صفحات ثقافية

حكواتي الشام الأخير: لا يُلام إن غاب!

null


محمد منصور

أثار الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة (الجزيرة) مؤخراً… عن الحكواتي الدمشقي، ضمن سلسلة (حالة إبداع) والذي أعده بشار إبراهيم، وأخرجه أسامة العبد… أثار لدي العديد من التداعيات، ليس كدمشقي عاش في طفولته بعضاً من أجواء ذلك الطقس الشعبي الحميم،
بل كسوري يري اليوم الكثير من المظاهر الثقافية تختفي من عالمه… فقبل أن نتحدث عن الاختفاء التدريجي للحكواتي، وتحوله من حالة إبداع شعبية إلي حالة فولكلورية للفرجة والسياح والتقاط الصور.. وقبل أن نرثي للكركوازاتي ومسرح خيال الظل الذي كان أيضاً طقساً انتقادياً شعبياً يلون الحياة الدمشقية بالبهجة، ويزين المسارح أو المقاهي أو الأعياد بفعاليات فيها شيء من نبض الحياة وبساطتها الآسرة… يمكن لنا أن نتحدث عن فنون أعرق وأكثر عصرية… أصبحت اليوم خارج اهتمام المواطن السوري تماماً… كالمسرح الذي انسحب من عالمنا حتي كطقس للنخبة الثقافية… بعد أن وأدت هيمنة وزارة الثقافة والقيود الرقابية وقرارات المنع والمصادرة كل ماضي الحركة المسرحية السورية الحافلة بعشرات الفرق والتجارب الغث منها والسمين معاً… ويمكن أن نتحدث أيضاً عن السينما، التي ساهمت السلطات الثقافية المسؤولة كذلك في وأد طقوس العرض السينمائي الراقي الذي كان، حين قضت علي الصالات السينمائية بإعطاء حق استيراد الأفلام للمؤسسة العامة للسينما لتستورد بمناقصات حكومية (تصوروا) أردأ الأفلام أو أقدمها في سوق العرض والطلب… وحولتها ـ هي والزمن وضرائب وزارة المالية ـ إلي صالات مهجورة يغشاها الظلام، ويمنع أصحابها من استثمارها في مهن أخري (أي لا برحمك ولا بخلي رحمة الله تنزل).. كما قضت علي الإنتاج السينمائي السوري كلية، بدل أن تطوره، وتساعده علي تجاوز إنتاجه التجاري المتواضع الذي كان يقدمه!

وهكذا فبعد أن غاب الطقس السينمائي، وقضي علي الإنتاج المسرحي والسينمائي الخاص، وانحسر المسرح حتي كطقس نخبوي ترتاده شرائح من الجمهور أو الطلبة الجامعيين بين الحين والآخر… لم يعد بإمكاننا أن نأسف علي غياب الحكواتي، أو انحسار عالمه… إلا باعتباره جزءاً من جغرافيا دمشق القديمة وتاريخها الذي أفتي وزير الثقافة السوري رياض نعسان آغا قبل نحو عام ـ بلا خجل ـ بإمكانية هدم أجزاء منها، وهو يرطن بالعربية الفصحي المفخمة ويتحدث بضمير متيقظ عن الشرف والإبداع والحضارة والتضامن العربي، بينما تبدو منظمة التراث العالمي أكثر (عروبية) منه في إطلاق نداءات الحفاظ علي المدينة التاريخية لـ (قلب العروبة النابض) في حملة لا أدري إن توقفت أو تجمدت فقط لوقت آخر، بعد تعالي الاحتجاجات الشعبية!!!

وأعود إلي فيلم (الحكواتي) الذي بدا بأجوائه وطقوسه ملتصقا بروح دمشق القديمة في الزمان والمكان واللهجة والوجوه… روح زمن مضي، لكن شواهده لا تزال ـ بمعجزة ما أو صدفة ما ـ باقية تقاوم شمس الأفول… ولا أقصد طقس الحكواتي وحده… بل أتحدث عن نمط الحياة الشعبية الأصيلة، التي أنتجت في يوم من الأيام… آليات متنوعة للحياة والعمل والتجارة والبناء والعمران والترفيه والتثقيف والتواصل الاجتماعي الخلاق.

وقد قدم هذا الفيلم، بطريقة تحررت من إلقاء نظرة علي ذلك التاريخ الاجتماعي الخلاق، رصداً تسجيلياً ريبورتاجياً، لسيرة تحول الرجل الشعبي (أبو شادي) من رجل عادي يملك حانوتاً صغيراً، إلي حكواتي يعيد إحياء مهنة منقرضة… وذلك بطلب من صاحب مقهي (النوفرة) الشعبي الشهير بدمشق… الذي رأي ربما بعض المواهب الخاصة، في طريقة حديثه وروايته لحوادث حياته… وقد استطاع أبو شادي أن يدخل أجواء السير الشعبية، وأن يتقن روايته لزبائن ذلك المقهي الشعبي الذي يرتاده السياح الأجانب، فينصتون له، ويلتقطون الصور مع أبي شادي الذي قال في هذا السياق أن السياح الألمان هم الأكثر إصغاءً له حتي ولو لم يكونوا يفهمون العربية، وإنه أصبح شخصاً شهيراً جداً في ألمانيا، بفضل آلاف الصور التي التقطها له السياح الألمان علي مر سنوات!

الفيلم اقترب من سيرة بطله بحميمة، وسعي لإبراز إبداعه الشعبي، ببساطة وتلقائية ومن دون فذلكة… ونجح إلي حد كبير في المحافظة علي حرارة الشكل الإبداعي الذي سعي لرصده، عبر بنية مونتاجية تقاطعت فيها الرؤي والأفكار واللحظات الدرامية. ورغم أن صناع الفيلم أرادوا أن يضعوا إبداع الحكواتي في مرآة الرأي والرأي الآخر، عبر استضافة مثقفين رأي أحمدهم (الشاعر لقمان ديركي) أن الحكواتي كحالة أصبحت خارج العصر، وهي تحاول أن تضع نفسها قسراً في سياق العصر… إلا أن طابع الحميمية والاحتفاء الحنون بعالم في طريقه إلي الزوال، بقي هو النبرة الطاغية… وخصوصاً في شهادة المخرج السينمائي نبيل المالح التي أضفت الكثير من الألق والعمق علي الفيلم؛ حيث رأي أن الحكواتي يمكن أن يكون داخل سياق العصر، إذا تحدث عنا… فالإنسان العربي اليوم أصبح حكاية… حكاية تستحق أن تروي، مثلما تستحق أن تكون آلامنا ومعاناتنا المليئة بالصبر والعزيمة والقدرة علي التحمل في تفاصيل ومجريات هذه الحكاية، مدخلا لصناعة عالم أفضل لأننا بالفعل نستحق أن نعيش حياة أفضل!

وفي النهاية فإن الفيلم قدم توثيقاً متقناً، وملامسة عميقة لحالة إبداع شعبية تكاد تنقرض، وخصوصاً حين يسأل الحكواتي مجموعة من طلاب المدارس الذين تجمهروا حوله، (مين منكم بيحب يطلع حكواتي)، فيرفع عدد كبير منهم أيديهم، فيرد بذكاء وكأنه قد اكتشف استحالة حياة طقسه مستقبلاً: (لأ… هيك معناتا كذابين)!

وكان من الواضح جداً، أن الجهد الإخراجي قد صنع قيمة أخري للفيلم، غطت علي عيوب الرؤية الريبورتاجية في الإعداد… والتي لا أسعي للتقليل من جهدها الطيب والموفق في المحصلة، إلا أن جهد المخرج وبراعته المونتاجية في صياغة اللغة الإيحائية البصرية التي وضعت الحكواتي في سياق عالم متكامل ومنسجم مع عصره… كانت واضحة وموفقة للغاية… وذات بعد جمالي ودرامي مؤثر.

ورغم أنني أشكر (الجزيرة) علي إنتاج هذا الفيلم الراقي، ضمن هذه السلسلة المتفاوتة المستوي في حلقاتها، إلا أنني أستغرب ـ في الوقت نفسه ـ ماذا تفعل الأمانة العامة لدمشق عاصمة ثقافية، إن لم تستلهم مثل هذه الطقوس، ولم تنتج مثل هذه الأفلام؟!

الفضائية السورية: لغة إخبارية بنكهة تعبوية!

زلت أصبعي وأنا أقلب في جهاز التحكم فتوقفت عند الفضائية السورية، لأتابع تقريراً إخبارياً عن أحداث العراق في برنامج اسمه (أحداث اليوم). التقرير طبعاً، كان يكيل الشتائم للاحتلال، ويعلق علي تصريحات مسؤوليه عن نجاح مهمتهم عشية الذكري الخامسة لاحتلال العراق، ويصفها بـ(الوقاحة)، مشيرا إلي ضحايا المدنيين وإلي الاعتذارات السخيفة التي يقدمها الاحتلال إزاء سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء في عملياته العسكرية! شخصياً، لا يختلف موقفي من الاحتلال ـ لا قومياً ولا إنسانياً ولا عقائدياً ـ عن موقف الفضائية السورية الموصوف… بل لا يختلف الموقف في الكثير من القنوات العربية والإخبارية الأخري وخصوصاً (الجزيرة) عما أرادات الفضائية السورية أن تقوله هنا… لكن المشكلة أن القائمين علي مديرية الأخبار في التلفزيون السوري بقنواته الثلاث… لا يميزون بين لغة الخبر والتقرير الإخباري… وبين لغة الرأي والتعليق والتعبئة الجماهيرية الثورية… ولأنهم يطمحون دوماً لأن يبرهنوا للدولة ولمسؤولي الإعلام الشمولي، ولمن يهمهم أن يرضوا عنهم (من غير جمهور المشاهدين طبعاً) أنهم يسيرون علي الخط المرسوم ويلتزمون به بحذافيره وأكثر، فإنهم يخلطون بين هذا وذاك… بين لغة الخبر وبين لغة الرأي والمواقف، التي لها مساحة أخري بالطبع… وهكذا تستبد بهم الحماسة للتعبير بلا أي ضوابط مهنية، يمكن أن تعزز نبرة الإقناع والتأثير في نقل الموقف ذاته، بالإيمان ذاته!

والواقع فخلف كل فشل في توصيل الرسائل الإعلامية فتش عن القواعد المهنية، ستجد أنها غائبة… وفي التلفزيون السوري فالقواعد المهنية تغيب بطيب خاطر، لأن (ذو العقل يشقي في (التلفزيون) بعقله وأخو (الجهالة) في الإدارة ينعم!)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى