صفحات سورية

مأساة الرهان على الخارج والقراءات الخاطئة

null
رجاء الناصر
السياسة البراغماتية السورية الرسمية، والتي جاءت في سياقها المفاوضات السورية – “الإسرائيلية” غير المباشرة، والتي نجم عنها أيضا ذلك التحسن الملحوظ في العلاقات الفرنسية السورية وبالتالي الغربية – السورية وانكسار طوق العزلة الدولية عن دمشق ولدانطباعا لدى بعض العاملين في الحقل السياسي ان هناك تحولا أساسيا في السياسة الإستراتيجية السورية يقوم على الانتقال من خندق “الممانعة” الى خندق “المعتدلين” أي المتماشين مع المخططات الأمريكية المرسومة للمنطقة.
ان هذه القراءة لما اعتبر متحولاً في السياسة السورية يفسر تلك اللهجة الجديدة لبعض العاملين في الشأن السياسي السوري تجاه النظام، والانتقال من تعابير “القطع والضغط والعزل واستعداء الخارج الى سياسة الاحتواء” منطلقين من ان تلك التحولات “المفترضة” ستؤدي أو يجب ان تؤدي الى تحولات مماثلة في الوضع الداخلي وهي قراءة تنطلق من قناعة ثابتة بأن العامل الخارجي هو الأساس في السياسة الداخلية وهو العامل المؤثر الوحيد أو الغالب على التغيير في سورية، والتي بنى عليها في مرحلة سابقة وهم سقوط النظام بشكل سريع تحت الضغوط الخارجية والتي أثبتت الأحداث أنها قراءة خاطئة ناهيك عن أنها “غير وطنية” أو على الأقل غير صحيحة وذات آثار كارثية، وخصوصا عندما تتعلق بالمنطقة العربية التي برز فيها العامل الصهيوني بدور مؤثر في السياسات والمخططات الخارجية وخصوصا الأمريكية منها.
وتتحدد أخطاء تلك القراءة بثلاثة أبعاد أساسية:
البعد الأول: خطأ قراءة وجود تحولات دراماتيكية في السياسة الرسمية السورية: ان عودة القيادة السورية الى التفاوض مع الكيان الصهيوني والسعي للانفتاح على الغرب كانت باستمرار جزءا أساسيا من السياسة الرسمية السورية، وتحديدا منذ مؤتمر مدريد وصولا الى المفاوضات الثنائية (التي أوصلت الى ما عرف بوديعة رابين)، وكانت تلك المفاوضات برعاية أمريكية وهي ما تسعى إليه وتؤكده القيادة السورية في مطلبها الراهن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سعت السياسية السورية باستمرار الى الحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب حتى في ذروة ما بدا انه تضارب مع السياسة الغربية، والصدام المسلح “بالواسطة” مع المشروع الصهيوني وحتى في الأوقات التي شهدت فيها ضغوطا أمريكية على سورية لتحجيم دورها الإقليمي بما فيها إخراج الجيش السوري من لبنان ورفع سيف المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، إذ كان المسؤولون الأمريكيون يعلنون بوضوح ان الهدف الأساس من هذه الضغوط هو إجبار النظام على تغيير سياساته وبشكل اساسي في العراق وفلسطين ولبنان ولم يكن الهدف المعلن إسقاط النظام أو تغييره، ولم تكن أيضا سياساته الداخلية ضمن أولويات الهدف الأمريكي.
ان ما قيل انه تحولات في السياسة الرسمية السورية استند الى جانب من السياسة السورية ولم يستغرق كل المشهد السياسي، فالعلاقات السورية – الإيرانية لم يطرأ عليها تعديل يذكر كما ان الانفتاح على روسيا الاتحادية خلال الأزمة الروسية – الجورجية وانحيازها التام الى روسيا في موقفها المتصادم مع المشروع الأمريكي – الغربي يظهر بدوره ان دمشق لا تزال تعمل وفق سياساتها البراغماتية المعتادة أي الإمساك بالعصا من الوسط في السياسة الدولية واحناء رأسها للعواصف التي تمرّ بها، واستخدام عامل الزمن للخروج من الأزمات التي تحيط بها.
البعد الثاني: خطأ تصور إمكانية الضغط لو عبر الاحتواء من قبل الغرب عموما والإدارة الأمريكية خصوصا لانجاز تحولات ديمقراطية وهذا الخطأ تدعمه التجربة المعاشة للسياسة الغربية في المنطقة، بدءا من العراق ومرورا بفلسطين وصولا الى السودان والمغرب وحتى موريتانيا، وقد ألغى الأمريكيون صراحة مطلب الديمقراطية في الوطن العربي بعد ان رُفِعَ شعارا وهميا في مرحلة سابقة حيث ان المعركة الأساس بالنسبة للمشروع الأمريكي – الصهيوني هي مع “الإرهاب” بما فيها مقاومة (الاحتلال والوجود العسكري الأمريكي) لقد استخدم شعار الديمقراطية كسلاح من اجل ابتزاز النظام العربي ليس إلا، فقد أقامت العديد من الدول العربية علاقات تصالحية مع الكيان الصهيوني عبر مفاوضات ومعاهدات ولكنها لم تشهد تطورا ديمقراطيا موازيا بل ان بعضها سار في اتجاه معاكس تماما.
ان إغفال تأثير الدور الصهيوني على السياسة الأمريكية وعلى السياسة الغربية بالعموم أدى الى عدم فهم العلاقة بين المصالح الوطنية العليا والديمقراطية وبين المشروع الأمريكي في المنطقة حيث يظهر التناقض التام بين المصالح الوطنية والقومية العليا وبين المشروع الأمريكي، وعدم وجود أية إمكانية للتوافق بينهما نظرا للانحياز الأمريكي التام والمعلن للكيان الصهيوني، ذلك الكيان الذي يشكل خطرا وجوديا على الأمة العربية وعلى المنطقة يتجاوز احتلاله لبعض أراضي الدول العربية في الجولان ومزارع شبعا والضفة وقطاع غزة، حيث خطره يتمثل بوجوده القائم على الاغتصاب وعلى العنصرية إضافة الى ذلك المشروع الشرق أوسطي الذي لا يزال هاجسا لدى الإدارة الأمريكية [في جوهره على الأقل] القائم على تغيير هوية المنطقة وإعادة تشكيلها على أسس “قطرية وطائفية ومذهبية واثنية”.
البعد الثالث: ان التلاقي مع مضامين المشروع الغربي (الليبرالي – المتوحش) يلغي دور الحامل الاجتماعي في التغيير الديمقراطي ويكرس الأزمة الاقتصادية والمعاشية الخانقة ويدور حولها، وبالتالي يعود مطلب التغيير الى دائرة الرهان على الخارج “أي خارج الفعل الشعبي” حيث هو رهان انتظاري قدري يعتمد على دور الخارج في الإسقاط أو الاحتواء، ويجعل من التغيير المطلوب مجرد مشاركة جزئية في تركيبة السلطة وليس تعديلا بنيويا لطبيعتها ولبناء دولة ديمقراطية حقيقية بل هو متناقض مع الدعوة الديمقراطية ذاتها التي تؤمن بأن القوى صاحبة المصلحة بالتغيير هي التي تصنعه بما يخدم مصالحها.
ان التغيير الديمقراطي كان وسيبقى مرتبطا بتفعيل حركة الشارع الشعبي وتبني مصالحه وبالعمل الوطني لحماية الاستقلال الوطني ودعم مقاومة الاحتلال بجميع الوسائل المتاحة بما فيها العمل المسلح على امتداد ساحة المواجهة مع المخاطر والتحديات التي تواجه الأمة وليس على العمل وفق إيقاعات الخارج ومصالحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى