صفحات سورية

وعود مبارك

null


حسام عيتاني

تعد الاضطرابات التي تشهدها مصر حالياً بما يتجاوز بأشواط ما يبرز الى السطح من مظاهر. فمصر التي كانت تمثل، الى جانب المغرب، الدولة العربية الراسخة والمستقرة والمتمتعة بقدر لا يستهان به من الاستمرارية التاريخية، باتت اليوم نذير شؤم لمستقبل الدولة في العالم العربي بل لكل مشروع يتضمن رهاناً على فوائد يمكن ان يجنيها أي مجتمع عربي من السلام والخروج من متاهات الصراعات الإقليمية.

لقد اخفقت السلطة الحاكمة في مصر، وعلى امتداد ما يقرب من ثلث قرن، من إنجاز وعود التنمية التي استغلها الرئيس السابق انور السادات كذريعة مباشرة للانخراط في مبادرته السلمية حيال اسرائيل. بهذا المعنى تكون الحالة المزرية التي اوصل نظام السادات ـ مبارك مصر اليها، ليست شهادة على افلاس في الرؤى المستقبلية لكيفية قيادة اكبر دولة عربية وحسب، بل إيضا دليلاً حسّياً على افتقار الأقليات الحاكمة في العالم العربي للقدرات الضرورية لقيادة بلادها في السلام كما فشلت في قيادتها اثناء الحرب.

من التبسيط الشديد للأمور حصر ما تشهده مصر في هذه الايام بوصول هذا النظام والفئات الطفيلية الداعمة له الى حائط مسدود في ادارة شؤون البلاد. بل لعله من الأقرب الى الصواب القول إن وضع كامل مقدرات مصر في خدمة مجموعة ضئيلة العدد (لكن هائلة الشهية)، قد انتهى الى ما يشبه الانهيار الكامل، سواء في آلية الاقتصاد او في التعليم غير المتناسب مع أي تصور لدور المتخرجين في سوق عمل داخلي وعالمي يشهد منافسة قاسية.

ويبدو من عدة التبسيط التي يلجأ اليها عدد من المعترضين على النهج الاقتصادي والسياسي لحكم عائلة مبارك، القول إن الإصرار على تحرير الاقتصاد بات يخنق الأكثرية الساحقة من المصريين التي عضها الفقر بنابه. الحقيقة اكثر تعقيداً من ذلك.

خذوا مسألة الخبز مثالاً. تقدم الحكومة المصرية حوالى 16 مليار جنيه سنوياً لدعم الرغيف في مختلف مراحل صناعته، من ثمن القمح الى الطحن الى التوزيع. المشكلة التي تبدو مرافقة لبنية النظام الحالي تبرز في ان الفساد قد تغلغل في كل الحلقات المذكورة من صناعة الرغيف. وبدلاً من ان تصب الاموال المخصصة للدعم في اطار تخفيف الأعباء عن المواطن المصري المبتلى بالفقر، تذهب الى حسابات مجموعة من التجار المرتبطين مباشرة بالحكم وحزبه والمسيطرين على صناعة الرغيف. الامر ذاته، ينطبق على من يحتكر مواد البناء من حديد وإسمنت. ويصل الامر الى حدود المهزلة عندما تصبح لجنة السياسات في الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم، التي يشرف عليها جمال مبارك، المنتظر قضاء الله ليستلم أمانة الحكم من ابيه الحكيم، تصبح هذه اللجنة هي التجمع الذي يضم اكبر محتكري المواد الأساسية في مصر.

لذا، يجوز القول إن المسألة لا تتعلق بطبيعة الاقتصاد أكان حراً أو موضوعاً تحت رقابة الدولة. بل يمكن التصور ان الأزمة المعيشية والاقتصادية ما كانت لتقل حدة واتساعاً لو ان النظام الحاكم احتفظ بالشعارات الاشتراكية للمرحلة الناصرية. فالقضية تكمن في أن إفلاساً عاماً قد أصاب النظام وجفف قدرته على استنباط الحلول التي بات مستحيلاً أن يسير، حتى الأبسط منها، من دون أن يتعارض مع مصالح المجموعة الطفيلية المستفيدة من نهب موارد البلاد، سواء في القطاع الخاص او عبر توظيف القطاع العام كعجلة لجني الفوائد الخاصة.

يظهر سؤال مُلِحّ هنا عن ارتباط القحط الحالي الذي تعاني مصر منه، والذي راح بعض الكتاب يشبهه بما أصاب هذه البلاد الغنية بأهلها ومواردها أثناء حكم المستنصر بالله الفاطمي، بجملة الخيارات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الداخلي والخارجي التي تتبعها مصر منذ أن قرر رئيسها السابق توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل، والانتقال الاعتباطي الى اقتصاد السوق وقمع أي دور للدولة في مجالات الرقابة على الدورة الاقتصادية. وعلى النحو الذي جرى فيه ازدراء التوازن بين السلطات في المجال السياسي، حصل ازدراء التوازن الضروري بين الرقابات في المجال الاقتصادي.

بداهة، إن مستوى استيعاب الفئات التي دفعت الى السير في اتجاه السلام لمقولات من نوع الديموقراطية واقتصاد السوق والتعددية، كان وما زال ضحلاً يمكن تلخيصه بعدد من الجمل التي تنتهي بإفراغ كل المقولات السابقة من مضمونها. فعندما يجري الحديث عن الديموقراطية في مصر، لا يخفى ان قانون الطوارئ ما زال سارياً. اما دور الدولة في الاقتصاد فجرى استبداله بدور أفراد من المسؤولين في النظام في الهيمنة على آليات الفساد وتنظيمه… ما يجعل كامل الاقتصاد المصري يدور في حلقة تغذية الفساد التي وصلت في الأعوام القليلة الماضية الى حدود تنذر بانهيار الدولة.

عليه، وإذا جرت تنحية أسطورة الصبر والطاعة المصريين، لن يكون من الافتراء القول إن حكم الرئيس حسني مبارك قد فتح الباب واسعاً امام عواصف تطال بنية الدولة والمجتمع في مصر وتمهد الطريق امام صعود قوى التطرف المختلفة المشارب، في خضم المعركة التي يقول الحكم هذا إنه يستميت فيها ضد التطرف.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى