صفحات سوريةياسين الحاج صالح

كأنها حرب أهلية…

null

ياسين الحاج صالح
كأنها حرب أهلية في حصيلتها، وإن ليس بأدواتها. الكلام يدور على معارك سياسية وثقافية في سورية في العام أو العامين الأخيرين، تمخضت عن تمزقات وشروخ قد تكون غير مسبوقة، أصابت في وقت واحد تقريبا الأوساط المستقلة والمعارضة في المجالين السياسي والثقافي. لم تكن الخصومات والاختلافات معدومة قبل عام واحد أو عامين من اليوم. الواقع أنها كانت معروفة ومعلنة، لكنها لم تمنع في الغالب أشكالا من التواصل والتعارف، وحتى التعاون، بين مختلفين أو خصوم. اليوم يتبين المتابع بسهولة جزرا بشرية تفصل بينها حواجز عالية، ولا تتواصل على أي مستوى. وحده منطق القطيعة والبغض يوحد الجميع.
نلح على أن عمر هذا الشرط عامين أو أقل، رغم أن هذا يطرح تحديا تفسيريا كبيرا: ما الذي جرى في سورية في عامي 2007 و2008 حتى دمر شبكة تفاعلات محدودة أصلا، في بلد لا يبذخ منذ عقود بوفرة تفاعلات مثقفيه وناشطيه، وسكانه بعامة. ويزداد التحدي عسرا إن تبدى لنا عدم وجود علاقة مباشرة بين التمزقات المعاينة بسهولة على المستوى السياسي وتلك التي زامنتها على المستوى الثقافي والإيديولوجي. يزداد أيضا إن أضفنا أنه لا يبدو أن للنظام تدخل مباشر في هذه المواجهات والانقلابات، وإن كان إطارا سياسيا تفترضه وتستبطنه الصراعات المعنية حتما، وإن كان المنتفع الأول منها.
لقد أتاحت ظروف متنوعة لكاتب هذه السطور أن يكون إحدى نقاط التقاطع القليلة بين جبهتي الصراع، مشاركا فيهما ومتابعا لهما معا، إلا أني لست متأكدا من قدرتي على شرح ما جرى، بالخصوص أسباب عنفه المفاجئ من جهة، والتزامن اللافت لصراعات الجبهتين من جهة ثانية. لقد كنت في الواقع الشاهد الغافل وليس المشارك الفاعل، واطلاعي على ما قد تكون معلومات ثمينة أو نادرة في الحالين محدود للأسف. لكن، في الوقت نفسه، من غير المرجح أن يدلي المطلعون على المعلومات الأثمن بما يعرفون، أو أن يعنيهم الأمر أصلا. لا مفر، تاليا، من محاولة للشرح، ولو من غافل، محاولة تحفزها الرغبة في تقصي أصول ما قد تكون له من “معان” أو دلالات عامة.
ربما تكون التقت مشكلات قديمة ومشكلات حديثة نسبيا في عام 2007 للدفع نحو “حرب أهلية” مركبة بين الناشطين السياسيين والثقافيين في سورية. كانت السنوات الأولى من القرن الحالي سنوات نمو وتكثف التفاعلات بين قطاعات المشتغلين بالشأن العام في سورية. وفاة الرئيس الذي شكل وجه سورية الحالية وتشكلت في ظل حكمه المديد خبرات ومواقف أكثرية السوريين من جهة، وتوفر أقنية تواصل وتعارف مباشرة بينهم (منتديات وملتقيات متنوعة..) وغير مباشرة (إنترنت..) من جهة ثانية، أثمرا تشكل مجال عام متفاعل من الأفكار والمعاني والآراء والمبادرات، تمثلت في مفاهيم واهتمامات مشتركة (الحريات العامة، المجتمع المدني، حقوق الإنسان، الديمقراطية..) وأشخاص (رياض سيف، عارف دليلة، ميشيل كيلو، رياض الترك، وآخرين)، وقراءة جديدة، انشقاقية، لسيرة “سورية الأسد”، بالخصوص خلال عقدي القرن الأخيرين الذين تميزا بقمع واسع النطاق وكبت أوسع. تعبيرا “جدار الخوف” و”مملكة الصمت” شاعا في تلك الآونة في وصف البلاد في “سنوات الكرب” تلك.
“ربيع دمشق” كان العبارة الأنسب لتسمية المناخ التفاؤلي المتسم بتكثف نسبي للتفاعلات بين الناشطين العامين وتعزز الثقة العامة فيما بينهم وبالمستقبل، بعد ربع قرن على الأقل من تقاصر فادح للروابط الاجتماعية وانكفاء الجميع وراء جدران الخوف وعدم الثقة. انتهت المناخان هذه بعد عام واحد، لكن إرادة التدخل في الشأن العام ومنازعة السلطات احتكاره بقيت حية ومتوثبة عند كثيرين. والمعنى الذي استصلحته هذه الإرادة لنفسها هو الإصلاح الديمقراطي الذي كان عنوان إجماع من نوع ما في أوساط المثقفين والناشطين السياسيين، وإن دانت الهيمنة فيه لأطراف من هذه النخبة الفرعية أكثر من غيرها، تشهد على ذلك أسماء من ذكرنا. الأمر الذي لم يكن موضع رضا آخرين.
وفي سنتي 2005 و2006 بدا أن مستقبل النظام الذي عرفته سورية طوال 35 عاما أقل يقينية من أي وقت مضى. وقتها تشكل إطار معارض واسع يعرف نفسه بلغة التغيير الديمقراطي، “إعلان دمشق”. لقد ارتفع التوظيف النفسي والسياسي في استقطابات هذه اللحظة إلى درجة غير مسبوقة ودون أن يترك حيزا مستقلا: إما هنا أو هناك. إنها لحظة استقطابية حادة لم تترك “خيارا ثالثا”.
ولحظة زوال هذه اللحظة الاستقطابية بفعل تطورات مختلفة، أهمها المسار العراقي الكارثي، هي لحظة تفجر إجماعات هشة كانت انعقدت بفضل تلك الهيمنة. وما كان شعار الديمقراطية قد وحّده سيتمزق ومعه الشعار ذاته. وسوف تتعرض فكرة الديمقراطية للتنديد مرة لأنها ليست اشتراكية، ومرة لأنها ليست علمانية. ليبرالية بل “ليبرالية جديدة” عند بعض أخصامها، وإسلامية، بل “سنية”، عند أخصام آخرين. لقد انتهت الهيمنة الديمقراطية تاركة فراغا هيمنيا، هو ما نتبينه في مناخ التمزق والقطيعة الراهن. ولقد ولدت، أو أكثر استعيدت من الماضي، “خطابات” كانت مهمشة (لغة الخطابين الشيوعي والقومي العربي، دون مراجعة نقدية من أي نوع)، ويحصل أن تشكو من أنها كانت مقموعة من قبل.. المعارضة.
وثمة ما يوازي ذلك على الصعيد الثقافي. هنا أيضا ثمة شعور بالهامشية وإرادة إثبات الحضور، وجدت في الآونة نفسها اللحظة المناسبة للوثوب إلى مجال عام ناقص التشكل، موسوم بفراغ هيمني.
نريد القول إن جذور حربنا الأهلية البديلة تمتد في صراع على السلطة السياسية والفكرية في إطار النخب الفرعية (أو المسودة)، حركته تغيرات نسبية في علاقات القوة بينها، لمصلحة الأطراف الأكثر خشية من تبدل النظام وعلاقات السلطة السياسية والثقافية القائمة.
ليست الحصيلة هي الأسوأ بإطلاق، لكنها سيئة بما فيه الكفاية: تعازل عام، جزر مبعثرة، منطق “هم” و”نحن”، شح التفاعلات السياسية والثقافية والإنسانية، ولا أحد يبذل جهدا لإخفاء ضغينته وكرهه لخصمه. إنه تفتيت نشط لمجال عام كانت أثمرته هيمنة هشة عابرة.
هذا ما وقع بفعل تفكك هيمنة فرعية وجزئية، وهو يعطي فكرة عما يمكن أن يقع إن تفككت الهيمنة العامة المسلحة بالقوة.
..هذا إن لم نكن نتخبط في ظلام دامس!

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى