صفحات الحوار

سمـر يزبـك: أعتقـد فعـلاً أننـي أليـس فـي بـلاد العجائـب

null
عناية جابر
كتبت أحلامها مع موتاها الأعزاء الذين تعيش بينهم أكثر مما تعيش بين الأحياء
عن دار المدى، صدر جديد الروائية والقاصة سمر يزبك تحت عنوان »جبل الزنابق« فيه تنحو الكاتبة نحواً مُغايراً من حيث الأسلوب واللغة عمّا تعودناه في متابعاتنا لأعمالها الكتابية. ثمة الحرية القصوى في الذهاب هنا الى الأماكن الأكثر سرية في ذهن الكاتبة وعوالمها، ولغتها المستعملة لخدمة هذه العوالم الغرائبية. مع يزبك بمناسبة اصدارها الجديد كان هذا الحوار:
في جديدك »جبل الزنابق« قرأنا تحولاً في اللغة والأسلوب عمّا تعوّدناه في إصداراتك السابقة، الروائية والقصصية الممسوكة باعتبارات السرد المعروفة. ماذا تريدين القول من خلال نصكّ الهذياني هذا؟ ولماذا الإهداء الى الشاعرة الراحلة دعد حداد؟
﴿ فكرة الحلول في تلوينات الوجود، تجعل من يوميات العيش، متعة لا تنتهي. لن تستطيعي التفكير، ولو لثانية أن هذه الأفكار التي تتراقص حولك وتخرج من مخيلتك أقل أهمية، من أي وجود مادي يحيط بالعالم. الأمر صعب التحديد، وفي ثقافتنا العربية، يعرف الحلول كمفهوم ديني صوفي، ومذهب له أتباعه وأصحابه، لكني أراه تشظي الشخصية الواحدة، لذلك تجدين مثلا أن هناك مفاهيم مختلفة للعشق، أو تشظيات متبانية، حين لا يكتفي رجل بامرأة، أو لا تكتفي امرأة برجل. إنها رغبة كائن بشري في الحلول بكل الموجودات، حتى يقاوم فكرة فنائه.
هل فكرت مثلاً، لو أنك كنت ذرة غبار ما الذي يمكن أن يحصل؟ هل نحن متأكدون، أن المحسوسات تنتهي عند عتبة الإحساس البشري؟ أم هل نظن فعلاً أننا كائنات غير داجنة، لأننا متفوقون على الأجناس الحية الأخرى كافة؟
الأمر معقد، حين ننتقل إلى عالم أثيري، يجعلك تعيشين حياة مضاعفة، إنه باختصار: الحلم أو الكابوس، مرآة عقلك، وربما مرثيته وتشظياتك منذ أن ولدت وحتى اللحظة الراهنة.
ما حدث في »جبل الزنابق« ليس تحولاً، إنه جناح جديد يخفق ولا يلغي الأجنحة الأخرى. النساء تطير بأجنحة غير مرئية!
كيف تداخلت الأحلام بالسرد؟
لم يخطر على بالي، عندما بدأت الكتابة ما الذي أردت قوله. بدأت فكرة »جبل الزنابق« بغرابة؛ كنت مع صديقتي السينمائية »هالة العبدالله« نشرب القهوة ونتحدث عن الحنين إلى دمشق بعد غربتها الطويلة في باريس، من خلال فيلمها »أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها«، وهذا العنوان هو مقطع من قصيدة للشاعرة السورية دعد حداد، التي كنت ولا أزال مفتونة بها، وكنت أقوم بتحضير بحث عنها.
دخل الحلم، بالبحث، ورويت لهالة حكاية الأحلام، التي بدأت تراودني عن دعد منذ بدأت أبحث في نصوصها ومع أصدقائها، أعجبها الحلم وقالت ببساطة: لم لا تكتبينه؟
من هناك لمعت الفكرة، لم أكن أفكر قبلاً بالكتابة عن الأحلام. قلت لها: دائما لديّ أمواتي الأعزاء الذين أعيش معهم ليلاً، ورويت لها أحلامي عن أدباء وشعراء، وفكرتي عن نفسي، بأني أعيش بين الأموات أكثر من الأحياء. بعد ذلك كتبت الأحلام، ولما انتهيت منها رأيت أنها بحاجة للعبة فنية ولغوية، فتدخلت طبعا، لتصبح أكثر متعة للقارئ، بعد أن انتهت متعتي منها، و جاء دور القارئ. أحلامي حياة موازية أهش الجلافة البشرية بها.. عني.
الحلم والواقع
في متن هذه الأحلام قلق، وحيرة وانقطاع عن العالم الواقعي، رغبة منك ربما في فهم هذا العالم وترتيب علاقة واضحة بين النوم واليقظة. من أين أتت فكرة الكتاب، إيحاءاته ولغته؟
لا أعرف إن كان قلقاً أو رغبة بالتخلص من الحياة الليلية السرية لعقلي اQلباطن، ربما هو أكثر من قلق. أنا شخصية متوترة، اشعر أني مثل قنبلة موقوتة، وقلقي يبدأ من مساحات صغيرة، تبدأ من اللحظة التي أخرج فيها من باب بيتي إلى الشارع، وينتهي عالياً ضمن مساحات مبهمة، حيث اليقين المطلق لفكرة وجودنا نفسه. تلك الفكرة التي ما زلت أجدها غبية، عندما وبكل بساطة، أعرف أني لا شيء، وهم لا شيء، وهن … وكل ما حولي هو أشبه بحلم، لا شيء حقيقي، إنه متبدل، يدخل في العماء في كل ثانية يمر بها، ومن ثم يتحول إلى شاشة سينما باهتة، تماماً مثل الحلم، أحيانا لا أفرق بين الحلم والواقع، أشعر أن الحلم حقيقي أكثر من الواقع، مثل هي فكرتي عن الكتابة، إنها الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الفناء؛ العيش في النص.
أعيش بيقين أن كل المبدعين الذي استولوا على حياتي في فترات مختلفة من خلال نصوصهم، كانوا أكثر حقيقية من كل الناس الموجودين حولي بشكل مادي.
هل استطيع إنكار أن ظهور فرجينيا وولف في حياتي، في فترة المراهقة غيّر شخصيتي إلى الأبد؟ هل أغفل زياراتها الليلية المتكررة لي؟ كافكا والخصيبي والجرجاني وغيرهم من زائري الليل… هم أكثر واقعية من كل ما حصل لي.
عشت سنوات في الطفولة والمراهقة، وأنا أعتقد فعلاً أني »أليس في بلاد العجائب« وكل ما يحيط بي من موجودات وأشخاص، كانوا يتحولون وبإسقاطات مني إلى شخصيات »أليس« هل استطعت أنت أن تقرئي اليوم قصيدة »سيلفيا بلاث« هذا الصباح، دون أن تتمددي على السرير الأبيض وتغرقي في متعة السكينة، وتعتنقي ذلك البياض الحزين للتلويب المتلون؟
النص لعنة، لعنة جميلة، يشبه إكسيرا سحريا يفتح مسام جلدك لتطيرين برهافة، ويدعوك للعيش داخل تلك الرهافة العذبة.
هل جبل الزنابق هو وجهك الحقيقي كإنسانة ومبدعة، أو ملمحاً من ملامحك الكتابية على سبيل التجريب، والمغامرة شأن الكتّاب الذين يطرقون أصنافاً كتابية شتى؟
﴿ هل هذا هو وجهي؟ أنا لم أتلمسه حتى الآن بشــكله الواضـح. ما زلت أجهله، لكن »جبل الزنابق« هو بالتأكيد أحد الوجــوه التي ما زلت أتلمسها، لا تنسي أن هذه المنامات تعرّضت لإضافات فنية، خرجت بعيداً عن الحلم، لتصير أقرب إلى روح قارئ لا يعرف أسرار عقلي الباطن، وكنت مضطرة لتحويل بعض الأحجيات في تلك الأحلام إلى قصص.
تتطلب كتابة الأحــلام الكثير من الإخــلاص للذات، والقدرة على البوح والمخاطرة بطرح نموذج مخــتلف عن القصة والشعر، لكن الكاتب سيد نصه المطلق، ويــحق له أن يفعل به ما يشاء، وأن يقول ما يريد، ويتــحدث عن أســرار العالم الواقعي والمفترض، بدءاً من تصوير نافذة مهــملة يتــوضع على زاويتها أصيص أور كيدا وانتهاء برعشات الجــسد المحروم.
من قال إنه يحق لأحــد أن يملي على الكــاتب كمية الجرأة التي يتناولها في نصوصه؟ لا أحد! أو من يقرر الكـيفية الفنية التي يتـم على أساسـها تحـديد الشكل الأخـير للـنص المـكتوب؟
أجمل ما في الكتابة اللـغة. العلاقة مع اللغة شكل متمدن للقتال مع الموت، مثلما هو النقاش بين طرفين، ترويض لحالة حرب متوحشة عاشها الكائن البــشري لمــلايين الســنين. اللغة تفعل فعلها المتوحش في روحي، تجعلها برية، أحب ممارسة طريقتي المــهذبة في العــراك معها، فأجــعلها ملعبي، وأنا لاعبتها الوحيدة، التي تقاتل الفراغ، في منازلات محتملة الفشل، في استخدام أسلحة الكلمات والصـور والمجازات.
أنا مؤمنة أن العقل البشري ملون، والتباين بين ألوانه لانهائي، رغم أن هذه الألوان ما تزال ساكنة في اللغة التي نحصل عليها من القراءة.
الانجراف الساحق نحو لعبة الخيال، هو الذي صنع هذه الأحلام، والإحالات الذهنية والخبرات المعرفية والثقافية، لا تقل أهمية عن حساسية الكاتب، أردت أن أكون حرة مع لغتي في »جبل الزنابق« رغم أن حظي من هذه الحرية لم يكن شاسعاً، فالإحالات الذهنية والثقافية هي جزء من القيد، وهي بقدر ما تجعل من النص الحلمي مساءلة وجودية للعبة الموت والفناء، تبعده عن بدائيته الأم، التي كان من الممكن أن تخرج من عقل امرأة عادية لها هلوساتها في العيش وتفاصيله والاستغراق فيه، دون أن تلون رغبات تلك المرأة وأحلامها، سوسة العقل والتأويل، وهذه ليست دعوة لإحالة العقل إلى التقاعد، لكني أظن أن بدائية الحس الغريزي لعيش الحياة، تجعلها أكثر عمقا وتنتشلها من خديعة العقل، لقد كتبت يوماً جملة في إحدى رواياتي: أهم معلم لحب الحيوانات، وما زلت أعتقد ذلك. الأحلام كانت جزءاً من مشروع البدائية ذلك، لكن للأسف، دخل في لعبة الإحالة المعرفية والثقافية، وقد استمتعت بلعبة الإحالات تلك، ووجدتها ممتعة، ومفيدة أيضاً، فالقارئ لا ذنب له كي أتركه لفوضى الحلم بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى