صفحات سورية

إصلاح الاقتصاد في سورية وارتباطه بإصلاح السياسة

null

هشام الدجاني

يرى بعض الاقتصاديين السوريين أن الدولة لم تقم بمحاولات كافية لإصلاح القطاع العام، بل اكتفت ببعض الإجراءات الإدارية المحدودة. وإذا كانت أموال النفط قد ساعدت على إعادة تشغيل هذا القطاع بعد أزمة منتصف الثمانينات فإن هذا لم يستمر طويلاً. فالقطاع العام ظلت مشاكله خارج حدود الحل. وأهم هذه المشكلات التنظيم الهرمي البيروقراطي الذي يرزح تحته، والعمالة الفائقة، وعدم القدرة على التسويق الواسع، وأخيراً الخسائر الجسيمة أحياناً التي تشكل نزيفاً للمال العام.

كذلك كانت إجراءات الحكومة لدعم القطاع الخاص مترددة في البداية، ثم بدأت تتوسع وسمحت لهذا القطاع أن يدخل ميادين كانت حكراً على القطاع العام في السابق. وكانت البداية مع صدور القانون رقم 10 للعام 1991. بيد أن هذا القانون لم يؤت ثماره لأنه لم يترافق مع إجراءات كان لا بد منها كتحرير الاقتصاد وإنشاء مؤسسات مصرفية متطورة. وأبقت من حيث الجوهر على بنية تنظيمية قائمة بالأساس لخدمة اقتصاد سابق. أي أن القانون رقم 10، كما وصفه اقتصادي سوري معروف، أشبه بـ «جاكيت بيار كاردان فاخرة على بنطلون شورت»!

يرجع الاقتصادي السوري نبيل سكر إخفاق السياسة الاقتصادية السورية إلى أسباب عدة، أولها أن الإصلاحات الحكومية لم تكن تنبع من برنامج تصحيحي شامل، بل كانت إصلاحات جزئية تعكس فكراً حائراً ما بين اقتصاد الدولة واقتصاد السوق. ومن هذه الأسباب السير البطيء بالإصلاح، باسم الخشية من «أسلوب الصدمة» الذي يخلق الخضات الاجتماعية. وكانت النتيجة شبه جمود اقتصادي وضائقات اجتماعية، أما السبب الثالث فهو الافتقار إلى مجتمع مدني فاعل ومنابر إعلامية تراقب وتحاسب، وكانت هذه من عوامل الفساد والتراجع الاقتصادي.

يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد السوري يواجه اليوم مشكلات ليست يسيرة، أهمها:

الاعتماد الزائد على المساعدات وعائدات النفط.

معدلات نمو سكنية عالية تدفع بما يزيد على 200 ألف شخص إلى سوق العمالة سنوياً، مما يعني بطالة عالية (يقدر عدد العاطلين عن العمل في سن الشباب من حملة شهادات المعاهد والجامعات بحوالي 700 ألف شاب).

وجود نظام من الحماية العالية للصناعة لا يتيح الفرصة للمنافسة، وبالتالي يساهم في تدني الإنتاجية ورفع الكلفة.

افتقار الديناميكية والبيروقراطية المفرطة في الإدارة مع تسرب الفساد.

هنا يُطرح سؤالٌ جوهريٌّ، من أين يبدأ الإصلاح الاقتصادي؟

يجيب بعض الباحثين أنه لا بد من وضع تصور لمستقبل سورية الاقتصادي في ضوء مواردها الطبيعية والبشرية من جهة، وفي ضوء الاستحقاقات الملحة من جهة ثانية: الشراكة العربية – العربية، والشراكة السورية – الأوروبية. هنا يجب أن يحدد المسؤولون الاقتصاديون الإطار النظري لاقتصاد البلاد، ومن دون هذا التحديد ستأتي الإصلاحات ناقصة ومتناقضة. وهذا يعني بالتالي أن تحدد الدولة لنفسها دوراً جديداً يختلف عن دورها السابق ويركز على التنمية البشرية والتقنية وتعزيز المنافسة في السوق. إن سورية بحاجة إلى فكر اقتصادي جديد يعتبر الدولة (الاقتصاد المخطط الذي تهيمن عليه الدولة) والسوق (الاقتصاد الحر) مكملين أحدهما للآخر وليسا بديلين.

من الواضح من خلال الواقع الموضوعي أن برنامج الإصلاح الاقتصادي ما يزال في إطار الاقتراحات والإجراءات المحدودة. بمعنى آخر لم يتم التوصل بعد إلى خطة إصلاح اقتصادي متكاملة ومبرمجة تنطلق من استراتيجية واضحة. وفي هذا الصدد يحاول بعض الاقتصاديين أن يرسم أطراً عامة وسريعة للإصلاح الاقتصادي لا ترقى إلى مستوى خطة شاملة بالطبع، ولكنها مجرد عناصر في خطة: إصلاح القطاع العام، إصلاح القطاع المصرفي، محاربة الفساد… الخ. أما في ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي وعلاقته بالمجتمع المدني، فإن هذا الجانب المهم لم يتنبه إليه كثير من الاقتصاديين الذين تحدثوا عن الإصلاح وكأنه هيكل يبنى من علٍ من دون أن تكون للمجتمع المدني علاقة به! ويؤكد ناشطو المجتمع المدني أن الدولة لا تستطيع بمفردها أن تضطلع ببرنامج للنهوض الاقتصادي من دون القطاع والمجتمع المدني معاً. وهذا يوحي ضمناً بأن الدولة ارتكبت خطأ في الماضي بتهميشها للمجتمع المدني، هذا التهميش الذي خلق نوعاً من اتكالية المواطن على الدولة، اتكالية في التفكير كما في العطاء، وأضعف شعوره بالمواطنة. وإنها لمفارقة حقاً أن تهاجر العقول ورؤوس الأموال العربية، في الوقت الذي تستقبل فيه إسرائيل العقول والخبرات من المشرق والمغرب!

إن في الإلحاح على إحياء المجتمع المدني مغزى عميقاً لا يفوت القارئ، وهو أن إصلاح الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق ما لم يواكبه أو حتى يسبقه إصلاح سياسي.

* كاتب فلسطيني

الحياة – 28/02/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى