صفحات ثقافية

بيت بمنازل كثيرة..لمناسبة اليوم العالمي للمسرح مرآتنا المكسورة!

null


هشام زين الدين

تحتفل شعوب العالم المتمدن باليوم العالمي للمسرح، بوصفه عيداً ومناسبة لتأكيد أهمية هذا الفن في حياة الناس، كما يمثل هذا الاحتفال إعلاناً سنوياً للموقف الثابت المتمسّك ببقاء هذا الفن الراقي، كحاجة حياتية وثقافية للإنسان المعاصر. بينما نحتفل نحن بهذه المناسبة في عالمنا الثالث المتقهقر ثقافياً،
احتفالاً ظاهره يوحي العيد، وباطنه يكاد يكون جنائزياً، حزيناً، مرتبكاً، فاقداً الأمل بالمستقبل، فنبدو كأننا نستشعر موته القريب، أو كأننا نشارك في التحضير لعملية دفن هذا الفن، وفي مكان ما من زوايا روحنا نستعجل موته لكي نرتاح من هذا الهم الجميل الثقيل.

في الواقع، نحن لا نقتل المسرح، بل نقتل أنفسنا في المسرح، نخاف أن ننظر في المرآة فننتقم منها ونكسِّرها لأنها تعكس صورتنا، ظناً منّا أنه بغياب الصورة الحقيقية والمؤلمة لواقعنا يصطلح الواقع نفسه. إننا نعيش ثقافة الشكل ونخاف بل نرتعب من ثقافة المضمون ومن عمقه الإنساني والروحي والدرامي، لذلك نجد التسطيح والتهميش التلفزيوني ينهش أفكار مجتمعنا ويصادرها، ونرى كل الشكليات الثقافية تزدهر وتنمو كورم سرطاني، فيما الحركات والمبادرات الثقافية الحقيقية والفاعلة – والمسرح إحداها- موضوعة في قفص الاتهام حيناً وفي ملفات الوعود الرسمية الكاذبة غالباً، وفي مساحة التهميش المقصود دائماً.

إن الاحتفال بهذه المناسبة والقراءة الروتينية لرسالة المسرح «الأممية» السنوية وإن كانت لا تأتي بأي منفعة ملموسة تبقى محطة للتذكير بأن هذا الفن لا يزال على قيد الحياة عند غيرنا من الشعوب، لكن المشكلة ليست هنا بل في تعوّدنا هذا النمط من الاحتفال الفارغ من المضمون. فبدلاً من إيهام أنفسنا بأننا نشارك العالم الاحتفال لماذا لا نتحرّك بفاعلية لفضح المتآمرين على المسرح والثقافة من المسؤولين الرسميين المتخلفين عن القيام بواجباتهم تجاهها؟ لماذا لا نقيم مجالس عزاء لأرواح هؤلاء؟ لماذا لا نفضح الشركات والمؤسسات المالية والتجارية والإعلامية التي تفاخر بأرباحها وبانتشارها الجماهيري ولا تقدّم جزءاً بسيطاً من هذه الأرباح لدعم الثقافة وتفعيلها؟ لماذا نرضخ للإحباط الثقافي الممارَس علينا في السياسة وفي التعليم وفي الإعلام؟ صحيح أننا أعجز من أن نقلب الطاولة ونغيّر المعادلة، لكن الصحيح أيضاً أننا قادرون على الصمود والتحدي في وجه كل محاولات الاستغباء والتهميش، انسجاماً مع إيماننا، وترسيخاً لوجودنا كحقيقة تاريخية وليس كوهم مرحلي مارق.

ببساطة، إننا نحب المسرح، نحب سحر الخشبة ووظيفتها وتأثيرها، نحبها فقيرة وغنية، تحت أدراج المباني وفي الصالات المخملية، نحب كواليسها وبروفاتها وأضواءها، نحب انفتاحها على المجهول والمتخيَّل والمبتكَر، نحب مشاكستها وفوضاها وجنونها، نحب حريتها وانفلاتها من الأطر والثوابت والمسلّمات، نحبها لأنها مساحتنا المفتوحة في هذا العالم المعولم الذي يخنقنا كلّما ازداد اتساعاً، ويقمعنا كلّما ازداد «تحرّراً» ويعيدنا نحن أبناء العالم الثالث إلى مجاهل الجاهلية كلما خطا في اتجاه التقدم والرقي.

نحن نؤمن بدور المسرح وبفاعليته في المجتمع وفي بناء الانسان ورقيه، وسنبقى على إيماننا به، وسوف نضخّه في نفوس طلابنا بشغف وحماسة، لأنه شيء جميل في حياتنا التي باتت شيئاً فشيئاً تفتقد أشكال الجمال وأنواعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى