صفحات ثقافية

لم يصل بسام ذلك الصباح إلى الجريدة.. رَكـٍبَ الباص الأخير ورَحَل

كوليت مرشليان
وصلوا جميعهم بالأمس الى “الجريدة”. كلهم مروا وتركوا بصماتهم على الآلة “الذكية” التي لا تنسى بصمة أحد. غير ان واحداً فقط لم يأت. لم يصل. غادر ذات يوم حاملاً بعض الكتب والمجلات وضل الطريق، ركب الباص الأخير ورحل.
بالأمس لم يأتِ بسام حجار الى مكتبه. ذاك المكتب الجديد اللامع في الطابق الرابع الذي انتهى ترميمه منذ أيام قليلة، لم يتسع له الوقت ليدشنه بمقالة أو قصيدة. مات بسام حجار. غادرنا من دون جلبة، من دون وداعات.
عشرة أعوام أمضاها بسام حجار في “الجريدة”، في كل مرة كنت أقول في سري: متى نجلس ونجد الوقت او نسرق الوقت لنتحدث معه في الشعر، في الكتابة؟ متى يتسنى لنا ان نسمع صوته ونقارب وحدته وعزلته الجميلة والموحشة؟ وكنا نكتفي بقراءة مقالاته القيمة ونكتفي بتقفي أثره في قصائده، في شعره. رحل بسام حجار ولم أقل له يوماً كم أحب شعره ومقالاته وترجماته الشعرية التي فاقت دائماً بجمالية لغة نصوصها الأصلية.
لم تكن فقط اللوعة ولم يكن فقط الاسى على رحيل الشاعر حجار بل ثمة ما فعله فينا هذا الرحيل من تذكر عميق وجارح وجميل الى حد البكاء: مات بسام حجار وفي لحظات قليلة تجمهرت الاسماء والوجوه من حولنا وعلى مكاتبنا، سمعنا الأصوات على الهاتف وصلتنا القصائد والكلمات عنه وعن شعره عبر الانترنت. من هنا وهناك بدأوا يقبلون علينا، بعضهم بالواقع وبعضهم بالحلم، وفي لحظة ساحرة وتحديداً بعد نحو ربع ساعة، ارتسم المشهد أمامي وعادت الذكريات لتحيا مرحلة معينة صارت من الماضي الجميل: كلهم أو بعضهم سمعنا صوتهم وتذكروا معنا: عبده، شارل، عقل، يحيا، زاهي، علي، يوسف، فادي، جوزف، بلال، حسن، انطوان، جاد، حاكم، جنان وغيرهم… وحضرت اسماء لكتّاب وشعراء مخضرمين كانوا مهدوا للكتابة مرة واستمروا في تجاربهم: انسي، بول، شوقي، عباس… انما لم يحضر هؤلاء من امكنتهم الحالية بل في ما كانوا عليه في أوائل ومنتصف الثمانينات من القرن الماضي وما قبل أي تحديداً منذ عشرين عاماً ونيف. والى من لم يحزر من هم هؤلاء، أو ماذا تشكل هذه الاسماء الصغيرة، فهي جماعة الشعر والقصة والرواية التي كانت في أوجها في بيروت في ذاك الزمن القريب البعيد. أو هي على الأقل مجموعة الأسماء لشعراء وكتّاب وصحافيين ونقاد شكلوا ظاهرة جميلة في بيروت حين كانت هذه الاخيرة تتلقى ضربات الحروب والمعارك المجنونة. وحدهم آمنوا بدور بيروت الثقافي والحضاري والادبي، وحدهم استمروا في شغفهم الشعري ورفضوا الانصياع، واستمروا في الكتابة وسقط وابل القصائد الحرة أو النثرية أو الحديثة كما عرّف عنها في ذلك الوقت فألقت بالغرابة على المناخ الثقافي العام وحاربها البعض ورفضها البعض الآخر غير أنها تطل اليوم من ذاك الزمن الجميل لتقول: أنا هنا، وحدي هنا بقيت لأقوال بالكلمات ما حل بنا وبالمدينة. وحدها تلك القصائد بقيت بعد ان أُعيد اعمار بيروت وتصحيح ما تهدم من حجر وأبنية وأمكنة. وحدها هذه القصائد المهمشة آنذاك، المهشمة والمجرحة بأقلام بعض من رفضها أو تمنى إعدامها، عادت لتقول بكل صدق وأمانة، بالحبر بالدمع بالدم بالعصيان بالثورة بالرفض المطلق كل الآلام والانهزامات والانتصارات، كل الدمار الانساني والمدني، كل الاحباط وكل الاحلام وكل الحب والكراهية وكل اليأس وكل الأمل… وحدها تلك القصائد النثرية المجنونة، وتلك القصص الغرائبية المفعمة بالدم والنار والجنون والاوهام والاحلام، وتلك الروايات الطالعة من أبطال وشخصيات على شفير الموت والرحيل والهزائم أو على شفير الحلم، وحدها هذه الكتابات بقيت لتؤرخ جنون بيروت في الربع الأخيرة من القرن العشرين.
والى من يتساءل: من هي هذه الجماعة؟ ماذا تشكل هذه الأسماء؟ أضيف: لا رغبة في كتابة اسمائهم كاملة لانهم هكذا كانوا بالكاد معلقين بأحرف من اسمائهم كانوا جماعة الشعراء والكتّاب والصحافيين والنقاد الذين اكتشفت انا شخصياً عالم الشعر والادب المعاصر من خلالهم قرأت كتبهم وعرفتهم واحداً واحداً في شوارع وزواريب ومقاهي ومباني صحف المدينة واحداً واحداً بين طلقة نار واخرى، بين معركة واخرى، بين أمسية شعرية واخرى أو بين جولة موت واخرى: في الجامعة، في المسارح، وفي الصحف اليومية حيث عملنا وتعرفنا خطوة خطوة الى قصائدهم، وعرفنا يوماً بيوم تلك المرحلة “الملعونة” بأخطبوط الحروب والموت و”الممسوسة” بشغف الشعر والكتابة والتي نراها اليوم من البعيد رحلة” ضبابية وحلمية في عالم الشعر الجميل تقطر أو تقطرت كتباً ودواوين وقصائد مرصوفة هي اليوم في الطبقات العليا من مكتبتي في بيتي، والطبقات السفلى لكتب اليوم.
بالأمس مساء، عدت الى مكتبي، تسلقت كرسياً صغيراً وانزلت تلك المجموعات الشعرية والكتاب الثالث بين يدي كان لبسام حجار: “فقط لو يدك” كتب لي فيها الاهداء التالي: “الى الزميلة كوليت، مع وافر الود”… ورحت اقرأ في الكتاب وأقول: بالأمس كانت قصائده ـ مثل سائر قصائد النثر ـ مجنونة، مرفوضة، محكومة بالإعدام، واليوم أرى فيها صورة حية وصادقة لزمن مضى لن يفهم ايقاعه سوى الذي عايشه، بل ربما سيفهم ايقاعه في المستقبل من يقرأه:
” في الحدائق الآن شعراء وقادة وأسلحة/وأشجار/ من قلبي كآبة تنتظرك/لا تأتي اليّ/ دعيني أحب العالم في السير باتجاهكِ/دعيني احلم بيديكِ”. (من قصيدة بتاريخ 1987).
كذلك قرأت: “هل نقيم في السحابة الزرقاء التي ترسمها مروى قرب اسمي حين يقترب الروي من النافذة وحين يقعي الاثاث في الزوايا أو تخاف الستائر.
لا السحابة تمطر ولا اسمي يجعل العالم أجمل (باريس ـ 1986).
وأيضاً من قصيدة بعنوان “نجلس على الحافة القريبة لألفتنا ونفكر”: “هل نصدق السراب الذي بدا لنا على طرف المائدة؟
ملح كثير
والليل باقٍ
حتى آخره
سوى ان البيوت
نبتت في رؤوسنا
والطرقات أفرغت أرجلنا من المسير
إذن
نجلس الآن
على الحافة القريبة لألفتنا
ونفكر
لا السماء تلقي ظلاً
ولا البحر يرخي شباك الرطوبة
ملح كثير
لكي تتسع شقوق شفاهنا
لكي تبور قلوبنا
هذا سراب
ان يكون نبيذ
يكفي انتظارنا
على الحافة القريبة لألفتنا (…) (1987).
شكراً بسام حجار على هذه الرحلة الشعرية الممتعة.
شكراً على فعل التذكر هذا الذي كنت أراه مستحيلاً بهذا الزخم الهائل من العواطف، وإذا به يحصل بإغفاءة من عينيك. وداعاً ايها الشاعر وايها الصحافي الزميل. وداعاً لكلمات كنا نلقيها على بعضنا في مصادفات الصباح عند الوصول وبعد الظهر عند المغادرة مع ابتسامات خفيفة، وداعاً لخصلات شعرك الجميلة التي طالت في الفترة الأخيرة ولم أعرف لماذا فجأة هي تطول، ربما هي مثل وداعاتك التي حسبها البعض سريعة انما هي كانت طويلة طويلة، وكنت بدأت تصل الى موتك وكنت مع ذلك تحارب وتقاوم وتحب وتكتب غير ان الواقع هنا كان حزيناً ومملاً، عساك تكون هناك في حال أفضل، عسى ان تكون ابتسامتك قد اتسعت وعيناك قد ابرقتا بآمال جديدة.
وداعاً بسام حجار، استمر في الشعر، اكتب ولا تتوقف وأرسل لنا القصائد من فوق على بريدك الالكتروني، وعلى مكتبك المهجور الذي يتأمله كل يوم زملاؤك واصدقاؤك حسن ويوسف وفادي ويدمعون بل يأملون شعاعاً على الكومبيوتر وقصيدة جديدة لك تصل من هناك ويبقى سؤال: بسام، هل يبقى الشعراء شعراء هناك؟ إذن، أرسل لنا قصيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى