صفحات سورية

قمة دمشق والانقسام العربي: أزمة الخطاب الراديكالي السائد

null


وحيد عبد المجيد

خير تلخيص لما حدث في قمة دمشق أنه لم يحدث فيها شيء. عُقدت وكأنها لم تُعقد. وحين يحدث ذلك، لا نكون أمام أزمة في السياسة فقط.

فالأزمة هي أيضا في العقل السياسي العربي الذي لا ينتج أفكاراً جديدة، ولا يبدع حلولاً لمشكلات يؤدي تراكمها إلى انقسام يتجاوز الموقف السياسي تجاه هذه المشكلة أو تلك إلى طريقة النظر في الأمور والتعاطي معها. وعندئذ يستعصي الحوار الجدي، أو يصير بلا جدوى إلى الحد الذي يدفع دولاً عربية رئيسية وغيرها إلى خفض مستوى تمثيلها على نحو لا سابق له. وإذا كانت الأزمة الراهنة تدفع إلى القلق لما تنطوي عليه من انقسام عميق، فهي تبعث على الخوف في بُعدها المتعلق بحال العقل العربي عموما، والنمط السائد للعقل المتشدد أو «الراديكالي» خصوصا. وإذا كانت هذه الأزمة مرتبطة بالصراع على مستقبل المنطقة، فهي تنطوي بالتالي على أهمية خاصة لقضية هوية هذه المنطقة ودورها وموقعها في العالم. والصراع، من هذه الزاوية، بين من يحاولون الحفاظ على الوضع القائم مع إصلاحات طفيفة، ومن يريدون تغييره استناداً الى شعارات ذات طابع راديكالي تختزل المقاومة في خطاب لا ينتج معنى وسلاح لا يغير شيئاً. وأكثر ما يخيف في هذه الأزمة حال كل من العقل المحافظ أو المعتدل والراديكالي أو المتشدد. فالعقلان، بكل تنوعاتهما، مأزومان يعيد كل منهما إنتاج نفسه دون أن يقدم جديداً. ولم يكن فشل مبادرتين في شأن الأزمتين اللبنانية والفلسطينية خلال أسابيع قليلة إلا تعبيراً عن عمق أزمة العقل، الذي أنتجهما وتعاطى معهما، وليس فقط الأزمة السياسية.

غير أن أزمة العقل الراديكالي تصبح أكثر خطراً حين يمتلك أصحابه زمام المبادرة ويتبنون سياسات هجومية لتغيير وضع ما. فالعقل المحافظ لا يزيد ضرره، في حال اشتداد أزمته، عن إعاقة تطور إلى وضع أفضل قد يكون ممكناً ولكنه ليس أكيداً. فهو لا يخلق ضرراً يتجاوز ما يطلق عليه تكلفة الفرصة البديلة، التي قد لا تكون أفضل من الوضع القائم في كل الأحوال. وحتى إذا اشتد تدهور هذا الوضع، فالسعي إلى الحفاظ عليه قد يكون أقل ضرراً من الإصرار على تغيير غير محسوب ولا مدروس تقوده قوى تعيش في الماضي أو لا تعرف طريقاً إلى المستقبل. أما العقل الراديكالي، فقد لا يقف الضرر المترتب على أزمته عند الخراب. فعندما تشتد أزمته، لا يجد رادعاً يحول دون المقامرة بدول وشعوب تُلقى في التهلكة خلال خطبة عصماء أو بيان ناري.

كما أن تدهور مستوى المعرفة والوعي في مجتمع ما يجعل الخطاب الراديكالي أكثر شعبية، كونه منسجماً مع السطحية السائدة. والعقل الراديكالي ليس شيئاً واحداً. فهو، مثله مثل أنماط العقل المختلفة، يجمع اتجاهات فكرية وأيديولوجية شتى وبعضها غير متجانس. وهو قد يكون مسكوناً بفكرة أحادية يؤمن بها إلى حد التقديس الأعمى، وقد يكون مناوراً ومداوراً. لكن أكثر ما يتسم به، في قسم كبير منه، أنه خرافي أكثر منه أيديولوجيا، وأسطوري أكثر منه ثوريا، ومداور أكثر منه مستقيما. وهو قد يكون مسكوناً بعُقد أكثر مما هو مستغرق في أيديولوجيات.

وإحدى أهم هذه العقد، وأخطرها، عقدة الاستهداف المستمر والمؤامرة الدائمة. ولذلك يبدو الخطاب المعبر عنه الآن، في أحد أهم أبعاده، مانعاً للحوار ومفاقماً لأزمة عدم الثقة. ومن بين أمثلة عدة دالة، يبرز الخطاب الذي فسر خفض مستوى التمثيل في القمة بأنه نتيجة استجابة الدول التي اتخذت هذا الموقف لضغط أميركي عليها. وهكذا، جرى تفريغ خلاف واضح ومحدد ظل يتفاعل في العلاقات العربية لعدة شهور من مضمونه، وإغفال المقدمات المعروفة التي كان خفض مستوى التمثيل نتيجة لها.

وفي خلفية هذا الخطاب، الذي يتهم دولاً عربية رئيسية وغيرها بتلقي تعليمات من واشنطن، اعتقاد بأن سورية هي وحدها المستهدفة أميركيا، وأن المعتدلين العرب متواطئون مع من يستهدفها. وفي هذا الاتهام تبرير ضمني لتعميق التحالف الاستراتيجي مع إيران، التي حصدت من الأخطاء الأميركية ما أتاح لها توسيع نفوذها. فعوضاً عن أن تقلص دمشق تحالفها مع طهران التي أصبحت اليوم غيرها بالأمس حين بدأ ذلك التحالف، أو تُبقي عليه عند المستوى الذي أتاح توازناً بينه وبين علاقاتها العربية لفترة طويلة، اتجهت إلى تعميقه. وبذلك أصبح تحالفها مع إيران مقدماً على المصالح العربية، كما ظهر في ختام القمة عندما صدر «إعلان دمشق» خلواً من إشارة صريحة إلى الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، اكتفاء بصيغة دعت إلى تشجيع الاتصالات لحل مشكلة هذه الجزر.

ومن شأن الإيحاء بأن سورية مستهدفة، وأن ثمة تواطؤاً عربياً مع من يستهدفها، تبرير بلوغ تحالفها مع إيران هذا المبلغ، وكأنها لا تجد «حضناً» إلا في طهران. وبالرغم من بساطة، وربما سذاجة، الربط بين انخفاض مستوى التمثيل في القمة وسعي واشنطن لإفشالها، شاع هذا التفسير في قطاع يُعتد به في الإعلام العربي، وتصدر حديث المجالس والمقاهي لعدة أيام في القاهرة وربما في عواصم ومدن عربية أخرى.

والهبوط بمستوى الحوار على هذا النحو أحد أبرز أخطار النمط السائد في الخطاب الراديكالي العربي بوجه عام، وليس في شأن قمة دمشق وتفاعلاتها ونتائجها فحسب. فهذا خطاب يجر إلى مناظرات بالغة السطحية تنأى بأطرافها عن القضايا الأساسية، ويدفع المختلفين معه إلى الانشغال بإعادة تأكيد معطيات واضحة، من نوع أن المنطقة كلها كانت مستهدفة في مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وليس سورية وحدها، وأن تغيير الأوضاع في مصر والسعودية كان مدرجاً على جدول أعمال «المحافظين الجدد»، وأن منهج عدم الاستقرار البنّاء (الفوضى الخلاقة حسب الترجمة العربية الشائعة) طُبق في دول معتدلة أكثر من سورية التي حاول سادة واشنطن عزلها ومحاصرتها.

والمفارقة أن يأتي اتهام بعض الدول العربية بالتواطؤ مع واشنطن ضد القمة، في الوقت الذي نشرت «جيروزاليم بوست» مقالة للسفير الإسرائيلي السابق لدى القاهرة تزيفي مازيل عن زيارة الرئيس حسني مبارك إلى موسكو (ثلاثة أيام قبل القمة) توقع فيها أن تواجه القاهرة أزمة مع واشنطن بسبب التعاون النووي المصري – الروسي. ويستطيع المتهمون بالتواطؤ مع أميركا ضد سورية أن يتهموا دمشق بأن إسرائيل دافعت عنها عندما حذرت واشنطن من مغبة إضعاف نظام الحكم السوري إلى حد يعرّضه للسقوط، لأن البديل عنه إما نظام أصولي أو فوضى قد تجلب الإرهاب الى حدودها. وفي إمكان المتهمين بأنهم حاولوا إفشال القمة بناء على طلب أميركا أن يدفعوا بانتفاء أي دليل على ذلك، فيما يتوفر برهان على دفاع إسرائيل عن سورية من واقع ما أدلى به بعض من شاركوا في جولة الحوار الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي في نهاية 2005. غير أن الانجرار إلى تبادل الاتهامات سيعمق الانقسام السياسي ويعجل تحوله إلى حرب باردة عربية جديدة تعيد الأجواء التي سادت المنطقة في الفترة 1957 – 1967، وأفضت إلى هزيمة لم يتحرر العرب حتى الآن من آثارها.

يكفي تذكير أصحاب الخطاب الراديكالي المأزوم بأن المتهمين بالتواطؤ ضد سورية هم الذين سعوا إلى إحباط محاولات عزلها ومحاصرتها، رغم الخلاف معها. وكان موقفهم خلال الإعداد لمؤتمر «أنابوليس» في العام الماضي مشهوداً، حين أصروا على دعوتها إليه فيما كان الرئيس الأميركي يصر على استبعادها. كما يكفي تذكير من وصل افتتانهم بممانعتهم الجسورة، ومن بينهم مسؤولون سوريون كبار، إلى حد إعلان أن قمة دمشق هي الأولى التي لا يتدخل الأميركيون في جدول أعمالها، بأن بعض القمم السابقة انتقدت سياسة واشنطن جهاراً نهاراً على نحو لم يخطر ببال منظمي القمة الأخيرة. خذ مثلاً قمة عمان في آذار (مارس) 2001، التي فتحت هذا الملف بسبب «الفيتو» الأميركي الذي تزامن مع انعقادها ضد مشروع قرار لتوفير حماية دولية للفلسطينيين. فقد جاء ضمن قرارات تلك القمة، التي عقدت في إحدى العواصم التي خفضت مستوى تمثيلها، ما يلي نصاً: «عبر القادة عن استيائهم البالغ لاستخدام الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن ضد… وعبروا عن رفضهم التام للتبريرات الأميركية…». فأين ذلك من قرارات قمة دمشق التي يصورها الخطاب الراديكالي الخرافي السائد كما لو أنها موقعة انتصر فيها الممانعون الأشداء على أميركا وأصدقائها؟!

الحياة – 06/04/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى