صفحات الحوار

«المغربي يقرأ الثقافة العربية بشموليها في حين ان المشرقي يقرأها مكتفيا بمشرقيته»

null
بقلم يوسف لهلالي
أصدرت مؤسسة ارتياد الأفاق العدد الاول من مجلة الرحلة
www.alrihla.com
، التي اختارت ادب الرحلة كمجال لتخصصها لتغطية الاخبار والفنون الخاصة بالسفر والاكتشاف و الاحتفاء بالرسوم والصور والخرائط المعاصرة . في هذا الحوار يتحدث نوري الجراح رئيس تحرير المجلة عن اهداف المجلة وأهداف المؤسسة و دورها في الحوار بين الثقافات الذي أصبح اليوم أساسيا.
– لماذا إصدار مجلة مختصة في الرحلة وفي أدبها؟
– الرحلة هي جنس حاضر في كل ما نقوم به. اذا اردنا ان نحب نبدأ برحلة، واذا اردنا كتابة شعر نقوم برحلة في الشعر.عندما تباشر علاقة مع صديق فانك تدخل في رحلة ايضا.وفكرة الرحلة لا تتحقق الا عبر المغامرة.لأن ما ينقصنا في ثقافتنا العربية هي المغامرة.بصرف النظر على نوعية المغامرة هل هي في الكتابة او في البحث او مع المشاعر والاوهام أو

– في العوالم الخاصة او الذاتية أو مغامرة بالسفر عبر العالم؟
– تتوفر حضارتنا العربية على ارث عميق جدا وضارب في القدم في الاد ب الجغرافي، و لا توجد ثقافة اخرى في العالم لها هذا التاريخ المميز في ادب الرحلة او الادب الجغرافي او أدب الكشوفات. وهذا الادب انقطع في حياتنا المعاصرة..لهذا فلقد كانت قرون ازدهار هذا الأدب عند العرب هي الفترة الممتدة ما بين القرن 8 الى القرن 14 الميلادي بقيت نصوصها إلى اليوم كوثيقة شاهدة على حضارة عربية اسلامية رفيعة المستوى انطلاقا من بغداد. لقد حاولت هذه الرحلة ان ترى الاخر بطريقة يمكن ان نعتبرها معيارا في قراءة الاخر ليس بعيدة عن الاستعلاء لكونه بربري في غياب تام للهيمنة على الأخر رغم ان الرحالة كان ينتمي الى حضارة اعلى وارقى واقوى ولم ينظر اليه النظرة التي سادت بعد 10 قرون في علاقة الغرب بالشرق على سبيل المثال منذ ما قبل الحملة الفرنسية على مصر وما بعدها وما خلفته.إن الموضوع لا يحتاج فقط الى قراءة مقارنة لما انتهت له الوضعية مع الاستعمار البرتغالي والاسباني والهولندي والفرنسي والانجليزي التي لم تعد سرا على احد .

– بمعنى أن مفهوم الرحلة تغير مقارنة مع قام به العرب الأولين ؟
– العرب الاولون كانوا اكثر راحة نفسية وأكثر قربا من العلم وروح العلم .ويبدو ان النظرة الشرقية الى العالم تغيب عنها تلك العدوانية التي كانت لدى الغربيين في القرون المتأخرة.فبعد اكتشاف امريكا كانت عدوانية الانسان إزاء أخيه الانسان قد تزايدت اضعافا بمفعول غزو امريكا وما كان يسمى العالم الجديد وبلاد هند الغرب .عدوانية الانسان الغربي انطلاقا من تفوقه العسكري وليس الحضاري ،هنا يبدو شجع الحضارة الغربية التي أقيمت على انقاض الاخر ،أن تقيم مجدك وقوتك على حطام الاخر .الرؤية الشرقية والفلسفة الشرقية لم تكن بهذا الشكل سواء الاسلامية او الكونفوشسية الصينية .لقد كان للصينيون اسطول بحري ضخم ولم يكن عدواني بل تجاري .

– العرب كانوا شعبا يعتمد كثيرا على التجارة واستعمال القوافل للتنقل؟
– كانوا يتواجدون بمنطقة تساعد على ذلك ،فعندما دخل العرب الى الاندلس ودخلت شعوب جديدة الى الاسلام فانها غذت أدب الرحلة بحركتها وتم تغديتها بالرافد المغربي ،والثقافة العربية لا يمكن تصورها بدون هذه العلاقة بين المشرق والمغرب ،بمعنى ان المشرق العربي حيث توجد مقدسات كل مسلمي العالم بما فيهم المغاربة كانوا يقومون بالرحلة نحو الشرق ، لهذا ليس غريبا ان اهم رحالة عربي هو مغربي وهو شمس الدين الطنجي المولود بطنجة والمكنى بابن بطوطة وبالتالي هذا الرحالة هو إعلاء لمعنى الرحلة من المغرب نحو المشرق .إن المغربي عندما يذهب نحو مكة ليتطابق مع روح الإسلام. وحنين المغربي هو للمشرق لأن أصوله كما يعتقد هناك.

– لكن بالمشرق العربي هناك جهل كبير بادب الرحلة الذي عرفه المغرب؟
– المغربي دائما يقرأ الثقافة العربية بشموليتها في حين ان المشرقي يقرأ الثقافة العربية مكتفيا بمشرقيته، لهذا فمعارفه لا تدرك ما يجري في الساحة الثقافية للمغرب العربي. وهذا القصور هو مصدر استفقار وفقر للمشرقي .والمغرب العربي في اعتقادي هو مصدر غنى لأن مصادره ومكوناته متنوعة فيها الافريقي والاوربي والعربي والامازيغي ومكونات اخرى ساهمت في خلق هذه الثقافة.لو كان المشرق اقرب الى المغرب فان الاشكاليات ستكون اقرب الى حل العقد لأنها تتيح جدل المكونات فيما بينها وتصنع حوارا جديدا.

– بماذا تفسر هذا الانغلاق والتقوقع المشرقي على ذاته؟
– هذا التقوقع له تفسيرات كثير منها ما هو ذاتي يتعلق بالمشارقة ومنها ما هو متعلق بالمغاربة. إن حنين المغربي في المشرق لكن اين هو حنين المشرقي؟ هو في ذاته فقط. والمغرب هو الأضعف في العلاقة التي تجمع الطرفين بمعنى كما لو كان حبا من طرف واحد وعلاقة الحب من طرف واحد تتخلله دائما مشكلات .

– كيف التقيت كشاعر مع ادب الرحلة؟
فكرة المغامرة والبحث والرغبة في الاكتشاف.والرغبة في المعرفة هي قدر شخصي والهجرة من دمشق الى بيروث تم قبرص والعيش في حطام الاغريق ثم السفر الى اوربا وبالضبط الى بريطانيا للاستقرار . وقادتني خطاياي والصدف السعيدة انني اقترنت بامرأة مغربية ،وهي علاقة تشعرني اانني اقرب اكتمالا ،ورزقت بطفلة اعتقد انها ستكون اكثر اكتمالا تجمع المشرق بالمغرب وتكون اقل عقدا مني ومن امها.لكن للاسف تجمع المغرب والمشرق على ارض اخرى وهي الارض الانجليزية.
وأجمل الرحلات التي قمت بها كانت رحلتي رفقة زوجتي وابنتي من طنجة عبر الباخرة نحو جبل طارق ثم بعد ذلك نحو الجزيرة الخضراء ثم رحلة بالقطار نحو غرناطة ومرورا بمدينة رندا وتذكرت تلك القصيدة المؤلمة التي تختصر كل التجربة العربية بالاندلس
“لكل شيء اذا تم نقصان
ولا يغر بطيب العيش انسان
ويعدد عقد الاندلس كيف انفرط وتساقط ولاية بعد ولاية ومدينة مدينة وذرة ذرة الى نهاية الوجود العربي بالاندلس مع نهاية مملكة غرناطة لبني الاحمر وتحولها الى شاهد سياحي معاصر. وهي رحلة كانت مؤثرة لي ..
وما هو مؤلم هو ان هذه النصوص غير موجودة في الثقافة العربية المشرقية لهذا عملت على ادخالها الى المكتبة العربية من خلال اعادة تحقيق كل هذه الاعمال وجعل مشروع ارتياد الافاق والمجلة احد منابره وجسرا بين المشرق والمغرب .لأننا في حاجة الى تكوين نظرة عن الغرب نحن العرب مجتمعين. لأن معرفة الذات والاخر هي شيء اساسي وخاصة معرفة ارثك التاريخي.

العنف الذي يعرفه العالم والاصطدام في العديد من مناطق العالم العربي يعطي لهذا المشروع اهمية كبرى؟
الحوار واللقاء ضرورة قصوى واليوم لا يمكنك ان تتواجد بالعالم دون ان تكون لك مثلا رواية عن نفسك فإما أنك مع الحوار والتعايش والا ستأتي طائرات لتقصفك.
لكن العرب اليوم يسكنون في القارات الخمس وينتجون في كل الاجناس الادبية وهذا كفيل باعطاء صورة عن ثقافتهم؟
هذه الجاليات المتجولة عبر العالم ستكون خميرة المعرفة المستقبلية للعرب ، الغرب ايضا يريد معرفتنا والغربي قصته شرقية وحكاية الغربي هو الشرق لأنه يعرف ذاته بالشرق .الاخر في النهاية هو انت مهما استعلى عليك هذا الاخر .وهو اما اخ لك في الدين او في الخلق . ونحن لدينا هذا الاسلام الرائع مقابل الاسلام المأزوم والاسلام المأزوم هو رد فعل على الاجحاف الحضاري الكبير للغرب تجاه الشرق . لهذا يجب فهمه وقراءته وعدم الانسياق وراء أطروحاته.

يوسف لهلالي
(3 يونيو 2008)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى