صفحات سورية

الإسلام السياسي وتجزئة المجزأ

null
شبلي شمايل
يتحدث هذا المقال عن الحركة الإسلامية كتعبير سياسي، ولا يتحدث عن الإسلام كدين. وضرورة التنويه نابعة من عودة نبرة الخلط بين الإثنين من فسطاطين خبيثين: الفسطاط الأول هو التطرف المعادي للإسلام والمسلمين والذي من مصلحته حرق الأوراق وخلط النابل بالحابل. أما الفسطاط الثاني فهو التطرف الإسلامي الذي يتغذى من التطرف الأول ويجد في خلط الأوراق مصلحة ليخرج من هامشيته وعزلته ليتنصب بوصفه المدافع الأول عن الإسلام والمسلمين.

فمن المعروف أن أوربة أنتجت خلال أكثر من مئتي عام، أدبا وفلسفة وكتابات دون مرجعية دينية كتلك التي كانت في ظلمات محاكم التفتيش ضرورية لتحديد الخير والشر والحق والباطل في كل قول. كذلك أنجبت تيارات إلحادية أهم أشكالها الحركة الفوضوية التي جعلت شعارها (لا إله ولا سيد). أما الحركة الاشتراكية، بما فيها الماركسية، فلم تعتبر الإلحاد هدفا سياسيا أو فكريا، وتناولت الدين كظاهرة اجتماعية واقتصادية؛ وبعد ذلك منذ المحلل النفسي اليساري فلهلم رايش؛ كظاهرة نفسية، ولكنها لم تجعل مهمتها نشر الإلحاد أو الإيمان، معتبرة القناعة الإيمانية قضية شخصية لا قضية عامة. أما في العالم العربي، وحيث لعب الدين دورا في حركات التحرر الوطني من الاستعمار الغربي، واعتبر مسيحيو الشرق أنفسهم جزءا من الحضارة العربية، لم تعتبر مدارس التفكير الرئيسية مهمة نقد الدين مهمة مركزية، لذا لا نجد نصوصا نقدية مبكرة عند الشيوعيين والاشتراكيين بل محاولة توفيق بين الإسلام والاشتراكية توجها المفكر السوري مصطفى السباعي في كتابه “إشتراكية الإسلام”.

سبقت الحركة الفكرية المصرية والعراقية واللبنانية شقيقتها السورية في نقد الدين، منذ شاعر العراق الكبير الزهاوي صاحب “ثورة في الجحيم” ومنصور فهمي كاتب “أوضاع المرأة في الإسلام” واسماعيل أدهم محرر “لماذا أنا ملحد”. وقد بدأت إطلالات النقد الجدي مع كتاب “نقد الفكر الديني” للمفكر السوري جلال صادق العظم ثم كتاب “الثالوث المحرم” للمفكر الراحل بوعلي ياسين. في ذلك الوقت نشر العفيف الأخضر (الماركسي وقتها) نصوص لينين حول الدين وتقديمه المعنون (نقد الدين أساس كل نقد). إلا أن تبعثر المجموعة التي طرحت “سلطة المجالس” وضياعات العفيف أوصلته للتخلي عن كل كتابات الشباب ما خلا نقده للإسلاميين الذي أصبح ليبراليا جديدا وعلى صفحات صحيفة ممولة من أمير وهابي.

بعد فترة التجديد اليساري هذه، جاء “التوفيقيون الجدد” الذين طرحوا مسألة إعادة الاعتبار لدور الإسلام في المشروع الديمقراطي (على سبيل المثل برهان غليون في المسألة الطائفية ومجموعة اليساريين المصريين الذين اكتشفوا إسلامهم ومنير شفيق الذي بعد الماركسية اللينينية في الممارسة والتطبيق أصبح يسميه الإسلاميون: منظر الثورة الإسلامية في الثورة الفلسطينية).

لسوء حظ مجتمعاتنا، تنبهت الأطراف المعروفة بالوسطية لصعود الخطاب المتطرف المعادي للإسلام وأهميته في استنفار الرأي العام الديني لغايات سياسية، خاصة في قضايا حرية الاعتقاد والرأي، ويبدو ذلك في الطريقة التي حّول فيها مفتي دولة قطر يوسف القرضاوي مشكلة الرسوم الكاريكاتيرية الدانماركية لمؤسسة دينية سياسية برأسمال كبير يفوق ما دفعه رجال الأعمال العرب للإنتفاضتين الفلسطينيتين!! .. (المفتي الملياردير لا يتطرق لوجود أكبر قاعدة أمريكية في العالم على أراضي دولة قطر)

لعل الباحث المصري الرصين نصر حامد أبو زيد وهيثم مناع (كتابات الثمانينيات وتحديدا في كتابه “تحديات التنوير” قبل اعتزاله نقد الإيديولوجيات الإسلامية) أكثر من حلل أزمة الحركة الإسلامية السياسية بين الظاهر الوسطي (المطعم بقليل من الليبرالية وقليل من خطاب المدنية) والباطن القطبي (القائم على التوتاليتارية والتعبئة الإيديولوجية والتي عبّر عنهما إخوان مصر بصراحة في برنامجهم: الإسلام هو الحل).

لا يهدف هذا المقال للمطالبة بمنع الأحزاب الإسلامية من العمل الطبيعي سواء في السياسة أو المجتمع. لكن الغاية الرئيسة منه هو القول بأن هذه الأحزاب ليست فوق النقد باسم القداسة الدينية وليست فوق الخطأ باسم المرجعية الربانية وليست فوق الجريمة باسم الجهاد المقدس. خاصة ونحن نشهد فترة انحدار طائفية مقلقة لهذه الأحزاب في فلسطين ولبنان وسورية والعراق. فمنذ أنتهت السعودية من مشكلة العمليات العسكرية لقاعدتها عادت لدورها التقليدي كممثلة غير شرعية للسنة في العالم. وذلك عبر تمويلها من جديد أو طلبها لحلفائها (نمط سعد الحريري) تمويل الحركات الإسلامية السنية لمواجهة ما أسماه عبد الله الثاني والأخير: الهلال الشيعي. ومن المضحك حتى الثمالة أن هذه الأحزاب التي تحظى بقنوات تلفزيونية خاصة بها ووصلت مراكز مؤثرة جدا في قناة الجزيرة وترحب بها الحرة والمستقبل كلما تعلق الأمر بالتشنيع بالنظام السوري، تجلس على عتبة التباكي لتشكي العزلة والظلم والاضطهاد. ففي حين لا نرى أو نسمع قطبا ماركسيا كبيرا مثل فاتح جاموس إلا ما ندر، يتنقل قياديي الإخوان المسلمين بين وسائل الإعلام كالهشيم.

إن كانت الحركة السورية (بأجنحتها الأربعة: العالم بالجهل حزب البيانوني والجاهلة بلا علم حركة العبده إخوان والجاهل بلا عقل حزب التحرير الإسلامي والغافل الجاهل من طلبة العنف) تحاول اليوم الضرب على وتر الطائفية والمذهبية، فهي تفعل ذلك لأنها ليست وحدها في تراجع في سورية، وإنما في حالة تأزم وسد أفق في المنطقة حيث نشهد انحطاط الأنموذج السوداني الإسلامي الذي كلف السودان غاليا، انكشاف المثل العراقي المتحالف مع الاحتلال، انسداد أفق التجربة الجزائرية المتحالفة مع العسكر، وأخيرا سقوط تجربة غزة في دكتاتورية الحزب الواحد…

لم تجدد الحركة الإخوانية في أي ميدان جوهري في نظرتها. فهي تقول مشافهة أنها مع حقوق الإنسان وفي الواقع نجدها ضد حق الإنسان في تقرير ما يعتقد به. وبودي في هذا النطاق التذكير بردود الإسلاميين على الكاتب السوري ياسين الحاج صالح عندما قال: “حرية الاعتقاد لا معنى لها إن لم تشمل حرية عدم الاعتقاد وحرية تغيير الاعتقاد، وكذلك «حرية التحير» في قضايا الاعتقاد، الديني دوما. فإذا كان محرما علي تغيير ديني أو التخلي عنه، فسيكف الدين ذاته عن كونه ميثاق إيمان وانتساب لي ليغدو قيدا خانقا لا يطاق.” فبالرغم من أنه كلامه من صلب القرآن، إلا أنه لا يناسب الحركة الإسلامية كاستراتيجية سلطة وهيمنة. وربما أيضا فرصة لأشير للتعليقات القاسية التي وصلتني بعد مقالتي المطالبة بإلغاء حكم الإعدام، رغم أن الإخوان المسلمين أول ضحاياه في القانون والواقع. ورفض الإسلاميين العرب كلمة العلمانية لوصف نظام سياسي جديد يحقق الوحدة الوطنية في السودان والعراق وسورية (لأنهم خلطوا ديماغوجية وعمدا لعقود طويلة بين العلمانية والإلحاد).

لكن من حق كل متأمل في الوضع التساؤل: أليس هذا الرفض جزء من معركتهم لإيديولوجية شمولية تجعل الناس يقبلون أنموذجهم الشمولي الذي يحكم فيه الحزب الإسلامي القائد الدين والدنيا والبيت والشارع والمدرسة والجامعة والحكومة والقضاء والصحافة. فحزب سياسي ما زال يرفض حق المسلمة في الزواج من أهل الكتاب المؤمنين بالله ويرفض اعتبار أي عنف على المرأة يستتبع متابعة قانونية ويربط المواطنة والولاءات والعداوات بالدين والمذهب. وبذلك نخرج من تحت دلف البعث لتحت مزراب الإسلاميين؟

لأنها لم تنجح في تخطي خطابها قبل ثمانين سنة، أي الخطاب الذي ولد كرد فعل على سقوط خلافة لم تعد مقنعة لأحد وصار مرضها سببا في مرض المسلمين، لأنها بقيت في المذاهب الاربعة أو المذهب الجعفري، لأنها لم تتمكن من تجديد منطقها الداخلي بصدق وأخذت من الحداثة شكلياتها، لأنها تعلمت من السياسة أسوأ الدروس. من واجبها اليوم أن تقوم بعملية مراجعة شاملة لكي توفر على نفسها وعلى مجتمعاتها خسائر جمة وكبيرة، خاصة وهي تنحسر في هزائمها للخطاب الطائفي القديم  الذي تريد فيه استرجاع ما خسرته في السياسة في كسب الرعاع الملوثين بكل آفات الاستبداد. لكن الخطر هذه المرة كبير، لأنه لا يحمل للأمة مشروع نهضة، بل يحمل في ثناياه تجزئة المجزأ في قبائل وطوائف ومذاهب تعيدنا للوراء أكثر فأكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى