صفحات الناسموفق نيربية

امرأة وأحد عشر رجلاً

null
موفق نيربية
تعقد ً محكمة الجنايات الأولى بدمشق جلستها العلنية الثانية لمحاكمة امرأة وأحد عشر رجلاً من قيادات إعلان دمشق، فيما قد تكون أكبر محاكمة سياسية في تاريخ سورية الحديث.
المرأة هي الدكتورة فداء الحوراني، رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق. ولا يحب البعض ذكر أنها ابنة أكرم الحوراني، السياسي الديمقراطي الاشتراكي الأشهر منذ أيام الانتداب الفرنسي وفي البرلمان السوري، والذي كان نائباً لرئيس الجمهورية العربية المتحدة أيام الوحدة السورية المصرية عام 1958. لا يحب البعض ذكر ذلك، إمّا اختلافاً مع ما كان يمثّله أكرم الحوراني، أو كرهاً للعظامية أن تغلب العصامية.
ومن الأحد عشر رجلاً رياض سيف رئيس هيئة أمانة إعلان دمشق، المنتخب بأكثرية كبيرة من هيئة كانت تمثّل تيّارات قومية ويسارية وليبرالية وإسلامية ديمقراطية. وهو رجل أعمال ناجح بالأصل، تقدّم لانتخابات مجلس الشعب في دورتي 1994 و1998 ونجح بنشاطه وقدراته وحدها. وحين حوصرت أعماله بعدما مارس ما حسبه دوره في النقد والمحاسبة، تخلى عن مشاريعه الاقتصادية بتضحية نادرة وانخرط أكثر في النشاط السياسي. حكم عليه وسُجن خمس سنوات بالتهم العجيبة التي يُحاكم ورفاقه بمثلها الآن.
تتمحور هذه التهم حول «إضعاف الشعور القومي» و«توهين نفسية الأمة» و«إثارة النعرات» والمساهمة في «تنظيم سري». وقد ردّ المتهمون جميعاً التهم في الجلسة السابقة، وقال رياض سيف إن استعراض المتهمين وأعضاء المجلس الوطني نفسه «يكشف بوضوح غنى اللوحة الوطنية التي يشكلونها، فهم يعكسون سورية بوحدتها الوطنية الجامعة لكل فئاتها وتعدديتها كما أن المجلس الوطني سعى بعكس الاتهامات تماماً إلى تشكيل شبكة أمان وطنية». وأوضح أن المعتقلين «ليسوا طلاب سلطة وأن إعلان دمشق عمل بشكل علني منذ نشأته»، كما كانت بياناته تنشر في كل الوسائل الإعلامية الممكنة، وهدفه بعكس الاتهامات «يرمي إلى إعلاء شأن سورية ورفعتها بين الأمم»، وانتهى إلى أن نظرة السلطة إلى اجتماع المجلس الوطني لا تستند إليه أو إلى نتائجه وأهدافه، إنما تنطلق من الظروف والأجواء العربية والدولية التي كانت سائدة حينها، الأمر الذي كان سيختلف لو نُظر إليه من منطلق الأجواء والسياسات الايجابية الحالية.
والملاحظة الأخيرة هي الجديرة بالتركيز عليها، لا على تلك الاتّهامات البادية الهشاشة التي فهم البعض أنّها اعتراض من السلطة على ما ورد في مقدّمة البيان الختامي للمجلس الوطني الصادر في 1/12/2007، حول أن «الأخطار الداخلية والخارجية باتت تهدد السلامة الوطنية ومستقبل البلاد أكثر من أيّ وقت مضى، وأن سياسات النظام مازالت مصدراً رئيساً لتفاقم هذه الأخطار…»، وحول أن هذه الرؤية تنقل المسؤولية من على كاهل الأميركيين والإسرائيليين لتحمّلها للنظام.
ولأن هذا الاعتراض غير محصور بالسلطة، بل هو شامل أيضاً لبعض اليساريين والقوميين من المعارضين أيضاً، من الضروري توضيح ما كان يُفترض أن يكون واضحاً. فإعلان دمشق يضمّ مروحة مفتوحة من القوى والأفراد الذين تجمعهم فكرة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، ويختلفون في غير ذلك كيفاً وكمّاً. بعضهم يرى خطراً خارجياً رئيساً في المشروع الأميركي الإسرائيلي، وغيره يرى ذلك في المشروع الإيراني، ويتفّقون جميعاً على أن المشروعين خطر بغضّ النظر عن حجمه الستاتيكي الدائم أو الديناميكي التابع للزمن المعنيّ. يتفّقون أيضاً على أن سياسات النظام تفتح الثغرة لتفعيل أيّ من الخطرين. النصّ المتفّق عليه هو النتيجة، التي لا تكتفي بالديمقراطية هدفاً مطلقاً، بل تنسجه موحّداً مع الوطنيّة، من دون مبالغة ولا شطط في أيّ اتّجاه. ذلك بسيط ويكاد يكون سبباً كافياً للإقبال الإضافيّ من المعترضين، لا الإدبار. إلاّ إذا كانت المسألة رؤيةً مختلفة تتعلّق بالتوقيت واللحظة المناسبة والتكنيك السياسي، وهذا حق مشروع لمن يراه.
يبرهن رياض سيف بشكل مباشر على أن حبكة القصة ليس حيث تتوجّه الإضاءة، وعلى أن المشكلة عند السلطة ولحظتها السياسية، مع «الخارج» للأسف!
تقوم هذه المشكلة على أن السلطة لم تنزع السياسة من المجتمع، ولم تحرّم ممارستها على الناس وتلاحقهم حين يطمحون إلى استكمال إنسانيّتهم وحقّهم فيها وحسب، بل تنزع السياسة من سياساتها هي أيضاً، إن جاز القول. وهي، حين تكون جاهزة لتعديل سياساتها هذه لأسبابها الخاصة المفهومة، لا تلتفت –بعد- إلى ضرورة أن يكون هذا التعديل مفهوميّاً وشاملاً، وداخلياً بالتحديد.
أو لعلّها تفعل، وتستجيب لحقيقة أن أسّ السياسة في «الداخل»، ولا بدّ أن تبدأ فوراً بوقف هذه المحاكمات وإنهاء سياسة الاعتقال السياسي، وتفتح طاقة في الجدار.. للحريّات التي تمدّ لنا لسانها من ورائه!
كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى