حسين العوداتصفحات سورية

الحوار السوري الأميركي

null
حسين العودات
استؤنف الحوار السوري الأميركي المعلن منذ الخريف الماضي، وبدأ على شكل زيارات لشخصيات سياسية غير ذات صلة مباشرة بإدارة الرئيس بوش في ذلك الوقت، وتسارعت هذه الزيارات بشكل لافت بعد فوز الرئيس أوباما بالانتخابات الرئاسية.
وتكثفت بعد توليه رسمياً مهماته الدستورية، فقد زار سوريا مثلاً خلال فبراير الماضي ثلاثة وفود أميركية على التوالي مؤلفة من أعضاء في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ وكان آخرها المرشح السابق للرئاسة الأميركية، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس جون كيري.
وقابل أعضاء هذه الوفود الرئيس بشار الأسد ووزير خارجيته، وأطلقوا تصريحات متشابهة خلاصتها أنهم لا يمثلون الإدارة وإن مهمتهم استكشافية، وكان واضحاً دائماً أن الزيارات والتصريحات ما هي إلا مقدمات لإعادة التواصل السوري الأميركي.
وفيما بعد التقت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خلال مؤتمر شرم الشيخ لدعم غزة بوزير الخارجية السوري وليد المعلم ثم أعلنت بشكل استعراضي ومفاجئ أن الإدارة الأميركية قررت إرسال مندوبين اثنين لزيارة سوريا وإجراء محادثات مع مسؤوليها هما جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بالوكالة ودانيال شابيرو مدير الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي.
وقد شكلت زيارة المندوبين الأميركيين أول تواصل رسمي سوري أميركي منذ أربع سنوات، بعد أن سحبت إدارة الرئيس بوش السابقة سفيرتها من دمشق، واتخذت إجراءات اقتصادية عقابية ضد سوريا وعملت على عزلها أميركياً وأوروبياً، وكالت التهم لها ولسياستها بلا حدود، وبالمناسبة فإن شابيرو هو الذي صاغ قانون معاقبة سوريا.
صرح فيلتمان إن أهداف زيارة المبعوثين الأميركيين المعلنة هي معرفة وجهة النظر السورية تجاه العلاقات الثنائية وقضايا المنطقة، واطلاع المسؤولين السوريين على وجهة النظر الأميركية، أي معرفة كل من الطرفين رأي الآخر وأهدافه.
إلا أن الواقع الذي نعرفه يشي بصراحة ووضوح أن السياسة الأميركية للإدارتين (الجمهورية والديمقراطية) تعرف بدقة منذ ما قبل أن تسوء العلاقات بين البلدين وجهة النظر السورية والظروف المحيطة بها والأهداف التي تسعى لتحقيقها وأوراق القوة والضعف التي تمتلكها، وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلاً، فهل هناك ضرورة لتضييع الوقت لمعرفة ما هو معروف؟
أما على الجانب السوري فقد أعلن دبلوماسيون وأشارت وسائل الإعلام السورية، أن هذه الزيارات تأتي بعد أن تأكدت الإدارة الأميركية من أهمية دور سوريا المحوري في المنطقة وعدم إمكانية حل مشاكلها بدون سوريا.
وفي الواقع يعرف كل من الطرفين السوري والأميركي معرفة كاملة رأي الطرف الآخر، وهو ليس بحاجة لمعلومات جديدة تلقي ضوءاً على واقع لا ينقصه الوضوح.
إذا كان هذا هو المعلن عن أهداف الزيارات واستئناف التواصل بين البلدين فما هو المخفي إذن؟
لعل المخفي أميركياً يرتبط بأمرين هما: الأسلوب والأهداف، فقد فشل أسلوب إدارة بوش في التعامل مع سوريا فشلاً كبيراً، حيث لم تنفع العقوبات الاقتصادية، ومحاولات العزل، وسحب السفير والتهديد، والحملات الإعلامية، في تغيير السياسة السورية قيد أنملة، بل ربما دفعت سوريا إلى مزيد من التصلب وربما (التطرف)، بينما نجح الرئيس الفرنسي ساركوزي خلال عام واحد هو العام الماضي وبانتهاج أسلوب الحوار مع سوريا، في تغيير سياستها تغييراً كبيراً، فقبلت التهدئة في لبنان.
وبدأت مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، وضغطت على حماس لتخفيف مواقفها المتصلبة، وانتهجت الحذر في علاقاتها مع إيران، وفي الخلاصة أعطت السياسية الساركوزية (سياسة الحوار) نتائج لم تستطع سياسة العقوبات تحقيق أي منها ولعل هذا ما حرض إدارة الرئيس أوباما على اتباع أسلوب الحوار طريقاً لتطويع سوريا تقليداً للأسلوب الفرنسي.
أما ما يتعلق بالأهداف فلم يغير الأميركيون أهدافهم (كما غيروا أسلوبهم)، فهم يريدون في النهاية أن تستأنف سوريا مفاوضاتها مع إسرائيل (وهذا ما صرحت به هيلاري كلينتون) وأن لا تتدخل بالشؤون اللبنانية حيث أكد فيلتمان بعد الزيارة على سيادة لبنان واستقلاله ودعمه، وأن تساهم سوريا في تهدئة حماس (وكانت مشاركة سوريا في مؤتمر شرم الشيخ غير بعيدة عن هذا المطلب) وأن تمنع كلياً دخول المسلحين إلى العراق (وهذا ما تحرص عليه السياسة السورية) وأخيراً أن تحول علاقاتها مع إيران إلى علاقات عادية لا تحالفية، وهكذا فإن التغيير يطاول الأسلوب وليس الأهداف، وستبقى السياسة الأميركية حذرة تجاه سوريا ريثما تتضح العلاقة المقبلة مع إيران.
أما المخفي السوري أو الهدف السوري من هذه المحادثات فهو إيقاف محاولات الإدارة الأميركية عزلها، والقبول برعاية المفاوضات مع إسرائيل والضغط عليها، وإيقاف الهجوم الإعلامي والدبلوماسي على سوريا، وعدم عرقلة تطوير العلاقات السورية الأوروبية والمصادقة على الشراكة فضلاً عن قبولها في اتفاقية التجارة العالمية، والتوصل إلى إقناعها أن علاقات سوريا مع إيران هي علاقات تعاون لا تحالف، والأهم من هذا هو عدم (تسييس) المحكمة الدولية المتعلقة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وهي (أي سوريا) على استعداد، إن قبلت الولايات المتحدة بهذه المطالب والتزمت بها، للمساهمة بمزيد من التهدئة في لبنان وفلسطين والذهاب بالمفاوضات مع إسرائيل إلى نهاياتها، وربما على استعداد للانضواء في صفوف التيار العربي المعتدل.
فهل السياسة الأميركية ستقبل بمطالب السياسة السورية؟ وهل سوريا ستقبل بدورها بأسلوب الحوار ما رفضته بطريق العقوبات؟ أم أن الوصول إلى نتائج جدية ينتظر مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية، باعتبار أن سوريا حسب الرأي الأميركي، تشكل جزءاً من المشكلة الإيرانية؟
البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى