صفحات ثقافية

وليم فولمان أو »فولتير أميركا« يصور البؤس في كتابه: »لماذا أنتم فقراء«؟

null
التقديم والترجمة: كوليت مرشليان
بعد تجواله عشرين عاماً في كل جهات الكرة الأرضية حيث سجل الفقراء أو البؤس في جميع أشكاله، كتب الروائي الأميركي وليم. ت. فولمان: “لماذا أنتم فقراء؟” متوجهاً بسؤاله الى كل فقير على وجه الأرض في كتاب مميز ولا مثيل له حتى الآن: فهو ليس رواية، كما انه ليس بحثاً علمياً ولا رسالة دكتوراه اجتماعية ولا حتى ريبورتاجاً طويلاً مصوراً، بل هو كل هذا في اطار “احتفالية بالفقر”، تلك الحالة الاجتماعية التي تغطي جزءاً كبيراً من البشرية، والمعروف ان فولمان هو يمارس أيضاً الرسم والصحافة والتصوير الفوتوغرافي وفي وصفه الدقيق والرائع لهذا العالم السفلي، أعطاه النقاد في أميركا لقب “فولتير الأميركي والمعاصر” لما تضمن كتابه من دقة في الوصف الاجتماعي والانساني وجمالية في السرد، وأسلوب مميز في جعل فقرات كتابه تحتوي على خلط عشوائي للمشاهدات والانطباعات والمشاعر والمعلومات المدونة والاختراعات التي قد تساعد والأفكار والأحاسيس التي تشكل مجتمعة عالمه أو كتابه هذا “لماذا أنتم فقراء؟” والكتاب قد تم نقله الى الفرنسية بترجمة من كلارو، وصدر بالتزامن مع النسخة الأميركية في باريس عن “دار آكت سود”. ننقل من الكتاب فصلاً الى العربية:

…أنا بورجوازي صغير وأملك بناية سكنية. هذا المبنى هو كناية عن مطعم قديم يقع في زاوية مرآب للسيارات، تماماً تحت الجسر الخاص بالسكك الحديدية حيث يلجأ المشردون. عدد كبير من الأشخاص ينام في المرآب. بعضهم يبقى شهوراً طويلة وبعضهم الآخر يصدف أن أراهم لمرة واحدة. ذاكرتي البصرية ضعفت منذ ان تعرضت الى عدد من المرات للنزف الدموي في الدماغ بنسبة قليلة، وصرت لا أعرف ان أربط اسماً بوجه إلا إذا تردد أمامي هذا الاسم تكراراً وبإصرار. والأشخاص الذين اتعرف الى أسمائهم بسهولة ينصفوني، ثم يمزحون معي ويقدرون بحق مجهودي الشخصي. أعتقد أنهم لطفاً معي لأنني أردد لهم دائماً انه يمكنهم ان يبقوا في المرآب قدر ما يشاءون. وأحياناً، حين أتعرف إليهم وألقي عليهم السلام، أقدم لهم، من دون ان يطلبوا ذلك، بعض الأشياء الصغيرة: قنينة مشروب أو القليل من المال، مثلاً. وأحياناً حين تزورني ابنتي الصغيرة أقودها الى هناك لتلقي عليهم التحية لأنني لا أريدها أن تكبر مع شعور بالاحتقار تجاه الناس الفقراء أو أن تخاف منهم. وأنا لا أخاف الناس الذين أتعرف إليهم من كثب. ومن دون شك انهم يتحدثون بأمور سيئة عني حين أبتعد عنهم، وهذا ما أفعله لو كنت مكانهم. وهم يمزحون دائماً حول فكرة خوفي من أن أدعوهم لزيارتي في منزلي كي لا يشربوا ما يجدون لدي من مشروبات أو كي لا يناموا في سريري. فأنا أخرج دائماً لألاقيهم حيث هم ولا أتركهم أبداً يدخلون بيتي. هذا ما أرشدني إليه صديقي المفضل بأن: أحبهم جميعهم، ولكن لا تثق سوى بالقلة القليلة منهم، ولهذا السبب أترك دائماً ستاْئري مغلقة ووضعت أقفالاً من الألومينيوم الداخلية حول نوافذي التي تطل على المرآب.
وأثناء الليل، حين أخرج من المبنى، يصدف ان ألتقي أشخاصاً لا أتذكرهم ويبدون لي أقل تقرباً مني من أولئك الذين أعرفهم. وربما هو واحد منهم ذاك الذي وسّخ إحدى الجدران الداخلية لمنزلي؟ قريباً سأشتري خرطوماً للمياه لأزيل تلك القذارات، ولكن أين سأوضبه بعدها؟ إذا تركته في الخارج، توجب علي أن أضعه داخل علبة مثبتة في الحائط. وإذا أدخلته الى المنزل، سأجلب معه روائح كريهة أدخلها الى المنزل.
هؤلاء المشردون يزداد عددهم بشدة في ليالي الصيف. وأحياناً يشعلون ناراً ليسهروا من حولها في امكنة قريبة جداً ومزعجة. أنا لا أقول شيئاً ليس لأنني أخافهم بل لأنني أفكر بأنها ستكون غلطة “تاكتيكية” وأعرف سلفاً ما ستكون ردود الفعل السلبية أو عدم التجاوب مع المطلب وأنا لا أملك الوقت لأدرس التصرفات سوى من وقت الى آخر. وأفضل سلاح لأحافظ على بنايتي هو الثقة التي احاول أن أكسبها. وبالطبع، أنا لطيف الطبع وهذه طبيعتي ـ وفي مطلق الأحوال، أنا أحاول أن أكون لطيفاً بصدق، كما أحاول أن أظهر لهم هذا اللطف ليس لهدف معين وخاصة بأنني لا أنوي أن أجعلهم يشعرون بضرورة رد الجميل. في الليل، اقترب من رزمات النار المشتعلة ومن دخان السجائر التي يدخنها رجال طوال القامة، فأمر وألقي التحية وأحياناً أمد يدي وأسلم عليهم وأقدم نفسي على أنني مالك المبنى وأؤكد لهم انه مرحب بهم.
وإذا كانوا جالسين أو ممددين على بعد ستين سنتيمتراً من بابي الحديدي، أجبر نفسي على عدم الطلب منهم بالابتعاد. وبالحقيقة، أنا أحب المشردين والأمر يشعرني بالسعادة حين ألتمس أن نفسي متسامحة معهم. هؤلاء الناس الليليون يرضون بمصافحتي من دون حماسة، ولكنهم أحياناً يتفاجأون بطيبتي. وهم يعرفون تماماً مثلما أعرف أنا شخصياً انه يمكنهم أن يمارسوا أي عمل عنيف بحقي في هذه الظلمة وبأنني لا يمكن أن أجد مساعدة من أحد لمواجهتهم.
(…) ليلة رأس السنة، كنت قد وقعت في النهار وجرحت ركبتي. وبعد أن اشتريت أغراضي بعد الظهر كنت عائداً وأنا أعرج وأمشي بصعوبة. وقبل شارعين من منزلي، اعترض طريقي ثلاثة شبان مراهقين سود وطلبوا مني أن أعطيهم الأكل المتواجد في الأكياس وكان نصفه لي ونصفه الآخر لجارين لي في المرأب. رفضت الأمر وبعد لحظة تحوّل الإصرار الى أمر. وخلال كل ذلك الوقت، كنت مسرعاً لأصل الى قلعتي ومحاولاً أن أقنع نفسي بتجاهل ما لا يمكنني أن أمنع حصوله. بعد حين أصبح أمر رئيسهم ملحاً وأكثر تهديداً. مرة جديدة، رفضت الأمر، فسألني بعنف لماذا لا أستجيب لطلبه، فأجبته بأنني وبكل بساطة لست راغباً في إعطائه أي غرض من أغراضي. أسرعت في تقدّمي وسبقتهم وصاروا وراء ظهري. كنت مليئاً بالحقد والغضب الى درجة أنهم حقدوا عليّ بدورهم في حين كنت في حال مزرية وكان شعوري الحقيقي هو الخوف.
“حسناً، يا شباب”، قال الرئيس. سوف نهاجمه: “واحد، إثنان، ثلاثة!” استمريت في التقدّم من دون أن ألتفت الى الوراء. ولم أرَ أحداً أمامي. وكنت أنتظر أن أتلقى الضربات ولكنني رفضت الانتباه إليهم. وبقيت فخوراً بذلك. “حسناً، هيا، سنتخلى عن الأمر” قال أخيراً رئيسهم.
بعد أيام، رأيته مرة ثانية منتظراً الباص حيث أنتظره بدوري ورمقني بنظرة سريعة. نظرت في عينيه من دون تأثر لأنني عرفت بلحظة أن أي تأثير أو انفعال لن يكون له أي نتيجة وسيأتي متأخراً. وفي لحظة، وصل شاب طويل القامة وأمسك به من الخلف وراح يضربه. لم أتفوه بكلمة وفتحت كتاباً.
ولكن استنتجت أخيراً أنه لم يكن من هؤلاء المشردين، أليس كذلك؟ كانوا مجرد شلة شباب متسكعين في الطريق. صحيح أن هؤلاء الذين كانوا يوسخون جدراني الداخلية كانوا من المشردين وحاولت أن أجد حلاً بالسؤال لهم عن غرف حمام متحركة ولكن قيل لي إن الأمر مستحيل لأن ذلك سيجعلني ملاحقاً من المسؤولين في البلدية بحجة تشويه المنطقة (..).
في بعض الأحيان كنت أخاف أن يدخلوا من السقف القرميدي. وحين عدت من السفر، في المرة الأخيرة، وجدت كرسياً مسنداً تجاه الجدار، وتساءلت إذا كانوا قد حاولوا أن يتسلقوا الجدار حتى السقف للدخول الى المنزل.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى