صفحات سورية

المصالحة السورية اللبنانية

null
حسين العودات
أصبحت المصالحة السورية ـ اللبنانية (وخاصة مع الأكثرية النيابية اللبنانية) قاب قوسين أو أدنى من التحقق، بعد سنوات أربع عجاف، حاول كل طرف خلالها إدانة الطرف الآخر والتحريض الداخلي والخارجي عليه، وعقد تحالفات ـ بدون تحفظ ـ لإضعافه وإسقاطه، وغدا كل منهما العدو الرئيس للآخر بعد أن أعيد ترتيب أولويات الأعداء، وانتقل الصراع بينهما ليتحول إلى خلاف بين سوريا وبلدان عربية أخرى، خاصة خلاف سوري سعودي، وسوري مصري، كاد يصل إلى إقامة محاور إقليمية متضادة.
وأدى إلى تغيير في تحالفات الأكثرية النيابية اللبنانية الداخلية والخارجية، وزاد حالة التناقض مع المعارضة اللبنانية المتحالفة مع سوريا، وبدا في بعض المراحل وكأن شقة الخلاف اتسعت إلى درجة يستحيل معها ردمها، وكأن الخلافات بدأت تسير في طريق اللاعودة.
ومع أن سوريا قبلت بتبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وبمبدأ إعادة ترسيم الحدود، وتعهدت بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية (حسب المعايير التي وضعها مجلس الأمن وبعض الدول الأوروبية)، فإن هذا لم يغير شيئاً من واقع أن الخلافات بين البلدين بلغت درجة متقدمة وتحولت إلى عداء.
وأن علاقات الأخوة والتعاون أصبحت شعارات قديمة لم يعد لها مرتسم في حيز الواقع، بل رأى البعض أن تبادل التمثيل الدبلوماسي ألغى في الواقع العلاقات المميزة، أو أضعفها على الأقل، وجعلها علاقات رسمية بدون روح، بعيدة عن الطابع الأخوي، مضبوطة بالقوانين الدولية والتقاليد والأنظمة الرسمية.
كانت سوريا من جهة، والأكثرية النيابية اللبنانية من جهة أخرى، تنتظران نتائج الانتخابات اللبنانية، وقد افترض كل طرف أن النتائج ستكون لصالحه، فقد كانت سوريا وحلفاؤها مقتنعين أن تجمع «14 مارس» سيفشل في الانتخابات ولن يصبح أكثرية نيابية مرة أخرى، لأن الأكثرية التي تحققت عام 2005 في نظرهم سبقتها ورافقتها شروط خاصة جداً، منها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وخروج القوات السورية من لبنان، وتعاطف واضح من الناخب اللبناني والمواطن اللبناني، ومن الدول العربية وبعض الدول الأجنبية.
وبالتالي فهي أكثرية ظرفية ووهمية وطارئة، ولأن هذه الشروط لم تعد موجودة في انتخابات 2009 فقد افترضت سوريا وحلفاؤها أن هذه الأكثرية لن تتكرر مرة أخرى.وفي الوقت نفسه، اعتقدت الأكثرية اللبنانية بدورها أنها إن فازت بالأكثرية في الانتخابات، فسيتاح لها عزل سوريا وتحقيق التفاف داخلي وعربي لتحقيق هذا الهدف.
ويبدو أن حسابات الطرفين لم تتطابق مع الواقع وأثبتت الانتخابات خطأهما، فقد تبين من جهة أن الأكثرية النيابية اللبنانية هي أكثرية حقيقية وليست وهمية، كما تبين لهذه الأكثرية من جهة أخرى صعوبة لي ذراع سوريا وتحشيد الموقف العربي ضدها إلى ما لا نهاية.
وعلى أية حال فإن الظروف المستجدة بعد الانتخابات اللبنانية، أكدت ضرورة تجديد التواصل المباشر وغير المباشر بين الطرفين، وأقنعت سعد الحريري وكتلته النيابية وتياره السياسي بصعوبة تشكيل حكومته، دون موافقة سوريا بما لها من دالّة على حلفائها في المعارضة.
كما أقنعت السوريين بأن هذه الأكثرية هي واقع قائم في لبنان وشرط موضوعي يصعب تجاهله، مع الإشارة إلى أن سوريا ترغب في إعادة وصل علاقاتها مع السعودية ومصر والعرب الآخرين، ومع بعض الدول الأوروبية والأمريكية، وجميعهم مقربون من الأكثرية النيابية اللبنانية.
لقد أوحت الاتصالات التي جرت خلال الأسبوع الماضي بين سوريا والسعودية ومصر والأكثرية اللبنانية، أن قمة سورية سعودية على وشك الانعقاد في دمشق، وأن سعد الحريري سيزور سوريا إما أثناء هذه القمة أو بعدها، لأن المصالحة التاريخية بين الطرفين جاء أوانها.
ولكن ذلك لم يحصل.ويبدو أن عقبات هامة ما زالت تعترض طريق المصالحة، على رأسها مطالب المعارضة اللبنانية الحليفة لسوريا مقابل اشتراكها في الحكومة، وأهمها الحصول على ثلث المناصب الوزارية زائداً واحداً، لمنعها من اتخاذ أي قرار أساسي يحتاج لأكثرية الثلثين دون موافقة هذه المعارضة.
وهذا مطلب تراه الأغلبية مبالغاً فيه، إضافة لحذر مسيحيي «14 مارس»، بل وارتيابهم من تقارب الأكثرية مع سوريا، وخشيتهم من أن يكون هذا التقارب على حسابهم ولصالح الطرف المسيحي الآخر في المعارضة العماد ميشيل عون.
والأهم من هذا وذاك بالنسبة لسعد الحريري وتيار المستقبل، هو مصير المحكمة الدولية، والموقف من قرار الاتهام الذي سيصدر قريباً، إذا طال أحداً من الشخصيات السورية، أو من الأحكام التي ستصدر بعد المحاكمة إن طالت بدورها سوريين، وهذا الأمر هام بدوره بالنسبة لسوريا، فقد صرح مسؤولوها أنهم لن يقبلوا محاكمة أي سوري أمام هذه المحكمة، وأن القضاء السوري أولى بمحاكمة السوريين.
على أية حال، إن الصعوبات عديدة وكبيرة أمام المصالحة السورية ـ اللبنانية إن أريد لها أن تكون جادة واستراتيجية، فهي بحاجة لثقة متبادلة، ونوايا صادقة، وإرادة سياسية جادة ومسؤولة..وقبل هذا وبعده، بحاجة لجهود عربية كبيرة، سعودية ومصرية، لأن حل الخلافات اللبنانية صار مرتبطاً بحل الخلافات بين البلدان العربية.
البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى