صفحات مختارةطيب تيزيني

هل سقط المشروع الأميركي في المنطقة، أم يراوح تمهيداً لنهوض جديد؟

طيب تيزيني: لن تنقلب الأنظمة العربية على الإدارة الأميركية
سؤال “هل سقط المشروع الاميركي ام يراوح لنهوض جديد؟” يحتمل الالتباس، ووجه هذا الالتباس يكمن في صيغة “المشروع الاميركي” الواردة هنا. فاذا نُظر الى هذه الصيغة على انها تعبير عن الولايات المتحدة حصراً دون غيرها من الدول الغربية، شيء، واذا نُظر اليها بمثابة تعبير عن “النظام العالمي الجديد” الذي تدخل فيه بلدان غربية أوروبية الى جانب الولايات المتحدة شيء آخر. بيد انه كما نرى مع عدد متصاعد من الباحثين، لم يعد الكلام على الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ونشأة ثورتي المعلومات والاتصالات ونتائج حرب الخليج الثانية، مستقيماً الا في سياق النظام العالمي الجديد المذكور، ولما كان موقع الولايات المتحدة ضمن الاخير رائداً وحاسماً – دون ان يكون احادياً –  فقد راح البعض ينظر الى ذلك النظام الجديد على انه نتاج اميركا تحديداً، مما انتج مصطلح “النظام العالمي الجديد المؤمرك”، وفي هذا كثير من الحقيقة لسببين اثنين، الاول منهما يفصح عن نفسه في النزعة البراغماتية الاستئثارية الجامحة للنظام المعني ومحاولة اذلاله لأوروبا “التي شاخت” برأي بعض منظريه، ويبرز السبب الثاني في أن اوساطاً اوروبية “رسمية” مثل فرنسا وقفت في البدء موقف المناوئ والمناهض له. وفي هذا دفع لحالة “القطب الواحد” الى الامام.
على ذلك، يصحّ النظر الى “المشروع الاميركي” على انه تجلٍ لـ”النظام الجديد”، وان كان التجلي الأشمل والأعظم. ومن شأن ذلك أن يسمح باعادة بناء السؤال المطروح: ” هل سقط النظام العالمي الجديد، أم انه يراوح تمهيداً لنهوض جديد؟”، في هذه الحال نكون أمام استحقاق آخر يحكم زاوية نظرنا. هاهنا، يمكن القول بكثير من الترجيح – بان النظام المذكور في تجليّه الاميركي قد اصيب بضربات ومآزق عميقة:
أولاً – لقد فقد احاديته القطبية عبر التحولات الكبرى الأخيرة (منذ خمس سنوات)، فصعدت الصين بقوة مطردة ومنافسة فعلاً، وتصعد روسيا بوتائر ملحوظة بعد احكام الضربة لـ”الاقتصاد المافيوي”، ولملمة النظام السياسي، وأخيراً مع النتائج التي انبثقت عن “قمة دوشنبه” ( القمة التي انعقدت في 28 و29 آب الماضي في دوشنبه عاصمة طاجيكستان) والتي جمعت كلا من روسيا والصين وطاجيكستان وكازاخستان واوزبكستان وقرغيزيا مع مشاركة رؤساء بعض الدول، فهذه النتائج أتت لمصلحة الهيمنة الاميركية ورفض هدفها في تبوؤ مركز القطب الواحد. ويضاف الى ذلك، ظهور “النجم الهندي” ليزيد القلق الاميركي عبر نجاحات مرموقة تحققها الصناعة والتجارة والبحوث العلمية الهندية.
ثانياً: يلاحظ أن النظام الجديد المؤمرك أُصيب بخيبات أمل كبرى عبر طريقين اثنين، استراتيجيته العسكرية للهيمنة المباشرة أولاً، والاساليب التي استخدمها في سبيل تحقيق ذلك ثانياً. ومنها اساليب ملفقة (كما هي الحال بحسب دراسات وتقارير غربية حول الحادي عشر من ايلول)، واذا دمجنا الطريقين ببنية واحدة، وجدنا امامنا نمطاً من ديناميكية حمقاء بلا حدود، آلت الى احتلال العراق والى احداث “فوضى تدميرية” في باكستان وافغانستان وغيرهما يراد لها أن تكون الوظيفة الاستراتيجية الدائمة هناك.وعلينا ان نعود الى المهمات السبع التي وصفها مركز “مشروع القرار الاميركي الجديد” المؤسس من قبل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفوفيتز وفرانك غافني، لنجد أن المهمة الرابعة تتمثل في اشعال “الحرب العالمية الثالثة”، لـ”انهاء كل معارضة أو مقاومة للولايات المتحدة ذاتها في العالم”. في حين تقوم المهمة الخامسة على “استمرار كلي في دعم اسرائيل وحمايتها حتى من اعدائها في الولايات المتحدة ذاتها”. وعبر تدقيق أولي في ذلك، يمكن القول، بأفق مفتوح، باننا من أجل الاجابة على السؤال المطروح هنا ينبغي أن نميّز بين ثلاثة مفاهيم هي: العولمة، والمشروع الاميركي، والليبرالية.
فالاولى هي مرحلة من التطور التاريخي في اطار النظام الرأسمالي تمثل في آن واحد امتداداً له وقطعاً معه. أما المشروع الاميركي فهو النظام الرأسمالي في صيغته الليبرالية المتوحشة، ومن ثم، فان ما نراه الآن بمثابة ولوج في مرحلة ما بعد هذا المشروع انما يتحدد في سقوط الليبرالية المذكورة، مع احتمال استمرار النظام الاميركي ضمن نمط آخر من الليبرالية يتحدث عن تجلياته المحتملة دوغلاس مايسي (أستاذ علم الاجتماع بجامعة برينستون) في كتابه “عودة كلمة اللام”، وفيفيان فورستر في كتابها “ديكتاتورية غربية”، ويقترب الباحثان من الوصول الى النتيجة التالية: هناك احتمال لنشوء عولمة ضمن ليبرالية أقل تطرفاً وأكثر اعتدالاً، تقرّ بامكان قيام “عولمة بديلة” تقر بالمساواة والديموقراطية وحق الشعوب بأوطانها.
هكذا اذن، يمكن الكلام على نهوض جديد، ليس للمشروع الاميركي العولمي، ذي الليبرالية المتوحشة المتجلية الآن في انهيار الترسانة العسكرية الكبرى والاستراتيجية الامبريالية للهيمنة والساعية الى ابتلاع الطبيعة والبشر، والى هضمهم، ومن ثم اخراجهم سِلعاً في “السوق الكونية السلعية”، وعبر حركتين اثنتين كبريين هما التسليع والتنميط، وانما لـ”بديل عولمي” تتماهى فيه منظومات المساواة والديموقراطية والاقرار بمصائر الشعوب والامم، على اساس من التقدم الهائل على صعيدي ثورة المعلومات والاتصالات ومنظومة العلوم الاجتماعية والانسانية.
مستقبل السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة
يقدم العقد الاخير معطيات واسعة مستفيضة في منطقة المشرق العربي وبعض ما يتاخمها من بلدان، تقوم على أنه توجد ثلاثة مشاريع مركزية، الايراني، والاسرائيلي، والتركي، أما الغائب الأكبر فهو المشروع العربي. وفي هذا الافق من المسألة، يمكن استشراف ما قد يحدث في المنطقة المذكورة. ها هنا يلاحظ أن النظم السياسية العربية في عمومها ستجد نفسها أمام استحقاقين، حتى الآن لا تحيد عنهما، وهما التعامل مع المشاريع الثلاثة السابقة من طرف، ومع المشروع الاميركي القابل للتشظي والمشروع الاوروبي من طرف آخر. أما الداخل أو الدواخل العربية فلن تشغل حيزاً رئيسياً في جلّ تلك النظم، بمعنى انها لا تشتغل استراتيجياً على رهان الاستقواء بدواخل تحقق لشعوبها حداً أدنى من واجباتها حيالها ممثلة خصوصاً بثلاثية الحرية والكفاية المادية والكرامة المتجلية بحق المواطنة نظراً وممارسةً.
ولما كانت تلك النظم السياسية العربية تجدد مرجعيتها، في نمط من الاستبداد والرياء القائم على الاستئثار بالسلطة والثروة والإعلام والحقيقة ، فإن السياسة الخارجية الاميركية ستجد يدها طليقة في البلدان المعنية، بحيث لا تخرج الاخيرة عن مشاركة “في ظل الإدارة الأميركية”، إلا في حالات معينة. ومن ثم، فإن إدارة بوش لن يتم الخروج منها وعليها إلا بحدود تكاد لا تكاد تتجاوز هذا الإرث.
وثمة أمر يتصل بما كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر يعبر عنه بمصطلح “العقلانية السياسية”، فهذه يمكن ان تظهر قوية فاعلة أو ضعيفة ضئيلة ضمن الدولة الواحدة أو الحزب الواحد أو المجموعة الواحدة، وفي ميزان القوى ونمط الشخصيات القيادية وغيره.
نريد ان نقول إن تغييرا عميقاً في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية لن يكون –في ما نرى- محتماً بحيث يقود إلى أحوال جديدة نوعياً، إلا بقدر ما يتم من تحول من الليبرالية المتوحشة إلى ليبرالية معتدلة مشروطة بثلاثة شروط: تدخل الدولة في السوق، وإعادة النظر في توزيع الثروة، وكبح جماح المؤسسة العسكرية الاقتصادية الايديولوجية.
واما احتمال تأثير 11 أيلول على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط فأمر مفتوح بقدر ما يبقى مفتوحاً الثقل الكبير الذي يمتلكه النفط الخليجي، ومن ثم بقدر ما يستمر الإسلام السياسي الثأري في موقفه من الولايات المتحدة المتحالفة مع أصحاب النفط المذكور في الداخل العربي والإسلامي. وسوف ينعكس ذلك على احتمال استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة ومناوئيها بالارتباط بتباطؤ الدور الأميركي في المنطقة بسبب الانكسارات والمشكلات التي يواجهها الأميركيون الذين فقدوا ما ينوف على الخمسة آلاف من جنودهم ورجالهم في العراق.
وما حدث في العراق يطرق إشكالية الديموقراطية الغائبة، ولكنه لم يطرح صيغة حلها: إن محتلاً لا يؤسس لنهوض ديموقراطي. ويبقى النفط والسلاح حالتان تحركان السياسة الأميركية في آفاقها المحتملة وتضبطانها.
وأخيراً فإن المنافسة بين الديموقراطيين والجمهوريين إنما هي منافسة بين ليبرالية جمهورية متوحشة وأخرى قد تسعى نحو مواقف أقرب الى الاعتدال.

طيب تيزيني
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى