صفحات ثقافية

“أسفار هلسينغفورس السبعة”

null
في الحلقة الثامنة والأخيرة (لهذا الصيف) من السلسلة المعنونة: “الكتب الأكثر مبيعاً عبر القارة الأوروبية” التي دأبت مجلّة “ماريان” الأسبوعية الفرنسية على نشرها أسبوعياً طيلة الشهرين المُنصَرمين، وفي عددها المؤرّخ 23 ـ 29 آب 2008، اختارت أن تعرّف القارئ برواية الفنلندي كيال فيستو التي كُتِبَت بالسويدية وصَدَرت بالسويدية والفنلندية في وقتٍ معاً، أواخر العام 2006، وتُرجِمَت حديثاً (أيلول 2008) إلى الفرنسيّة، تحت عنوان: “أسفار هلسينغفورس السبعة” (عن دار نشر غايا، هلسنكي، في ما يزيد على الخمسمئة وخمسين صفحة).
“هلسينغفورس”، هو الإسم الذي يُطلَق على مدينة هلسينكي بالسويدية. وهي حكاية تاريخيّة مضطربة الأحداث بيع منها إلى اليوم 110 آلاف نسخة بالفنلندية و20 ألفاً أخرى بالسويدية، في فنلندا وحدها.
بلسمٌ سرديّ على جراح حقبة من الماضي هي حقبة الحرب الأهلية التي نشبت عام 1918 بين “الحُمر” و”البيض” وخلّفت، في غضون بضعة أشهر، نحو 30 ألف قتيل.
اللافت هنا أنّ هذا الكتاب الذي يثير الحماسات في فنلندا، كُتِبَ أصلاً باللغة السويدية كما ذكرنا، من قبل الروائي كيال فيستو الذي ينتمي إلى الأقلية الناطقة بالسويدية هناك ولا يتجاوز حجمها 6 في المئة من مجمل سكان هذا البلد المزدوج اللغة والذي يبلغ مجموع سكّانه 5.2 مليون نسمة، وهو عضو في الاتحاد الأوروبي منذ العام 1995.
“أسفار هلسينغفورس السبعة” هي رواية فيستو الرابعة تغطّي أحداثها ثلاثة عقود من الزمن (1905 ـ 1938) كانت حاسمة في تاريخ هذا البلد الصغير المجاور لروسيا. وفيه يتتبع القارئ مسارات نحو عشر شخصيّات رئيسية تنتمي جميعها إلى الأقلية الناطقة بالسويدية والمتحدرة من أوساط اجتماعية متنوعة، وتشاء الأحداث أن تتلاقى مصائرها: العامل الكادح إينوك كياندر وولده ألّو، المصوّر الفوتوغرافي إيكو ويدينغ الذي يهوى الصور الإيروتيكية، والبورجوازي الثريّ سيدي ليليهلم الذي ينتهي به الأمر في صفوف اليمين المتطرّف، فيما شقيقته لوسي، المتحرّرة الحسناء، تعيش أهواءها حتّى أقصاها على إيقاع جوقة لعزف موسيقى الجاز.
ما سرّ نجاح هذه الرواية؟ السرّ يكمن في أنّها تتطرّق إلى موضوع طالما بقي محرّماً التطرّق إليه في فنلندا. وهو موضوع الحرب الأهلية الدامية التي دارت بين “حمر” و”بيض” مزّقت عُرى هذا البلد غداة إعلانه استقلاله في العام 1917، وعلى خلفية “ثورة أكتوبر” السوفياتية. استمرّت مأساة الحرب الأهلية من شهر كانون الثاني إلى شهر أيار من العام 1918، وانتهت بانتصار “البيض”، موقعة 25 ألف قتيل من “الحمر”، و5 آلاف من “البيض”. وبقي الجرح غير ملتئم طيلة فترة الحرب الباردة التي عاشتها فنلندا في مناخ من الحريّة المقيّدة التي فرضها عليها الجار السوفياتي القوي.
فيستو المولود في العام 1961، يرى أن موعد صدور روايته كان هو الموعد الأمثل لفتح النقاش حول تجربة الماضي، الأمر الذي لم يكن متاحاً مثلاً قبل ثلاثين عاماً. فلو صدرت الرواية بموضوعها هذا قبل ثلاثين عاماً لرفضها نصف القرّاء آنذاك.
يبقى أن فنلندا ذات الطابع الفلاّحي، العريقة التاريخ (إذ يعود بعض مبانيها إلى مطلع القرن الثامن عشر)، الحديثة النشأة كدولة (أقل من مئة عام) قد وجدت أخيراً السبيل إلى اللحمة بين شقيّها، وتصالح فيها الأخوة المتحاربون، وأجمعوا على قراءة رواية فضحت لهم قسوتهم الماضية. ولم تثر حرباً جديدة.
هنيئاً لهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى