قضية فلسطين

مصر.. العدو في الداخل

عاطف معتمد
في أحد الأحياء الفقيرة من مدينة مومباي التقيت مع الشيخ رافع الدين إمام أحد مساجدها الكبيرة.. جلست في ضيافة الرجل أسأل عن أحوال المسلمين في المدينة العتيقة.. اختتم الشيخ جلسته بسؤال مشوب بعتاب مفاده “هل تترك فلسطين لكم وقتا كي تهتموا بنا؟”.

كان سؤال رافع الدين يرافقني في زيارتي لبقية المناطق الإسلامية في الهند، فتاريخ المسلمين في هذا البلد وتوزيعهم الجغرافي ووزنهم الديمغرافي الذي يبلغ 170 مليون نسمة، يجعلك تعتب حقا على لعنة الجغرافيا التي تباعد بينك وبين تاريخ أمة عظيمة وحضارة راقية ودروس نحن في حاجة إلى تلمسها.
بقيت لعنة الجغرافيا حاضرة ترافق ما كتبت من مقالات عن الهند أو ما قرأت على طلابي من محاضرات في الجامعة. وتأكد السؤال الساخر لرافع الدين من خلال ما تقدمه عشرات الصحف ومئات الخطب المنبرية في المساجد عن فلسطين وعن قدسية الموقع الجغرافي وأنه لا حل لمشاكل العالم الإسلامي دون حل لمشكلة فلسطين.
ها نحن في القاهرة، وها هي القنوات الفضائية تعلن بعد استشهاد وجرح المئات في الغارات الصهيونية على غزة بأن جماعات المعارضة المصرية تنظم وقفة احتجاج أمام نقابة الصحفيين مساء يوم المجزرة.
لم يكن الناس في القاهرة يحتاجون لأكثر من هذا ليحتشدوا بمئات الآلاف في الموعد المضروب، خاصة بعدما انهالت الاتهامات على الحكومة المصرية بالتضامن مع إسرائيل فيما حدث على غزة من عدوان.
اندفعتُ إلى ساحة التظاهر في “وسط البلد” حيث الفرصة مثالية لانضمام آلاف البشر، فاليوم عطلة الأسبوع وعادة ما يكون وسط البلد مزدحما بالمتسوقين، سيما ونحن على أعتاب عدد من المناسبات الدينية والاجتماعية.
الطريق إلى “وسط البلد” كان مبشرا، فالمقاهي ممتلئة، والشباب والفتيات على كورنيش النيل بالمئات، وزحام السيارات كعادته. لكن المفاجأة صدمتني، إذ لم يكن بالمظاهرة الموعودة ما يزيد عن ألف فرد، ثلثهم من الصحفيين.
لم تتوقف المفاجآت، فسرعان ما بُحت أصوات قادة المظاهرة بعد ساعة من اشتعالها، فمكبر الصوت الذي يحملونه معطوب.
ولم يخل الأمر من اشتباكات كلامية بين القوميين والإسلاميين، الأمر الذي أدى إلى تضارب الهتافات وانقسامها إلى ثلاث أو أربع مجموعات. بعض الهتافات كان يلعن الرئيس والأمن، وبعضها كان متحمسا مؤكدا –دون علامة أو أمارة- أننا “ع القدس ماشيين.. شهداء بالملايين”!
من قبيل الحزن الساخر مددت البصر إلى ساحة مجاورة كانت قد شهدت قبل سنوات تجمّع آلاف مضاعفة من مظاهرتنا اليوم، لكنها كانت حول طبال وراقصة وانتهت بواقعة تحرش جنسي جماعي!
حين يسمع المرء النقد اللاذع لمصر في الفضائيات يتمنى لو فرق المتحدثون بين الحكومة المصرية والشعب المصري، لكن في ساحة التظاهر يتساءل المرء من جديد: أين الشعب المصري؟ أين سكان القاهرة؟ ماذا حدث للمصريين؟
وسط الزحام المختنق بجنود الأمن من الفلاحين البؤساء، التقيت صديقة فلسطينية عاشت في القاهرة عمرا، كانت الدموع في عينيها ممزوجة بسؤال كبير: هل ترى؟!
ذكرني سؤالها الصامت بسؤال صديق زارني من القدس المحتلة.. في طريقنا من المطار إلى “وسط البلد” شجعت اللافتات الوطنية والقومية وصور الرئيس وشعارات الإنجازات ضيفي على أن يداهمني بهجوم المحب مستفسرا عن سبب سكوت المصريين عن نصرة فلسطين.
لكن لسان ضيفي المتحمس للسؤال سرعان ما انعقد في النصف الثاني من الطريق، فمن “وسط البلد” إلى الحي الشعبي الذي أسكن فيه كانت المشاهد جد مختلفة. الزحام الخانق، الأسواق المكدسة، الصراع اليومي على لقمة العيش، التكدس في عربات النقل العام.. مشهد ليس أقل سوءا من مخيمات دير البلح في غزة المحاصرة.
كثير من الالتباس الذي يعاني منه المراقب للدور الشعبي المصري في الأزمات الإقليمية ينبع من تعاطي المرء لمصر من خلال ما يسمى “الصورة النمطية”.

تقوم هذه الصورة على رؤية الشعب المصري حاضرا لأمته، معطاء لها، ومساندا لقضاياها، إلى غير ذلك مما ترسخ في وجدان الناس في نصف القرن الماضي، وبشكل أساسي منذ طلائع المقاومة المصرية لتحرير فلسطين بعيد الحرب العالمية الثانية والحركة القومية الناصرية.
من عيوب الصور النمطية أنها تعطل دور التاريخ، فلا تدرك ما تعرض له شعب من الشعوب من تغيرات وتحولات. كما أن من عيوبها التبسيط المخل الذي يلغي التفاصيل وينظر إلى مصر كتلة واحدة.
يكشف التفصيل عن كثير من المشكلات المنهجية، فمصر المتخيلة في الصورة النمطية هي مصر القاهرة، رغم أن مصر القادرة على الفعل هي مصر الريف، مصر الغيط والمطحن، حيث الياقات الزرقاء المتسخة من عرق العمال والفلاحين.
مصر القاهرة بالغة الحذر، غير قادرة على المغامرة، تفتقر إلى نزق الثورة، كما أنها نسيت منذ ثلث قرن صوت المدفع والرصاص.
شباب القاهرة لم ينخرطوا في الجيش بنفس النسبة التي ينخرط بها شباب الريف، كما أن أعدادا كبيرة من شباب المدينة والريف على السواء أجلت تجنيدها أو أعفيت من التجنيد توفيرا للميزانية.
أما النقابات المهنية وقادتها من أصحاب الياقات البيضاء والتي تحرك الشارع في القاهرة فلديها في النهاية ما تخشى عليه، وهي لا تغادر مقارها حين تتظاهر، فظهرها دوما لا بد أن يستند إلى جدار.
اليسار المصري متعثر للغاية، وهو أشبه بنبات استزرع في تربة غير تربته، وما زال غير قادر على إقناع الشريحة الأكبر من الناس الذين اعتادوا ربط الكفاح بالدين أو توقيف التضحية على جائزة الآخرة.
صحيح أن العمال قد سجلوا تحركات فاعلة خلال السنوات الخمس الماضية، لكنها كانت لتحسين الرواتب وأوضاع العمل ولم تكن ذات وجهة سياسية خارجية، ومثلها في ذلك مثل بقية الحركات العمالية في العالم.
بهذه المعطيات ظل المسرح مؤهلا لدور الجماعات السياسية الدينية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي تتجاوز الترتيب الطبقي كما تتجاوز جغرافية القاهرة إلى النجوع والقرى والحقول الزراعية.
الجهات الأمنية تقرأ الموقف جيدا، وهي لا تدخر جهدا في تفويت الفرصة على الجماعات الإسلامية متسلحة بأسلحة فتاكة وأخرى ناعمة كتلك الصحف والمجلات التي تطفح أقلامها بكراهية تضع الإخوان إرهابيين أو قراصنة سلطة، أو خائنين لقضايا الوطن، وشعارها في ذلك يقول “مصر أولا وقبل كل شيء”!
من عيوب الشخصية المصرية أنها ملولة لا تطيق الصبر على الأحداث، والقضية الفلسطينية طالت لدى هذه الشخصية أكثر مما ينبغي. كما أن الملول سرعان ما يجد الذرائع في حجج سمعها في المقاهي على شاكلة أن الفلسطينيين تفرقهم الفصائل أكثر مما تجمعهم الوحدة.
ولأن التناقض سيد الموقف في مصر اليوم، فإنك تجد الملول في قضايا الخارج صبورا على قضايا الداخل، إذ علمته التجارب أنه لا داعي للعجلة، فوجوه الساسة قد تتغير لكن النتائج واحدة، فالدولة تتعرض لفساد منذ عهد “مينا” موحد القطرين ولا شيء يتغير، وعليك أن تدبر احتياجاتك بشكل أو بآخر.
ولتدبير الاحتياجات مفاجآت، فالبطالة التي تطال شريحة واسعة من الشباب تدفع بهم إلى امتهان أعمال كثيرة. انظر مثلا إلى الشباب العاملين في قطاع السياحة الشاطئية، أي نوع من السائحين يخدمون وأي بضاعة يبيعون!؟
ومن الأقوال النمطية التي توصف بها مصر أن السياسة المصرية انكفأت على نفسها وانشغلت بالداخل عن الخارج، لكن من أخطاء هذه الصورة النمطية –التي يكتبها بالمناسبة محللون يعلقون على نشرات الأخبار- أنها تغفل أن المصري انشغل أيضا بنفسه عن غيره، وبات غارقا في الذات حتى أذنيه.

وسط هذه الصور المتداخلة أبحث عن الملاذ الأخير.. أذهب إلى طلابي في جامعة القاهرة التي احتفلت قبيل أيام بمرور مائة عام على إنشائها.. أشق الطريق بين طالبات يرتدين الحجاب وأسفله أزياء ساقطة تصلح لفتيات الحانات الليلية وليس لطالبات في حرم جامعي.
زواج الحجاب مع الزي الماجن دليل آخر على حالة التناقض التي يعيشها المصري اليوم، إذ الفتاة لابد لها من حجاب حتى لا يقال إنها سيئة السمعة “وتسير على حل شعرها”.
بهذه الطريقة ارتاح أولياء الأمور من أن يوجه لهم أحد نقدا، كما أن الأزياء الماجنة لا تكشف عن الجسد وإن كانت تشفه وتفصله بكافة معالمه، وهذا تأكيد آخر على أن فتياتنا “مستورات”.
أدخلُ إلى قاعة الدرس أحاضر عن الجغرافيا السياسية لمصر معرجا على أعداء مصر في الخارج.. لا يفهم الطلاب الدرس، ولا يعرفون حجم وحقيقة ودور هؤلاء الأعداء. فقد ولد أغلبهم قبل عشرين عاما فقط ورضعوا عبارات “السلام خيار إستراتيجي” و”السلام العادل والشامل”. كما أنهم يرون تغطيات إعلامية لزيارة مسؤولين إسرائيليين تفتح لهم الأبواب ويستقبلون بابتسامات واسعة، فأين المشكلة؟
يبدو أنه لا بد من تغيير الدرس والبدء في موضوع جديد عنوانه “أعداء مصر في الداخل”.. لكن بأي عدو أبدأ!؟
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى