صفحات سورية

نيران صديقة

null
ساطع نور الدين
التحفظ الذي تبديه فرنسا في الاعلان عن ان جنودها الثلاثين الذين سقطوا بين قتيل وجريح الاثنين الماضي، قتلوا بنيران القوات الاميركية التي هبت لنجدتهم عندما وقعوا في كمين نصبته حركة طالبان في مقاطعة ساروبي شرقي العاصمة الافغانية كابول، ليس له تفسير مقنع، وهو يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول مهمة حلف شمالي الاطلسي ومستقبلها في ذلك البلد الاسلامي الفقير.
هناك ثلاثة أسباب لذلك التحفظ في الكشف عن تلك المجزرة التي تعرض لها الجنود الفرنسيون على أيدي حلفائهم الاميركيين: ربما لا تريد فرنسا ان توحي بأن دماء جنودها راحت هدرا، أو هي لا تود ايضا ان تسيء الى العلاقات الحميمة التي ينسجها الرئيس نيكولا ساركوزي مع أميركا.. أو لعلها لا ترغب في تسليط الضوء على واحد من أسوأ مظاهر الحرب الافغانية وأخطرها على الاطلاق.
المعروف أن هذا الخطأ الاميركي في التصويب ليس الاول من نوعه، وقد سقط نتيجة مثل هذه الاخطاء الجوية في الغالب عشرات من جنود الاطلسي في أفغانستان، على مدى السنوات السبع الماضية، بينها خطأ أودى بحياة عشرين جنديا كنديا العام الماضي، وكاد يؤدي الى إطاحة الحكومة الكندية.. وأثار نقاشا جديا داخل الحلف حول توزيع المسؤوليات والمهمات بين الوحدات المشاركة التي باتت كلها تطالب بالابتعاد عن المناطق الخاضعة لعمليات قوات حركة طالبان.
في ذلك النقاش، توصل الحلف الى ترتيبات أدت الى امتناع عدد من الدول المساهمة في حملة أفغانستان عن طلب الانسحاب التام من حرب خاسرة، وأثارت حماسة الرئيس ساركوزي الذي اتخذ قراره الشهير بإرسال وحدات إضافية الى أفغانستان يزيد عددها على الف جندي فرنسي، وبإبقاء هذه الوحدات القتالية على خطوط المواجهة الامامية مع طالبان.. مستبقا قرارا أميركيا سيصدر قريبا بإرسال ١٥ ألف جندي إضافي الى الاراضي الافغانية بحلول مطلع العام المقبل الذي يفترض ان يشهد المزيد من الانسحابات الاميركية من العراق.
في مقابل هذا النقاش الذي كان يدور في مقر الاطلسي في بروكسل وفي غرف العمليات العسكرية للدول الاعضاء، كان هناك نقاش يحتدم في البراري والكهوف الافغانية بين قيادة حركة طالبان وتنظيم القاعدة والمجموعات والخلايا التابعة لهما، انتهى كما يبدو الى خلاصة مؤداها ان الوقت قد حان لإنهاء الاحتلال الاجنبي لأفغانستان والبدء بتوجيه الضربات القاضية لقواته وعملائه الذين يتولون الحكم في كابول .. وفي العاصمة الباكستانية اسلام اباد اذا تيسر الامر.
الحرب هي الآن في الذروة: حركة طالبان تصطاد من المحتلين الاجانب أكثر بكثير مما تفعل المقاومة العراقية المفترضة، وهي بذلك توحي بأنها وتنظيم القاعدة سيصبحان طرفا في الانتخابات الرئاسية الاميركية المقررة بعد شهرين. أما أميركا فإنها لا تتورع عن ضرب القوات الفرنسية، لكي تؤكد انها تخلت عن التدقيق في أهدافها العسكرية، وعن التمييز بين حلفائها وأعدائها الذين كانت غالبيتهم الساحقة من المدنيين الافغان الذين سقطوا بنيران صديقة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى