صفحات مختارةعمر قدّور

في النقاش حول رابطة العقلانيّين العرب وما وراءه

null


بقلم عمر قدور

ليسمح لي الصديق ياسين الحاج صالح أن أستعير عنوان مقالته المنشورة في السفير بتاريخ 21/1/2008 “في النقاش السوري حول العلمانية وما وراءه”، ولربما كانت طبيعة الموضوع تقتضي مني التوضيح، فعلى نحو شخصي لا تربطني صلة برابطة العقلانيين العرب، وإن كنت قد اطلعت على بعض من منشوراتها، وساهمت في الكتابة في موقع الأوان منذ انطلاقته، وهذه المساهمة أتت أيضاً بمبادرة مشكورة من الصديق ياسين الحاج صالح المشارك في تحرير الأوان آنذاك.

بين يدي مقالتان، الأولى منشورة في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 22/12/2007 بعنوان “العقلانية الغائبة في بيان رابطة العقلانيين العرب” بقلم زياد منى، والثانية منشورة في السفير بقلم ياسين الحاج صالح، وهي التي أشرت إليها بدايةً. وكنت قد قرأت بيان رابطة العقلانيين العرب، ولم أتوقع أن يثير ردود الفعل الغاضبة التي أثارها في مقالات عديدة، وإن لم يتفق المرء مع البيان أو مع جزء مما جاء فيه، حتى ظننت أحياناً أن ردود الفعل تتعلق ببيان آخر غير الذي قرأته. وإذا كان الاتفاق، أو الاختلاف، مع ما جاء في بيان الرابطة هو من طبيعة النشاط الفكري فإنني سأكتفي بمناقشة نقاط الخلاف التي تخرج عن نص البيان، آملاً في أن تكون الشفافية مرادفة لإحكام العقل، خاصة بعد مرور مسافة على ردود الأفعال.

على الرغم من أن مقالة ياسين الحاج صالح المشار إليها تتمحور حول خصوصية النقاش السوري حول العلمانية إلا أن ربطاً مضمراً أو صريحاً مع رابطة العقلانيين العرب يتخلل النص، وبما يحول الرابطة إلى شأن سوري، أو يوحي بعصبوية علمانية عربية متجانسة. وأستخدم هنا كلمة عصبوية بدلاً من الطائفية التي تكرر استخدامها في المقالة، إذ أن استخدام تعبير طائفة العلمانيين يفقد دلالاته السياسية لدى المتلقي غير السوري. على العموم توحي مقالة الصديق ياسين بأن وراء الأنشطة العلمانية أجواء تختلف عن النصوص والمناقشات العامة، وهذا الماوراء الذي يتم في كواليس “المحافل العلمانية” هو الأهم كما في الاقتباس التالي: “لعل الأهم في شأن “الهوية العلمانية” هو ما قد يستخلص من المناشط العلمانية وتنظيمها وأجوائها، وليس نصوصها ومناقشاتها العامة. لست داخلاً في تلك المناشط، لكني ألاحظ تناسبا طرديا بين (1) تشدد الدعوة العلمانية وانفرادها عن غيرها، ومقياسه موقفها التحريمي، إن لم نقل «التكفيري»، من الإسلاميين (بل وممن لا “يُكفِّر” الإسلاميين)؛ و(2) اجتذابها دعاة ساخطين عصبيين، يتملكهم تثبّت نفسي شديد حول “الأصولية”؛ و(3 (نزوع هؤلاء إلى الاعتصاب أو الميل إلى تشكيل عصبية عدائية حيال غيرها، “طائفة مغلقة”. ثمة شيء ما في سيكولوجية الداعية العلماني السوري، وربما العربي، يلفت النظر بالتزمت والعدوانية حيال أخصامه المفترضين، والتعصب لـ”إخوانه”، ما يجعل منه نسخة مقلوبة من المجاهد الإسلامي (وهذا عصبي وعصبوي بدوره، وتكفيري طبعاً). ولأنها كذلك تشكل “العلمانية المجاهدة” هذه أرضية لتجديد سيكولوجية المناضل المتوفز، التي تجمع بين الانعزال والرسالية وعشق السلطة، السيكولوجية التي كانت تشكلها وتشبعها في عقود خلت التنويعات الأشد انغلاقاً من الإيديولوجية الشيوعية“.

ربما هي المصادفة قد جعلت مقالة زياد منى تشير أيضاً إلى الإيديولوجيا الشيوعية، ولكن بشكل أكثر صراحة هذه المرة، فالسيد منى يأخذ على أعضاء في رابطة العقلانيين العرب ماضيهم الماركسي اللينيني، ومن ثم تحولهم إلى “الليبرالية الجديدة”، من دون تقديم كشف حساب فكري عن هذا التحول. لقد سبق لكاتب هذه السطور الردّ على مقالة في الأوان حملت المآخذ الفكرية ذاتها، وهي تتنوع بين الماضي اليساري للعلمانيين، وأنواع العصابات المنتقاة من علم النفس الفردي أو علم نفس الجماعات، مع إطلاق هذه النعوت بأريحية كبيرة على “عصبة” صغيرة من العلمانيين. وما يثير الاستغراب هو الذهاب دائماً إلى ما وراء النص، ما يتيح المجال واسعاً للافتراضات من كل نوع بما فيها التلميحات حول التمويل، والتي تعني في العرف الثقافي الدارج ارتهاناً لجهة ما، ذات مقاصد خبيثة على الأرجح، فالسيد منى يختتم مقالته بالقول: “هذا التجاهل لقضايا تمسّ الوجود العربي من أساسه وتشكل همّ الإنسان العربي الأول، ليس تقصيراً أو حدث سهواً، وإنما قصدي يشير إلى توجه المنتدى العتيد مستقبلاً. فهل هذا سبب تجاهل البيان إعلام القراء بمصدر تمويل هذه الرابطة لأن المموّل هو الذي سيقرر توجهها!!”. وغير بعيد عن ذلك يشير ياسين الحاج صالح إلى أطر التمويل والرعاية المحتجبة كالتالي: “والحال إن تشكل العلمانية في عصبية هو عنصر أساسي في بناء “ما وراء النقاش” السوري حول العلمانية. وللماوراء هذا وجهان. يحيل وجه أول إلى السياق المؤسسي الذي ينتظم فيه النقاش، فيما يحيل وجه ثان إلى السياق السياسي والسوسيولوجي للنقاش. ويتكون السياق الأول من ممارسات عملية “شارحة” للنقاش، ومن صيغ تكتل ومراتب سلطة تحتجب وراءه، ومن عمليات “تعبئة” و”نضال” بالغة العنف تهتدي به وتوجهه، فضلاً عن أشكال تنظيم وتمويل تشكل في آن رهاناً وأطر تنظيم للنقاش. هذه أشياء لا يشف عنها النقاش ذاته، ويتعين إبقاؤها في البال لأنها قد “تقول” ما لا يقوله النقاش، وقد تفصح عما يغمض إدراكه على من تقتصر متابعته على النصوص وحدها. ولقد كان ما هو أغنى بالدلالة في “مؤتمر العلمانية في المشرق العربي” مثلاً هو أطر رعايته وتنشيطه، والمداولات الجانبية فيه. والأرجح أن مثل ذلك ينطبق على مؤتمر “رابطة العقلانيين” كما توحي إشارات وردت في مقالة دلال البزري المومأ إليها فوق “المقصود مقالتها في جريدة الحياة بتاريخ 23/12/2007“.

أكتفي بالاقتباسات السابقة مع الاعتذار عن طولها، وأبدأ بمسألة التمويل، فكما يعلم الكثيرون أعلن منبر الأوان عن الجهة الممولة منذ انطلاقته، ومن نافل القول إن أي نشاط يحتاج إلى تمويل، ومن نافل القول أيضاً إن أي منبر له الحقّ بسياسة إعلامية أو فكرية خاصة به، وهذه قد تكون من صفات التخصص المحمودة التي تؤدي إلى التنافس والتعدد. وعلى سبيل المثال فإن إحدى الصحف لم تنشر تعقيباً على إحدى المقالتين، واعتذر محررها خطياً بأن لصحيفته الحق في الاعتباطية والاستنسابية!. قد يفرض الممول سياسة ما، بالطبع هذا يحدث، وإلا لماذا يمول مشروعاً دون غيره، ولماذا يلتقي مع مجموعة دون غيرها؟ وهل لنا أن نطلب ممن يمول منبراً أصولياً أن يتبنى أراء علمانية مثلاً؟ وفي المقابل إن أي كاتب يختار المنبر الذي يناسبه بناء على توجه هذا المنبر، وهذا التلاقي هو من طبيعة النشاط الفكري في العالم، إذ لا توجد استقلالية مطلقة. وعلى العكس من المآخذ السابقة فإن البلدان العربية تشكو من قلة المبادرات التمويلية، سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد المؤسسات، ومردّ ذلك إلى ضعف فعاليات المجتمع المدني أو إجهاضها من قبل الأنظمة الحاكمة. وعلى الصعيد ذاته نشهد وفرة في المنابر الأصولية الممولة تمويلاً هائلاً، ولا نجد من يتساءل عن هذا التمويل وأهدافه، فالسيد زياد منى خصص فقرة كاملة في مديح أداء حزب الله، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه لم يكن لحزب الله أن يكون على هذه السوية لولا التمويل القوي من جهة معروفة للجميع.

كنت أتمنى لو أن الصديق ياسين قاد التحليل النفسي للجماعات إلى نهايته أيضاً؛ فإذا كانت العلمانية السورية أو العربية تعبيراً عن نزوع أقلوي “ميثاق تماسك طائفة”!، يصدر عن رهاب جماعي “طائفي” تجاه الآخر “الأغلبية”، فإن وعي الأغلبية يجب ألا يقف عند حدود التوصيف والتصنيف، بل ينبغي عليه البحث في هذه المخاوف ومعالجتها، بدلاً من رشقها بالاتهامات كما فعل بعض المشاركين في السجال على صفحات جريدة الحياة أو موقع الأوان سابقاً. والحقّ إن هذا التحليل، إن صحّ على الوعي الأقلوي، فهو يغفل الشق الآخر، ولا يناقش وعي الأغلبية عندما يثبّت نفسياً على خصومه الفكريين، ويكيل لهم الاتهامات التي تفيض عن موضوع النقاش. فالخصم الأقلوي، وفق هذا المعيار، متهم إلى أن يُثبت أنه مثلنا. ومن ذلك تُطبّق المعايير الفكرية على الخصم، دون تطبيقها على الذات، وعلى سبيل المثال لا يستتبع الحديث عن علمانيات مختلفة الحديثَ عن ديمقراطيات أكثر تنوعاً واختلافاً، فتبدو الديمقراطية محمودة لأنها هكذا بالمطلق، حتى إن اختُزلت إلى صندوق الاقتراع، بينما العلمانية مذمومة لأنها على وجه التخصيص تُختصر إلى النماذج الأسوأ لها. ثمة تساؤل مشروع هنا: إذا كان من “الطبيعي” أن ينتج الوعي الأقلوي خطاباً مأزوماً، فلماذا ينتج الوعي الأكثري خطاباً مأزوماً بدوره؟

يُظهر السجال حول العلمانية ضيقاً، فلا يتسع لسلة متكاملة من الأولويات، فإما كذا أو كذا، حتى جَسر التناقض المفتعل بين العلمانية والديمقراطية لا يبدو من شواغل هذا السجال، لذا لا يكون من المستغرب أن حواراً “طبع سنة بكاملها” فشل في زحزحة المتحاورين عن موقعهم الفكري السياسي. وعلى الرغم من كل محاولات إزالة اللبس عن العلمانية، وتوضيح أنها لا تعني معاداة الدين، إلا أن بعض المتحاورين أبوا تصديق ذلك!. والخلاصة هي الإصرار على وضع العلمانية بمثابة مشروع إيديولوجي سياسي، بدلاً من تقصي الجدل الديمقراطي العلماني وأثره في تطور الدولة الحديثة. وقد يكون مفهوماً هذا الإصرار على إبقاء الالتباس في موضوعة العلمانية ما دام قسم من المتحاورين يتمسك بحقوق الجماعات أكثر مما ينشغل بحقوق الأفراد، فالعلمانية هي ابنة العلاقة القانونية بين الفرد والدولة الحديثة، حيث تحتفظ الدولة، ككائن معنوي محايد، بمسافة واحدة عن جميع رعاياها، وتكفل لهم حرياتهم الدستورية بما فيها الحرية الدينية. أي أن الدولة الحديثة هي عقد بين أفراد، لا توافق بين طوائف، وحتى بعض الدساتير المعاصرة التي أولت اهتماماً بحقوق الجماعات لم تغلّب هذه الحقوق على حقوق الأفراد، بل أبقت الأولوية لحقوق الفرد.

تقيم مقالة “في النقاش السوري حول العلمانية وما وراءه” نوعاً من المطابقة البنيوية بين تكفير أصولي و”تكفير علماني”، كما تأخذ على العلمانيين ما يمكن أن ندعوه فوبيا المظاهر الأصولية. وإذا كان الخطاب العلماني التهويلي يشوّه الوقائع حقاً فإن من شأن التقليل الدائم من الفورة الأصولية أن يغالط الواقع أيضاً؛ الواقع لا يحتاج إلى تهويل؛ ثمة إسلام سياسي بتنويعاته المختلفة يمتلك الحضور الأقوى في الساحة السياسية في المنطقة، وهذا الحزام يبدأ في أفغانستان والباكستان مروراً بإيران، وصولاً إلى غزة وجنوب لبنان، ومن المفارقات أن يحظى هذا المدّ بالتحاق أو مباركة من بقايا القوميين واليساريين العرب. وسيكون من المستغرب صرف النظر عن المشاريع الإسلامية، وهي مشاريع تعلن صراحة رغبتها في بناء دولة الشريعة، أو إعادة الخلافة، بينما ينصب الاهتمام على نقد حفنة من غلاة العلمانيين إن جاز التعبير. ومن هنا تغفل المطابقة بين بنيتي الخطابين عن شيوع الخطاب التكفيري الإسلامي، وامتلاكه قوة رمزية وحقيقية على الأرض، مقابل “تكفير” علماني، إن وجد، لا يملك تأثيراً تعبوياً فعلياً.

مرة أخرى أسجّل استغرابي تجاه المحاسبة على النوايا، فشيوع هذه الظاهرة يضع الحوار في إطار الظنون، ويخرج به عن إطار التشكك النقدي المأمول. وإذا كان ثمة فئة علمانية “ضالّة” فهذا لا يستدعي رجم العلمانية بمجملها، ولا أن نحمّلها ما لا تقوله. أؤكّد أخيراً على أنني لست في موقع الدفاع عن بيان رابطة العقلانيين العرب، والبيان منشور على موقع الأوان، حيث بإمكان القارئ الرجوع إليه وتشكيل القناعة المناسبة له

موقع الآوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى