قضية فلسطين

تناقضات يصعب على «المقاومة» الاعتراف بها

دلال البزري
نيران الحرب على غزة لم تصل الى لبنان. فلم يتحول لبنان ثانيةً الى رُكام. يمكن تنفّس الصعداء، ولو مؤقتاً: من «حكمة» القادة الميدانيين لـ«المقاومة»، أي «حزب الله»، من «عقلانيتهم»، إذ أنهم لم يقوموا بأي عمل عسكري يمكن ان يوسّع بعض النيران من غزة الى لبنان؛ كما فعلوا في تموز (يوليو) 2006 حين خرقوا الخط الازرق وقتلوا ثمانية جنود اسرائيليين وخطفوا اثنين. بل انهم استنكروا الصواريخ المجهولة الساقطة من الجنوب اللبناني على اسرائيل اثناء الحرب على غزة، واعلن مسؤولوهم «الرسميون» تمسّكهم بالقرار الدولي الذي يمنع اطلاق الصواريخ الخ… فنجا لبنان من محرقة اسرائيلية جديدة.
وسوف يمرّ وقت طويل قبل ان يكون «حزب الله» مستعداً لمناقشة التناقضات التي أملتْ عليه حركته اثناء العدوان على غزة. وقد إنتهج فيها الحزب خطّين متوازييَن في مجالين منفصلين: الاول في الخطابة والشعارات والالفاظ. والحزب في ذلك مرتفع النبرة، شرس؛ يخطب امينه العام بالبيانات الانقلابية ويدعو الملايين من المصريين، فقط المصريين، للعصيان والثورة وتحطيم الاغلال… يطلق متظاهروه اقصى العبارات والشعارات، ويحاولون اقتحام السفارات «المعادية». وهناك مهرجانات دولية وعربية، وجوائز في «النضال»… وضمن نفس المجال، يذهب حلفاء الحزب خطوة في استعداء رئيس الجمهورية، وتنظيم التظاهرات ضده، بعد عودته من مؤتمر قطر «المقاوم». والسبب انه، بعدما سرى في هذا المؤتمر شعار «ما أَخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة»، تجرأ الرئيس وأعلن انه يؤيد مبادرة السلام العربية؛ والتي كرّر الرجل الثاني في «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، رفض الحزب «إستمرار المسار فيها». وكل فعاليات الحزب اثناء الحرب على غزة على هذه الدرجة من الهجومية، الملحّة على تأمين إصطفافات لفظية حول «مشروع المقاومة».
لِمَ هي لفظية فحسب؟ لأن الترجمة العملية لكل هذه الهجومية التعبوية الاعلامية، لم يكن لها تجسيد فعلي على الارض. حيث كان قرار الحزب واضحا بعدم الانخراط الآن، أثناء العدوان على غزة، في حرب جديدة مع اسرائيل؛ فإمتنع بالتالي عن فتح جبهة الجنوب، عبر «ضبط النفس» وعدم اطلاق الصواريخ، وكان قراره صارماً.
فبدا الأمر من بعيد كأن «المقاومة» لها مجالان: المجال «النظري»، حيث «الغضب» هو المحرّك. الغضب، ذو الصوت المرتفع المستشرس ضد كل من لا يقف مع «المقاومة»، مستقوياً بكل هذه الدماء والدموع… واما المجال الآخر، أي «العملي»، فيقتضي الإمتناع عن مساندة القضية المقدسة وعدم الخوض مع «الاخوة» في «حماس»، على الرغم من كل الترسانة الصاروخية التي يملك بحجة ان: «الاخوة في «حماس» لا يحتاجون. فهم منتصرون… منتصرون، ان شاء الله». وحيث، بالتالي، هناك الالتزام بقرار عدم اعطاء اسرائيل الذريعة بشن الحرب على لبنان؛ وهو التزام دقيق وشامل.
لم يتحرك الحزب اذاً إلا «نظرياً». والاسباب من باب التكهّن: ربما يكون الولي الفقيه قد أمر الحزب بـ «ضبط النفس» وعدم اطلاق صواريخ. ربما تكون الصعوبات العملانية برمي الصواريخ في ظل المراقبين الدوليين والجيش اللبناني والقرار 1701. ربما تكون كادرات الحزب المسترخية على امتيازاتها الجديدة؛ أو ان القاعدة الانتخابية للحزب غير راغبة بخوض معركة جديدة. وفي هذه الحال يكون جمهور «المقاومة» وكوادره قد برهنوا عن حسّ وطني لبناني عالٍ…
وهنا لا يمكن غير ملاحظة ان الرأي العام الاسرائيلي، عشية الانتخابات النيابية، أراد بغالبيته حرباً على غزة. فيما الرأي العام «المقاوم»، وعشية انتخابات نيابية ايضا، وبعد «النصر الالهي» الذي احرزه «حزب الله» في حرب 2006، لا يريد غير «ضبط النفس» في الحدود مع اسرائيل، وتجنّب نصر إلهي ثان. لكن هذا لا يمنع الحزب من فتح جبهة «نظرية» مع رئيس الجمهورية، واجهتها «المقاومة»، ودوافعها انتخابية بحتة ترمي الى إضعاف الكتلة المستلقة التي يحاول الرئيس تشكيلها في الانتخابات المقبلة. ما يعني عمليا ان شعار «المقاومة»، مجرد الشعار «النظري»، هو في خدمة مصالح اصحابه الانتخابية.
هذه بعض ذيول العدوان على غزة في لبنان. ويمكن ايجازها بنقطتين حتى الآن: الاولى، تتعلق بـ»الذريعة». نعم هناك شيء اسمه ذريعة. لم يعد سهلاً اقناع الناس ان اسرائيل كانت ستفعل ما فعلته بصرف النظر عن الذريعة. والاثبات لدينا واضح: لم يرمِ «حزب الله» الصواريخ على اسرائيل، بل استنكرها بانزعاج… فلم تعتدِ اسرائيل على الجنوب. ولو رمى الحزب الصواريخ، لكانت اسرائيل ردّت على طريقتها التدميرية؛ وقيل انها اعدت للعدوان ولمؤامراته منذ دهر… وهذا ما يغير فحوى «الاستراتيجية الدفاعية»، وكذلك مسائل الحوارات الوطنية الآتية، وتُقاس وطنيتها من الآن فصاعداً بمدى حماية لبنان من الاخطار، لا بمدى تعريضه لها.
النقطة الثانية: «السلاح من اجل فلسطين». بشبعا، او بغير شبعا، المحجوزة الهوية اصلا، «حزب الله» يريد الاحتفاظ بسلاحه. «السلاح من اجل ماذا؟» تسأل، فيجيبك الخطاب والمنابر «من اجل فلسطين». الآن، لم يَعُد بوسع الحزب القول بأن سلاحه هو من اجل فلسطين. حماسه المنقطع النظير لإقتحام السفارات، و«أخوّته» لمنظمة»حماس»، فضلا طبعا عن بقائه على سلاحه من اجل القضية الفلسطينية… كل هذه الدوافع لم تمنعه من «ضبط النفس»، والدعوة الى «ضبط النفس» وعدم اطلاق أي صاروخ… الى متى اذاً «الصواريخ من اجل فلسطين»؟ الى ان يُباد الفلسطينيون؟ بعد غزة، باتَت وظيفة السلاح «المقاوم» اكثر غموضا وإلتباساً وإثارة للريبة.
والتمنّي، كل التمنّي، ان يكون قدر من «اللبنانية» الانانية قد اصابَ الحزب وجماهيره وكادراته. فطال في المقام الاول فكرة «عدم وجود ذريعة». وقد ينال ايضا من فكرة «السلاح من اجل فلسطين».
هذه بعض ذيول العدوان على غزة. وقد تتبلور الاخرى مع إنكشاف مزيد من المصائب التي عصفت بأهلها، ومزيد من الخلط لأوراق قضيتهم.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى