صفحات ثقافية

كل تلك الحروب هي سبب هذا الحب الطائش

null

نيوجرسي ـ الولايات المتحدة ـ أكرم قطريب

غير ملائم هذا الثلج الآن. أكره البياض هنا، في هذا المكان الذي يحيرني والذي ستعرف أمي لماذا انتحرت فيه وأنا أقرأ قصيدة على نحو غريب دون أن أنظر إلى السماء، في هذه التجاويف، في غضون الدقائق، حين بسرعة أحضر سندويشة الجبنة وفي رأسي ليس أكثر من مفكرة لوجوه مضاءة ومنحوتة لا وجود لغيرها،
فقط تركن بسلام وتتجاوز كل فهم. لا ضرورة للمعنى الذي يصر دكاترة الجامعات على شرحه. وجوه تنهب روحي وتذكرني باستسلامي المطلق لمجرى حياة ليست حياتي، ولمكان ليس لي فيه حتى ابني.

غير ملائم هذا الثلج وهو يرمم البلاهة والشجر والشوارع النظيفة أكثر من مداخل البيوت. السفاح والترف وتماسيح البحيرات والحيتان الدائخة على شواطئ الأطلنطي. الخطى والسهول الشاسعة في بنسلفانيا. أتنقل هنا حيث النهم المستكين والقبور الجميلة التي تتملكك وتجعلك تشتهي الموت. كائنات من سلالة غامضة تحلق حولي. الظهر المحنّ والحانات الجمهورية واليافطات والخبر العاجل وأصابع الموسيقي تضرب حافة البيانو في ذلك الليل.

شبه محارب، حصان يفلت من فمه العشب.

***

الواقفون في الطوابير أمام أبواب السفارات. العطر الكامل واللغة المكسرة ومستندات أرصدة وهمية وسامسونايت وآباط محلوقة إلى آخرها. شمل العائلة المجنح بوثيقة زواج. كل شيء موجود لأنه ضروري. الآلات الكاتبة والبراعة والرئات المسممة والأختام وفحص الإيدز. على أطراف الأصابع، وبأفواه فاغرة ينتظر الذي ينتظر امتياز مقابلة قد تأخذ ربع دقيقة أو نصف قرن: الذي يبتسم والذي يبكي والذي يكفر والذي يسب، والعيون التي لم تشبع النوم. هنا حيث لا أبجدية ولا طريق عودة. لوثة الهجرة والجماليات الأثيرة لفكرة محددة حول شخص معه حقيبة وبطاقة سفر وباسبورت ممهور. أجمل ما في التنقل محطات الترانزيت والنوم على الكراسي وشرب البيرة حتى الفجر. بشر الترانزيت ضروريون إلى حد أقصى. العابرون الغريبون يتبادلون التحية والعناوين والنصائح وأرقام التلفونات التي ستمحوها بعد ذلك أشياء كثيرة.

العراقي الطبيب وامرأته وطفلاه، قال لي في فيينا: أنا ذاهب إلى لوس أنجلس. أخي هناك منذ عشرين عاما، عنده مطعم بيتزا ومازال يستمع لأغاني سعد الحلي وناظم الغزالي ويبكي على الهاتف أكثر مما يتكلم. كل واحد فينا بداخله مستعمرة صغيرة من الآثام البدائية، والنظرة التي في متناول اليد. كل هذه البعثرة هي التي تجعل من المهاجر حيواناً برياً قدرته على الصراخ أقوى من قدرته على التعبير. لا لحظة شعرية ولا مسرح ولا سينما ولا رواية ولا حتى نعوم تشومسكي بقادر على شرح العينين المغرورقتين بالدموع.

الأرض المنسية تأكل بشرها المنسيين أيضاً.

***

إني مفلس من كل شيء منذ اللحظة التي ولدت فيها، منذ اللحظة التي فتحت فيها ذراعي للآلهة الغامضة، أنا الذي لا أستطيع البقاء لوحدي إلى الأبد حسمت هذا الفراغ ولملمت الصور حيث لا صور سوى هذا السمك المثلج بعين جاحظة حمراء. بضع دقائق، رعشة طويلة وجرح لا يندمل. يبدو لي الأجمل أن أفقد أشياء، ساعة أو قلم رصاص أو حتى أصدقاء حميمين. غادرت سوريا كما غادرها ديميتريوس سوتر وكان ملكا عليها ثم رهينة في روما في الأزمنة ما قبل ميلادية وهو لا يتذكر معالمها إلا غائمة ومصحوبة بعواصف رعدية. الشيء المقدس الذي لا أقترب منه ولا أستطيع الفكاك. الشموع وجادة الصالحية وباب توما وجبل عين الزرقاء، سونيا وأيمن هاشم الذي يمشي حافياً خفياً دون أن ينصبه أحد ملكاً على السهوب كان يبدو منتشياً وميموناً. ملابس العمل، الخلجان التي تضربها الأعاصير والنادلة الروسية ويوم الثلاثاء، يوم عطلتها وكل النبيذ الذي شربناه في سبيل يديها.

يا أهلي ها أنذا أضيع في نيوجرسي بيد مرتجفة وقميص أزرق.

***

الجسد بهيئته المسرحية. استسلامه الكامل لإكتشافات القرن الواحد والعشرين، وفكرة إحياء المدن والمزيد من الرعشات الهائلة أمام التلفزيون واللقطات المثيرة لأدغال تضربها الشمس من فوق بهالة سينمائية. الأكواخ والكلاب الداشرة والقمصان النظيفة. المغامرون الذين يضربون مشارق الأرض ومغاربها. الفكرة المتوارثة عن الندم والخوف والفشل والشجاعة والمرح وقوة الإرادة. حين تأخذك الكاميرا من نافذة مشفى وما تسبغه هذه اللقطة على العربات ووجوه مائلة في لوحات من القرن الخامس عشر، شحوبها وجزعها وتسمرها ولفرط ماهي مطلقة لم يجد الجسد بداً من المكابدة والخطر والقدرة على كسر خطوط الزوال. الهجرات والجموع التي أعياها السير مأخوذة خارج الزمن تحن إلى القرون التي كان يدونها المؤرخون وجوابو الآفاق، إلى العزلة والريف والإنفعالات الغامضة أمام رعدات الطبيعة التي لم تعد موجودة إلا في المخطوطات القديمة. الهجرة لم تزدني إلا فزعاً وقلة موهبة على تفسير الحقائق التي لامعنى لها على الإطلاق.

كل شيء يتفتت في يدي، وأريد أحداً يعيد لي كل هذه السنوات المسروقة مني.

***

هنا تشتهي أن يكون الأسبوع ثمانية أيام. قالت لي: أنا من سيسيليا، في عروقي دماء عربية قدمت مع السفن التي كانت تعبر البحر المتوسط. يخفق قلبي للغيوم الآتية من جبال لبنان وحرمون. مشيت على الشواطئ التي أتى منها أجدادي، أحسست الرمل وجهشة الحجارة التي كانت كافية لكسر حاجز اللغة ولتجعلني حافية القدمين وعارية تحت الأفلاك وصدى حروب غابرة هي سبب كل هذا الحنين الغامض والضروري. كل تلك الحروب هي سبب هذا الحب الطائش. ولدت وفي قلبي سيف مبلل بالدم. أحب شفتكَ السفلى هنا تحت ليل سيسيليا أو هناك حيث لا مأوى ولا ظباء في الفلاة تسرح.

المستقبل – الاحد 30 آذار 2008


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى