صفحات سورية

السوريون اعتدوا علي الفرنسيين يوم ميسلون

null


نصر شمالي

تتلخّص وظيفة الأجهزة السياسية والدبلوماسية لدول حلف شمال الأطلسي في تعقيد ما هو بسيط، وفي تمويه ما هو واضح، وفي تشكيل لجان تقصّي الحقائق، بينما الحقائق واضحة كالشمس، فالمهمّة الأساسية الثابتة والدائمة لهذه الأجهزة هي تبرير العدوان بإظهار المعتدي عليه علي أنّه المعتدي، وتبرير الاغتصاب بإظهار الضحية علي أنّه الغاصب، وتبرير القتل بإظهار القتيل علي أنّه القاتل.

أي أنّ مهمّة هذه الأجهزة، بكلمة واحدة، هي قلب الحقائق والوقائع رأساً علي عقب، ولو شكلياً ومظهرياً، بجعل الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً! أمّا الهدف من وراء ذلك فليس تجنًب الحرج أو حفظ ماء الوجه، بل تضليل وتطويع الشعوب، بما فيها شعوبهم، وتسهيل مهمّة أولئك السذّج أو المغلوبين علي أمرهم، ولا نقول الخونة، في البلدان المعتدي عليها، أولئك الذين يتجاوبون مع خطابات هذه الأجهزة، فيعتبرونها قابلة للتصديق، وممثلة حقاً لما يتوهّمون أنه مجتمع دولي حقاً، ويقبلون دعواتها إلي السلام، ويأخذون حججها السلمية علي محمل الجدّ، ويأملون في الوصول معها إلي نتائج طيبة عن طريق الحوار والتوضيح والإقناع، الأمر الدي يعني المزيد من التفريط لا أكثر ولا أقل.

إنّ الأمريكيين والإسرائيليين، ومن قبلهم الفرنسيين والإنكليز والطليان، جميعهم كانوا ولا يزالون يواصلون التأكيد علي أنّهم ضدّ الحرب وأنّهم ينشدون السلام! إنّ الأمريكيين يتظاهرون اليوم بالاستماتة من أجل وقف الحرب وإحلال السلام في العراق! ويواصل الإسرائيليون بدورهم إظهار استماتتهم من أجل وقف الحرب وإحلال السلام في فلسطين! وإنّ هذا بمجمله ليس بالجديد علي مواقف دول حلف شمال الأطلسي المتمدّنة.

إننا إذا ما عدنا إلي بدايات إطلالة المتمدّنين علينا في المشرق العربي فسوف نجد أنّ الإنذار الفرنسي الموجّه من لبنان إلي سورية، في مطلع عشرينيات القرن الماضي، كان هدفه تحنّب الحرب! فقد دعا الإنذار الحكومة السورية إلي حلّ الجيش السوري، وإلي اعتقال المناوئين للسياسة الفرنسية، وإلي ربط العملة السورية بالعملة الفرنسية، وإلي السماح للقوات الفرنسية بالسيطرة علي طرق المواصلات في البلاد.. الخ، أي إلي أن يتحقّق ذلك كلّه سلماً من دون طلقة واحدة، فلو أنّ الفرنسيين كانوا يريدون الحرب ويكرهون السلام لما وجّهوا ذلك الإنذار العلني الصريح! وهكذا أثبت السوريون أنّهم عدوانيون، فلو وافقوا علي ما جاء في الإنذار السلميّ المتمدّن لما نشبت معركة ميسلون، ولما تواصلت الحروب التي أرغم الفرنسيون علي خوضها كي يحكموا سورية، أي أنّ السوريين هم الذين اعتدوا علي الفرنسيين يوم ميسلون!

وماذا عن فلسطين؟ لقد كان علي الفلسطينيين منذ البداية، منذ صدور وعد بلفور عام 1917، إخلاء البلاد سلمياً لصالح اليهود الخزريين الأوروبيين، الذين أعلنوا أنّ فلسطين كانت بلادهم قبل آلاف السنين، وأنّها لا تزال كذلك بعد مرور آلاف السنين، بشهادة وموافقة المجتمع الدولي المتمدّن في دول حلف شمال الأطلسي، لكن الفلسطينيين لم يقتنعوا، واعترضوا علي عملية التسليم والاستلام بأسلوبهم غير الحضاري وغير المتمدّن، أي علي التسليم والاستلام بلا حرب ولا ضرب، فبرهنوا أنّهم عدوانيون ومخرّبون وإرهابيون بالسليقة، مثل إخوانهم السوريين، وفرضوا الحروب المتوالية علي الإسرائيليين المتمدّنين المسالمين فرضاً، ولذلك لم يكن غريباً أن نسمع غولدا مائير تصرّح ذات مرّة قائلة: لن نغفر للعرب أنّهم أرغمونا علي قتلهم . أمّا في العراق، آخر مسارح عمليات التمدين والتحضير والتضحية النزيهة التي أخذها الغرب علي عاتقه، فقد كان الأمريكيون يتوقّعون دخول بغداد سلمياً، وأن يستقبلوا بالورود والرياحين، لأنّهم يحبّون السلام والورود والرياحين، ولأنهم يريدون احتلال العراق سلمياً، ولأنهم يكرهون الحرب ويريدون الإقامة في العراق وإدارة شؤونه من دون حرب، لكنّ العراقيين، مثل إخوانهم الفلسطينيين والسوريين، أرغموا الأمريكيين علي اللجوء إلي الحرب، بمقاومتهم للاحتلال السلميّ المتمدّن، وهي المقاومة التي برهنت أنّهم بدورهم عدوانيون ومخرّبون وإرهابيّون بالفطرة.

يقول هنري كيسنجر، أحد أبرز دهاقنة السياسة والدبلوماسية الأمريكية الصهيونية: إنّ دور الدولة في الشرق الأوسط يتجه نحو الهبوط، وإنّ أصول هذا الهبوط تعود إلي كيفية تأسيس وبناء الدول (العربية خاصة) فقد أقيمت هذه الدول علي أيدي القوي المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولي ـ كما يشرح كيسنجر ـ فلم تعكس حدودها الاعتبارات الإثنية أو التمايز اللغوي ـ بل التوازن بين القوي الأوروبية، واليوم فإنّ الإسلام المتطرّف يهدّد البنية الهشّة لهذه الدول، وبما أنّ النظام الدولي والبنية الداخلية لهذه الدول (العربية والإسلامية) لا شرعية لهما من وجهة نظر الإسلاميين، حيث عقيدتهم الإسلامية لا تترك سوي مساحة صغيرة للمفاهيم الغربية حول المفاوضات، وحول التوازن، في منطقة ذات أهمّية حيوية لأمن الدول الصناعية وعافيتها، فإننا لا نملك خيار الانسحاب (من المنطقة العربية) ونستطيع التراجع من أيّ مكان، كالعراق، ولكن نبقي مجبرين علي المواجهة من مواقع جديدة (في المنطقة) وإن كنّا سنتمتع فيها علي الأرجح بقدر أقلّ من الأفضلية .

إنّ ما جاء في كلام هنري كيسنجر يؤكّد ما ذهبنا إليه بصدد الوظيفة التضليلية الثابتة المستمرّة لأجهزة السياسة والدبلوماسية الأطلسية، فليس في المنطقة العربية ـ حسب أقواله ـ مشكلة تستحق الذكر سوي مشكلة الدول (الدويلات المصطنعة) التي أقامها الأوروبيون، إنّما ليس كما يجب أن تقام (علي أسس إثنية ولغوية) فأصبحت اليوم هشّة ودورها في انحدار، أي أنّها فقدت القدرة علي مواجهة شعوبها غير المتمدّنة دفاعاً عن مصالح الدول المتمدّنة! كذلك ليس في المنطقة العربية من مشكلة تستحقّ الذكر سوي مشكلة الإرهابي الظلامي المعتدي يوسف العظمة الذي ظهر من جديد، متلفّعاً هذه المرّة بعباءة الإسلام!

إنّ حديث كيسنجر عن التراجع التكتيكي من مكان ما، كالعراق مثلاً، وتأكيده علي الأهمية الحيوية لبلادنا في ما يتعلق بأمن الدول الصناعية وعافيتها، وعلي استحالة الانسحاب الاستراتيجي، يظهره وكأنّ لسان حاله يقول: لقــــــد خدعناكم وهزمناكم أيها العرب وأنتم ترفعـــون رايات الحرية والاستقلال في الحرب العالمية الأولي، ونجحنا حينئذ في إظهاركم كإرهابيين! وخدعناكم وهزمناكم وأنتم ترفعون رايات القومــــــية والوحدة والتقدم والاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية، ونجحنا في إظهــــاركم كنازيين وفاشيين! واليوم، في هذه الحرب العالمية الثالثة، سوف نخدعكم ونهزمكم وأنتم ترفعون رايات الإسلام الفاشي الإرهابي، ولسوف نجد بينكم، كالعادة، من يتجاوب مع خطابنا ويسعي إلي التفاهم معنا من أجل إيقاف الحرب وإحلال السلام!

كاتب من سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى