صبحي حديديصفحات سورية

انتخابات أمريكا: هل فاز أوباما أم خسر ماكين؟

null
صبحي حديدي
حين سقطت ولاية أوهايو لصالح المرشح الديمقراطي باراك أوباما، وصار إعلانه رسمياً الرئيس الـ 44 للولايات المتحدة الأمريكية مسألة دقائق فقط، ألحّت عليّ صورة فوتوغرافية تعود إلى سنة 1998، وفقرة دراماتيكية من خطبة تعود إلى سنة 1858. باعث ذلك الإلحاح كان، مع ذلك، بسيطاً ومنطقياً لأنه يخصّ هاجسنا المركزي، نحن العرب، مع الرئيس الجديد، أي الموقف من القضية الفلسطينية؛ كما يخصّ الإختراق التاريخي الأكبر الذي اكتنف انتخاب أوباما، أي حقيقة أنه أوّل رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة.
الصورة التُقطت في شيكاغو خلال حفل للجالية العربية، وتجمع أربعة أشخاص حول طاولة واحدة: المفكّر والناقد الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد وزوجته مريم، والسناتور (عن ولاية إيللينوي) باراك أوباما وزوجته ميشيل. (أشير، مجدداً، إلى أنّ الفضل في تدوين هذه اللقطة يعود إلى علي أبو نعمة، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني ـ الأمريكي، والمؤسس المشارك للموقع المتميز Electronic Intifada). وكان أبو نعمة قد أدرج الصورة (إلى جانب أخرى تُظهر أوباما وزوجته وهما يصغيان إلى سعيد، المحاضر الرئيسي في ذلك اللقاء) ضمن مقال حمل العنوان التالي: “كيف تعلّم أوباما عشق إسرائيل”، سبق لي أن اقتبست بعض أفكاره قبل أشهر.
وأمّا الفقرة من الخطبة فإنّ صاحبها هو أبراهام لنكولن (أو لنكن، كما يلفظ اسمه أبناء جلدته، الرئيس السادس للولايات المتحدة، والذي يقترن اسمه بحرب الإنفصال وإلغاء العبودية في آن معاً)، وتسير هكذا: “إذا كنت لا أريد لامرأة سوداء أن تكون عبدة، فهل يعني هذا أنني أريدها زوجة [تتعالى الضحكات والهتافات]. إنني سأقف حتى النهاية إلى جانب قانون يحظر التزاوج بين البيض والسود. وسأقول إنني لم أكن، ولن أكون أبداً، من دعاة المساواة الإجتماعية أو السياسية بين العرقين الأبيض والأسود [يتعالي تصفيق حادّ]، أو من دعاة منح السود حقّ التصويت أو عضوية هيئات المحلفين، أو تأهيلهم بما يتيح إمكانية أن يشغلوا الوظائف ذاتها التي يشغلها البيض”.
والحال أنّ المرء، بصدد الصورة الفوتوغرافية، يبحث عن السبب الذي جعل دانييل بايبس، المعلّق الأمريكي ـ الصهيوني الشهير، لا يستخدم هذه “الوثيقة الدامغة” ضدّ أوباما، كما فعل وفعلت حملة جون ماكين، بصدد علاقة المرشح الديمقراطي مع البروفيسور الفلسطيني رشيد الخالدي، أو مع علي أبو نعمة، أو حتى مع سرحان بشارة سرحان، المتهم باغتيال روبرت ف. كنيدي! صحيح أنّ أوباما كان قد دحر غلاة الصهاينة من أمثال بايبس، حين زاود عليهم في عشق إسرائيل أكثر ممّا كانوا هم أنفسهم ينتظرون، سيّما في خطبته الشهيرة أمام “لجنة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية”، الـ AIPAC. إلا أنّ مخاوف أولئك الغلاة لم تتبدّد، وكان خيار ماكين، بوصفه ولاية جورج بوش الثالثة في ما يخصّ الموقف من الفلسطينيين على الأقلّ، هو الأكثر طمأنة لهم.
ذلك لأنّ الإبتذال، بصدد التودد إلى الدولة العبرية، كان على أشدّه في صفّ أوباما (الذي بلغ، في دغدغة ناخبيه اليهود/ مستوى ميلودرامياً جعله يعلن أنّ اسمه، الذي يعني “المبارك” في اللغة السواحيلية، هو نظير الاسم العبراني “باروخ”!)، بحيث أنّ المرء يتساءل حقاً: كيف فاتهم أن يدرجوا إدوارد سعيد، “بروفيسور الإرهاب” حسب اللقب الشهير الذي نحته له أمريكي ـ صهيوني آخر هو إدوارد ألكسندر؟ أم أنّ فريق التشهير اختار التركيز على الأحياء فقط، أو افترض أنّ شخصية سعيد الفكرية والسياسية، وخاصة معارضته لخطّ اتفاقيات أوسلو، لا تخدم تماماً إلصاق تهمة الإرهاب بالمرشّح الديمقراطي، كما يمكن أن تفعل صداقته مع الخالدي؟ وفي نهاية المطاف، ثمة هنا مسرح إثارة وإيقاظ غرائز ومخاوف وهواجس، وحكاية الخالدي تنطوي على عناصر تشويق أكثر، في رأسها وجود شريط فيديو يعود إلى عام 2003، نشرت صحيفة “لوس أنجليس تايمز” وصفاً لمحتواه (الهجوم العنيف على إسرائيل، بحضور السناتور أوباما، بصفة خاصة)، ورفضت عرضه بسبب التزامها المهني بعدم كشف مصادر معلوماتها؟
ورغم الإختراق التاريخي، الإجتماعي والثقافي والأخلاقي والأجيالي، الذي يمثّله انتخاب رئيس أمريكي أسود، حتى إذا كانت أصوله لأمّه بيضاء، فإنّ أمريكا ما بعد أوباما (أو الـ “أوبامريكا” كما يقترح الشاعر والروائي الأمريكي إشمايل ريد) لن تتخذ هذه الهيئة الرومانتيكية ـ التوراتية البريئة التي يصفها الإصحاح 11 من سفر إشعياء: “يسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والسبل والمسمّن معاً، وصبيّ صغير يسوقها”! وعلى نقيض الأمثولة التي يستقيها ريد من الكاتب الأمريكي الساخر جورج شويلر، لن يكون في وسع أوباما اختراع عقار سحري يحوّل السود إلى بيض، فتصبح البلاد بأسرها بيضاء من غير سوء، وتُحال إلى التقاعد عشرات المنظمات المختصة بالحقوق المدنية، بل يصبح حلم مارتن لوثر كنغ نفسه نافلاً وبلا معنى!
ولهذا فإنّ من المشروع الإرتياب، والطعن الشديد ربما، في منطق التفكير الحماسي العارم الذي اعتبر أنّ انتخاب أوباما يدقّ المسمار الأخير في نعش تاريخ طويل من عنصرية الأمريكي الأبيض ضدّ الأمريكي الأسود، ويشرع الأبواب أمام احتمالات مماثلة على الصعيد الأمريكي، أو حتى الأوروبي (بريطانيا وفرنسا، خاصة). والثابت، في كلّ حال، أنّ الرعب من خواء الجيب والثلاجة، وخسران البيت، والعجز عن تأمين ضمان صحّي في الحدّ الأدنى، وفقدان الموارد اللازمة لتعليم الأبناء كانت، مجتمعة او متفرّقة، في رأس المعايير التي حملها ناخبو أوباما إلى صندوق الإقتراع. ونعرف، إحصائياً، أنّ 67% من أصوات الناقمين على سياسة بوش (وهم ثلاثة أرباع أمريكا، ونقمتهم ناجمة عن أسباب إقتصادية في المقام الأوّل) ذهبت إلى أوباما، ولهذا يصبح من المنطقي، وليس من قبيل السفسطة أو تحصيل الحاصل، طرح السؤال في عنوان هذه المقالة: هل فاز أوباما (بمعنى أنه جسّد البديل الجديد حقاً)، أم خسر ماكين (لأنه كان بمثابة ولاية ثالثة للرئيس الحالي)؟
ولأنّ معطيات كثيرة تشير إلى أنّ أوباما ينوي توظيف الكوادر السياسية التي عملت مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون (من تعيين رئيس أركان الأخير، جون بوديستا، مشرفاً على الطاقم الإنتقالي؛ إلى عرض منصب رئيس أركان البيت الأبيض على رام إيمانويل، أبرز رجالات كلينتون في الكونغرس)، فإنّ من الخير أن يتذكّر المرء تلك الحقبة، غير البعيدة ابداً، حين كان مبدأ “إنه الإقتصاد يا غبي!” هو الشعار الخفيّ الذي فتح أبواب البيت الأبيض أمام كلينتون، مرّتين. وكان ذلك المبدأ قد ذهب بخصمه، جورج بوش الأب، إلى مزبلة التاريخ رغم أمجاد «عاصفة الصحراء» وأكاليل الغار التي لاح أنّ تحالف “حفر الباطن” سوف يكدّسها على رأسه، في ناظر الناخب الأمريكي.
الإقتصاد، إذاً وأوّلاً، وليس السياسة. الإقتصاد، وليس الأخلاق. الإقتصاد، وليس القانون. وجيب الأمريكي ورصيده في المصرف، قبل التفاصيل الفلسفية المثالية للحلم الأمريكي، بل وقبل انخراط الولايات المتحدة في حربين لا يلوح في الأفق أيّ مخرج ملموس منهما. والأمريكي العادي ينتخب لأنّ الديمقراطية الأمريكية فنّ صعب، في الحياة اليومية كما في المثال والحلم، وهي تقتضي ممّن يمارسها في مستوى القاعدة (أي الأمريكي المتوسط، قبل سواه) الكثير من التنبّه والتمحيص والشجاعة والعثور على الذات وسط طاحونة رهيبة من وسائل الإعلام (أكثر من 500 قناة تلفزة، وضعفها من الإذاعات وخمسة أضعافها من الصحف والمجلات). وإذا كان الجيب مليئاً، والأشغال منتعشة، والقبضة الأمريكية مهيمنة على الكرة الأرضية دون منازع، أو بمنازع شبه وحيد من نوع صدام حسين سابقاً أو محمود أحمدي نجاد لاحقاً، فمَنْ الذي يعبأ بممارسة الديمقراطية في شروط الفن الصعب!
وضمن مشهد أعرض، سوسيولوجي ـ ثقافي في الخلفية هذه المرّة، ينتخب الأمريكي لأنه يبحث عن صورته في مرآة مهشمة اسمها نهاية التاريخ، أو نهاية الحرب الباردة، أو نهاية أي شيء. في الماضي كانت الإجابة واضحة حول السؤال القائل: مَنْ، وما، الأمريكي؟ إنه، دون كبير تردّد، رائد بناء العالم الجديد، والشوكة الأقسى في خاصرة الشيوعي الأحمر، والمواطن الأسعد والأغنى والأكثر براءة، المنتمي إلى دولة هي سيدة العالم الحر وقائدة الإنسانية نحو الكمال والمجد والرفعة والبراءة. لكنّ انهيار الستار الحديدي جلب معه انهيار ستار آخر كان بمثابة الحجاب الثقيل المسدل على الوجدان الأمريكي، وسقط الستاران فتسببا في دفع “المحارب من أجل الحرّية” إلى تيه في سهوب بلا أعداء ولا مؤامرات، قبل أن تميد الأرض وترعد السماء يوم 11/9. رائحة العالم القديم ظلت تفوح من خطاب جورج بوش الأب، المتكيء على أرائك الملك آرثر؛ ورائحة المستقبل الغامض (ولكن الجديد المثير) عبقت في نثر بيل كلينتون، التجسيد الشابّ لإرث توماس جيفرسون أو جوزيف كنيدي في أسوأ الأحوال؛ قبل أن ترتدّ ثانية إلى بوش الأب، ولكن على لسان بوش الابن؛ وها أنّ أوباما يعيدها بدوره إلى كلينتون، مصطبغة بلون أسود للمرّة الأولى في التاريخ الأمريكي، وباعثة على خدر حلم أمريكي جديد: مزيج من جيفرسون وكنيدي وأبراهام لنكولن… الجمهوري!
والإغراء شديد أمام أوباما كي يستلهم كلينتون، في الإقتصاد والعقيدة كما في النثر الغنائي وصناعة أحلام التغيير. ذلك لأنّ الكلينتونية هي اختصار بليغ لقيامة بارعة في منطقة الوسط، بعد أكثر من موت سياسي معلن على اليمين أو اليسار، ممّا يجعلها الخطّ الوحيد اللائق بالولايات المتحدة في هذا الطور من مآزقها، التي ليست سوى التجلّي الأعلى لمآزق النظام الرأسمالي الكوني. فإذا واصل أوباما إضفاء المزيد من الغموض على قلعة الوسط الحصينة، وأنجز قسطاً إضافياً من تلك التحالفات العجيبة التي تظنّ الغالبية العظمى من الأمريكيين أنها جوهر المعجزة اليانكية (وضع الفقراء في سلّة واحدة مع أنصاف الأغنياء، والسود والملوّنين مع البيض، والكاثوليك واليهود مع البروتستانت والمورمون، واتحادات العمل مع البيروقراطية الريغانية…)؛ ثم نجح في تفكيك عناوين الخلاف حول القضايا الاجتماعية والإدارية الكبرى، وفي استدراج الحلفاء من بين صفوف الخصوم (اختيار بيل غيتس لوزارة الدفاع مثلاً، أو ريشارد لوغار للخارجية) ، فإنّ القلعة الحصينة ستزداد منعة وتعدداً، ولا ريب أنها ستزداد غموضاً أيضاً!
وبالنسبة إلى رئيس أفرو ـ أمريكي، ولد حين كان ممنوعاً على السود أن ينتخبوا أو يستقلوا الحافلة مع البيض، وصار اليوم الرجل الأقوى في العالم، فإنّ النقلة تاريخية لا ريب، ولا خلاف في هذا. السجال، مع ذلك، ينبغي أن يدور حول أطوار ما بعد فورة الفرح العارمة التي أحدثتها النقلة، وما إذا كان من الواقعي انتظار تحقيق مقدار الحدّ الأدنى من الآمال التي عُلّقت على النقلة، وعلى الرجل في ذاته أيضاً. وليس يسيراً، في خضمّ هذا التاريخ الأمريكي الطويل، أن تنقلب أمريكا أبراهام لنكولن (ولا نقول أمريكا الـ “كو كوكس كلان”) إلى “أوبامريكا” رغيدة سعيدة عادلة متكافئة الفرص، تحمل مشعل الحرّية بيد ولا تكون القاذفة والبارجة والغزو العسكري والمذابح وهيروشيما و”ماي لي” وغوانتانامو وأبو غريب… هي مشاعل اليد الأخرى!
كاتب سوري
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى