صفحات ثقافية

رحلة حول الغرفة وفي شعاب تاريخها

null
ميشيل بيرو
تقع الغرفة (وتاريخها) على مفترق تواريخ موضوعات أخرى سبق لي أن تناولتها: تاريخ العمل العمالي، وتاريخ السجن، والحياة الخاصة، والنساء. فالغرفة هي الحيز الخاص والحميم. ولامتلاك المرأة غرفة لا يشاركها فيها أحد غيرها شأن كبير. وهو يضاهي في نظر العمال والمهاجرين على وجه الخصوص، إيجارهم غرفة يقيمون بها في المدينة. وزنزانة السجن ليست غرفة أو حجرة، ولكنها تحاكي الغرفة مساحةً وعزلةً. وكانت العزلة، في القرن التاسع عشر، بنداً بارزاً بين بنود إصلاح السجن، وحُملت على أقوى العوامل في تكفير الجانحين عن أفعالهم، وفي دمجهم الاجتماعي.
والحق أن الغرفة، وهي دائرة الحميم والمستتر، موضوع عسير على التأريخ. والغرف التي أتناول تاريخها ليس لها أرشيف خاص أو وثائق تعود إليها وحدها. وأبرز مصادر الأرشيف «الجردة» التي يتولاها الكتاب العدول غداة الوفاة، وهي غالباً رتيبة، والاستقصاءات الجنائية، وهي نادرة. وعلى هذا، فالمصادر مبعثرة ومتفرقة. ولحسن الحظ يعوض تشديد الروايات على الحياة الخاصة قلة المصادر الأخرى وبخلها بالتفاصيل. والغرفة في الروايات مرآة حال اجتماعية ومزاج أو طبع ونفس. فبلزاك وبروست وبيريك، إذا اقتصرت على بعض الروائيين الفرنسيين، هم كتاب الغرفة، وكتاب في غرفة.
ومصدر آخر هو أخبار السفر ويومياته. ومعظم الكتاب يعيرون اهتمامهم غرف الفنادق التي ينزلونها. وغرفة الفندق، عموماً، هي مثال الحيز الديموقراطي، وفي متناول من شاء ورغب. فكافكا، وهو الحداثة مجسدة، لم يكن يشعر بالراحة التامة إلا في الفندق، أي في مكان على حدة ومغلق، يملك وحده مفتاحه ولا يشاطره إياه أحد غيره. وغرفة الفندق هي في الوقت نفسه مكان لا يُمتلك، ولا يحوزه المقيم به. وهذا هو السبب في انحياز سارتر إليه: ففيه كان يفيء إلى نفسه ولا يكنّ لها كرهاً، على شاكلة روكانتان في «الغثيان».
والغرفة جزء من الحداثة ومجتمعها. فولادة الغرفة كانت في القرن السابع عشر. وفي وسط القرن هذا غرفةُ الملك، وهي الوصلة بين العام والخاص. فالملك جعل غرفته، أو حجرته، محل السلطان. وهو يضيق بهذه الحال، ويتذمر منها. ولويس الرابع عشر أقرب إلى الحداثة مما كنت أحسب. وكانت تمر عليه أوقات يكتئب فيها وينشد الاختلاء بنفسه. والغرفة، بعد لويس الرابع عشر نزعت الى الخصوصية. ولم تشذ حجرة الملك عن النازع هذا. وغلب استقلال الفرد بشأنه وأمره على السكن. فصارت الغرفة مسرح الشعور الغرامي أو الديني. والمثال على هذا كبار متصوفي القرن السابع عشر، شأن باسكال الذي كتب: «مصدر تعاسة البشر واحد وهو قصورهم عن الإقامة على السكينة في غرفة». والجملة المدهشة هذه تكريس للغرفة على معناها المحدث، محلاً للتأمل والانكفاء، وملتقى الخالق والنفس. ويدعو أصحاب الاعتراف من يعترفون إليهم الى كتابة يومياتهم في غرفهم: فيُغلق الباب، ويجري القلم على الصفحة بمنأى من العالم والأنظار والسمع، وحين الفراغ من الكتابة توضع اليوميات في درج ويقفل الدرج أحياناً. وطوال القرن التاسع عشر، وهو قرن غني بكتاب اليوميات والرسائل، ألحت حاجة هؤلاء إلى ناحية على حدة ينتحونها.
والكلام على الغرفة هو كلام على السرير، على قول بومارشيه. فلا غرفة من غير سرير. وللغرفة اسم آخر إذا خلت من السرير. فهي قوية الصلة بالغرام والمقيل والنوم. ونصف عمر الناس يقضونه فيها. وعليه، قد تقتصر الغرفة على إيواء النائم أو النائمين جملة، على ما هي حال الغرفة الريفية أو العمالية. ولكن الآوين إليها يرغبون في العزلة. فينفرد واحدهم، في الغرفة المشتركة، بسريره وفراشه. ويطلب الانفراد من بعد بغرفة زوجية أو منفردة.
ولا يدري مصممو المنازل ودواخلها، اليوم، ماذا يصنعون بالغرفة. فهذه كانت، الى وقت غير بعيد، الغرفة التي يولد فيها المرء (أو المرأة)، وتلد فيها المرأة ولدها، وتضمها وهي مريضة (فيقال: لزم غرفته، كناية عن المرض)، ويلفظ الواحد أنفاسه. فانتشرت صيغ جديدة تبرز الانتقال والانتظار ومزج الوظائف بعضها ببعض. وهذا قرينة ربما على انهيار ركن الغرفة الإناسي العام، وعلى ولادة صنيع اجتماعي جديد مثل صبغ الحياة والموت بصبغة طبية، أو مثل اضطراب العلاقات الزوجية والأسرية وتقوض أبنية العلاقات هذه… ولا يطعن هذا في طلب الشباب الملح غرفة لا يشاطرهم إياها أحد. والطلب هذا آية على تعريف المراهق نفسه. ويكتشف نينو موريتي، في شريطه الجميل، بعد وفاة ابنه من كان ابنه حقيقة عندما يجرب غرفته، ويقلب أشياءها وخفاياها. وعليه، فمصير الغرفة غامض.
وثمة من يعتزل العالم والناس، وينكفئ على غرفته. وترسم رواية إيفان غونتشاروف «أوبلوموف»، صورة رجل ينطوي على غرفته، وينقطع من كل ما عداها وينصرف عنه. والروائي ينتقد معاصريه ومواطنيه الروس، في منتصف القرن التاسع عشر، ويندد بقصورهم عن اللحاق بركب الحداثة. وقد يكره آباء أو عشاق النساء خصوصاً على ملازمة الغرفة، ويحتجزونهن فيها، على ما يرى في حوادث كثيرة معاصرة. والعقوبات الطويلة بالسجن تقسر المسجونين على الانفراد. وبعض المسجونين يتخلص من غير ضرر، شأن كلود لوكا، كاتب «سويرته»، وهو كتاب رائع، أو شأن سيلفيو بيلليكو، كاتب «سجوني»، أو شأن أوغست بلانكي (مناضل القرن التاسع عشر الاشتراكي) الملقب بـ «المحتجز». وهو ألف الاحتجاز إلفة حملته حراً على محاكاة شروط احتجازه.
ولا أرى المقارنة بين الانكفاء النسائي على الغرفة المنفردة وبين البرقع، جائزة. ففي معظم الأحوال، البرقع قرينة على سيطرة على النساء تتوسل بعزلهن وتنحيتهن عما ليس أسرتهن أو رجلهن. فيبقين في غرفة أو وراء حجاب. ولكنني لا أحسب أن الحل من طريق التشريع. فالمراقبة اللاحقة تلاحق النساء إلى عقر الدار والبيت.

* مؤرخة، عن «لوبوان» الفرنسي
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى