكثرية النيابية في لبنان، كانت تقود البلاد والعباد، وسأذكر هؤلاء أن قرار شنّ الهجوم، والانكفاء الى الخنادق، لم يكن ساعة بيد المؤسسات الدستورية اللبنانية، والتعطيل المتوالي لعمل الحكومة بفعل مفهوم الديموقراطية التوافقية القادر على شطب الأكثريات ومعانيها وحيويتها الخلاقة في المجتمعات الديموقراطية الطبيعية، جعل صوت الأكثرية يدوي في الفراغ، بدلاً من أن يصنع حركة لبنانية وعربية ودولية متسقة، كان يمكن أن توفر ممراً يفضي الى تطويق التهديد قبل أن تخرج الطائرات الإسرائيلية من مرائبها.
أما منطق أن إسرائيل ما كانت لتأبه لجهود سياسية وديبلوماسية مهما اتسعت وتشعّبت، وكيفما كان مسارها، فإنه يحجب بحجاب تعموي سميك ذلك الهروب الفظ من استحقاق اجتراح البدائل تلو البدائل، وقد كان ساطعاً أن المخرج الواحد الأوحد سيرتد ألماً وفزعاً وتدميراً، ألم يخطر ببال هؤلاء الذين يواصلون الاكتفاء بإدانة الهمجية الإسرائيلية، والإشارة الى الكم المفرط من العدوان الذي تتميّز به، أن أولمرت لم يقل تلك العبارة إلا لأنه يعي جيداً أن الصدى اللبناني لحروفه سيكون زبداً وتحدياً فحسب، وأن هذا الصدى ـ دون غيره ـ قابل للصرف والتصريف في العالم تحت عنوان: إنهم لا يأبهون للدمار والعنف وإعادة لبنان الى الوراء، ولا يفقهون معاني التنمية، ولا يقيمون وزناً لبناهم التحتية وكتلتهم البشرية، إنهم أقوام هدم لا شعوب بناء.
لماذا لم يستطع الشرق الأوسط برمته أن يجترح نموذجاً آخر حتى اليوم؟ يفغر مفكر غربي فاه دهشة، ويرجو المثقفين العرب أن يلعبوا دوراً في لفت انتباه السياسيين الى ضرورة الانتقال الى مراصد أخرى توفر مشاهد جديدة.
ينسى المفكّر الألمعي، أن لبنان الذي استباحته الطائرات بعنف في صيف 2006، هو البلد الوحيد في هذا الشرق الأوسط الكئيب، الذي قدم أبناؤه أفضل نماذج الانكباب على العيش في تاريخ المنطقة، ويتناسى في معرض حضه المحق مثقفينا على توجيه السياسيين، أن المثقف اللبناني على وجه التحديد كان رائداً في لفت انتباه العالم العربي الى أنوار التعددية ونعمة الاختلاف، ويتهرّب خبير لبنان ومثقف جواره، لغايات سياسية صرف، وارتباطات تفعل في ثقافته ما يفعله الصدأ في الحديد، من إيلاء الدور المشرّف والنموذج الفذ الذي قدمه المثقفون اللبنانيون لإنجاز انقشاع عهود الوصاية عن بلادهم بعض اهتمامه الكريم رغم سطوع هذا الدور وأثمانه الدموية.
ويتجنّب السيد باتريك سيل، وهو يحاضرنا بأدوار المثقفين العرب في لفت انتباه السياسيين، إدانة السياسات الغربية التي ينتمي الى مكرها ومراوغتها باحتراف؟ ألم تتأسس هذه السياسات قبل الحادي عشر من أيلول على تشجيع القنص في الشرق الأوسط، ومخادعة الديموقراطية وتحطيمها كلما نهضت؟ ألم يلاحظ ذو الرأي المشهود والمعرفة الشرق أوسطية الواسعة أن ما يفعله سياسيوه الغربيون اليوم، ليس سوى استدارة على الذات، وارتداد الى السياسات التي قذفت في وجوههم غزوة نيويورك؟ أفلا يبدأ بنفسه فينبه طلائعه الديموقراطية وقادته المنتخبين، أن قناصي الشرق الأوسط الذين ينقضون على حصص شعوبهم قبل أن يودعوا نصفها الاستراتيجي في خزائنهم، قادرون على توفير ذرائع كافية لغزوات مباركة أخرى؟
ألا يزمع ان يشرح لسياسيي بلاده، وهو المثقف المتنور، أن الحالة اللبنانية شهدت ديموقراطية آلت الى حرد وحرائق وطرق مقطوعة وخيام انغرست في قلب العاصمة طويلاً؛ لأن فريقاً لبنانياً، تعلّق لغايات غير لبنانية، بأهداب قوة ناشئة تتطلع بطموح عظيم اليوم الى إعادة تقاسم غنائم المنطقة بلاد العم سام وبلاد البروفسور النصوح، وقيادة الشرق الأوسط الى تخلّف جديد متجدّد وسبات أطول متطاول؟
أيدرك بديموقراطيته وأبوته، أن الغزوة التي شهدها لبنان في السابع من أيار، لم تكن سوى قنص أفضى الى شراكة تستبطن الساعة رعباً وتربصاً وعلامات انفجار داهم؟
أظنه شيخ العارفين، فعلى إيقاعات رقصة النصر وتهليلات المهللين، كانت بلاده تحتفل بعيدها الوطني، وتكافئ مهندسي الديموقراطية الجدد على نصرهم في لبنان، وسط حضور مميّز لافت لزعماء الشرق الأوسط وقنّاصته.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى