صفحات مختارة

حول العصيان المدني

null

منصف المرزوقي

مفهومٌ مؤهل بعد أحداث المحلة في مصر وقفصة في تونس لدخول قاموس السياسة العربية، ومن الأفضل أن تتضح خفاياه حتى نعرف على الأقل حول ماذا سنتخاصم.

هو مكوّن من كلمة عصيان، أي رفض طاعة قوانين لا تحمي الحقوق وإنما تنتهكها، ومن كلمة مدني ولها ثلاثة معان:

المعنى الأول ألح عليه غاندي كثيرا، وهو ضرورة اتسام رفض طاعة القوانين الظالمة بكل خصائص التمدّن من كياسة مع الخصم واستعداد للحوار معه.

المعنى الثاني للتفريق بين العسكري والمدني، مما يعني أن العصيان بالضرورة لاعسكري، غير مسلح، غير عنيف.

المعنى الثالث هو المواطنة بما أن المفهوم في الإنجليزية والفرنسية يحيل إلى المدينة أي إلى ساكنها بالمفهوم الإغريقي القديم أي للمواطن.

من المنظرين من يضيف بعدا رابعا بمواجهة المدني بالجنائي للتأكيد على أن العصيان المدني لا يناهض أبدا قوانين عادلة ومن ثم لا يتابع غايات إجرامية.

والآن إذا نظرنا إلى طريقة ممارسته عبر التاريخ الحديث لاكتشفنا جملة من الثوابت تمكننا من إعطائه التعريف التالي:

العصيان المدني على الصعيد الفردي موقف مبني على جملة من القيم أساسها رفض الظلم والخضوع للطغيان، ويصب على الصعيد الجماعي في تحرك سياسي يتسم بالوقوف الثابت والمنظم والعلني والمتواصل في وجه كل القوانين المضادة للحقوق الشرعية للفرد والمجتمع، والعمل على تعطيلها وإزالتها بكل الوسائل السلمية دون غيرها.

السؤال الآن: من أين برز هذا المفهوم؟ وما محطات تطوره؟ فالفهم الدقيق له -كما هو الحال بالنسبة لأي مفهوم- يمرّ بمعرفة المنشأ والتطور، ونرى أنه مر بثلاث محطات رئيسية:

الأولى ولادته من أب أميركي هو الفيلسوف والشاعر هنري ديفد طورو (1817-1862)، وكان من أكبرالمناهضين للعبودية وسخّر حياته للدفاع عن العبيد الفارين.

في عام 1846 سجن لرفضه دفع الضرائب محتجا بمعارضته للسياسة الأميركية ومنها الحرب ضد المكسيك. وهو أول من استعمل المصطلح ونظّر له في كتابه الشهير “العصيان المدني” الذي يقول فيه “لو رفض ألف دفع ضرائبهم، لن يكون هذا عملا دمويا خلافا للدفع الذي سيمكّن الحكومة من مواصلة الحروب وإراقة الدم البريء.

ها قد أصبحت الثورة السلمية ممكنة. وإذا سألني جابي الضرائب ماذا أفعل؟ أقول له استقل. وعندما يرفض المواطن الطاعة ويستقيل الموظف تكون الثورة قد نجحت“.

هذا الحثّ على وضع الحق فوق القانون، والضمير فوق الطاعة العمياء، هو الذي سيؤثر بعمق في تولستوي وغاندي.

المحطة الثانية هي تطبيق هذا الأخير لأفكار طورو وذلك عبر ملاحم معروفة منها مطالبته عام 1906 العمال الهنود في جنوب أفريقيا برفض إعطاء بصماتهم تطبيقا لقانون عنصري.

في عام 1930 طالب غاندي مواطنيه بمقاطعة الملح الذي كانت جبايته مصدرا هاما للخزينة وقاد الجماهير نحو البحر ليستخرجوا منه ملحهم. وبقية معاركه معروفة إلى أن انتهت بصرخة “غادروا الهند” التي انتقل فيها الرفض من القوانين الاستعمارية إلى الاستعمار نفسه.

المحطة الثالثة هي معركة الحريات المدنية التي قادها مارتن لوثر كنغ في ستينيات القرن الماضي برفض الانصياع للقوانين العنصرية للولايات الجنوبية.

لا ننسى تعدد مظاهر العصيان المدني طوال القرن الماضي خاصة في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا، سواء تعلّق الأمر برفض القوات المتحاربة مواصلة إطلاق النار في الحرب العالمية الأولى، أو في فرنسا دعم البعض استقلال الجزائر، أو منع العصاة المدنيين تحرك النفايات النووية في ألمانيا، ومؤخرا التصدي لزرع الذرة المحوّرة جينيا الذي يقوده المزارع الفرنسي جوزي بوفيه.

لينتبه القارئ أن أغلب هذه العمليات وقعت في بلدان ديمقراطية، فلا أحد سمع عن عصيان مدني تحت هتلر وموسوليني وتشاوسيسكو، حتى الهند ما كانت لتعرف ظاهرة غاندي لو كانت جزءا من الإمبراطورية السوفياتية.

الأرجح أنه لو برزت فيها ظاهرة كهذه لما استقبل غاندي كبطل في روسيا من جماهير متعاطفة مع قضيته، ولانتهى سريعا -هو ونهرو- في محتشد في سيبريا.

العصيان المدني ظاهرة تكاد تختص بها البلدان الديمقراطية!

وفي ملاحظة ثاقبة، تذهب حنا أرندت (صاحبة المقولة الشهيرة: في النظام الدكتاتوري كل شيء على ما يرام إلى ربع الساعة الأخيرة) إلى حد القول إن العصيان المدني مفهوم أميركي حتى النخاع.

لتدعيم موقفها تذكّر بروح إعلان الاستقلال عام 1776 وما كتبه جفرسون “نحن نعتبر هذه الحقائق بديهية بطبيعتها.. أن كل البشر يولدون متساوين، وأن الله حباهم بحقوق غير قابلة للتصرف، منها حق الحياة والحرية والبحث عن السعادة، وأنهم يستعملون لضمان هذه الحقوق حكومة تستقي حكمها الشرعي من رضى المحكومين.

لكن إذا عنّ للحكومة -أيا كان شكلها- تجاهل هذه الغايات، فإنه من حق الشعب إلغاؤها وإنشاء حكومة جديدة“.

ليس من باب الصدفة إذن أن يكون أبو العصيان المدني من مواليد بوسطن، فكل ثقافته السياسية تنبذ روح الطاعة لتحثّ، بل ولتشرع لرفض كل ما يشتمّ منه انتهاك الأهداف الأساسية للدستور.

لكن كيف يجوز الوقوف في وجه قوانين شرّعتها برلمانات تمثل الشعب؟ أليس من المجدي الانصياع لها وتغييرها بالآلية الشرعية المتاحة وهي الانتصار في الانتخابات بعد إقناع الشعب بصواب القضية المدافع عنها؟

هنا يتضح بعدان هامان جديدان لمفهوم العصيان المدني، فبديهي بالنسبة للعصيان المدني أنه يمكن أن تكون هناك قوانين ديمقراطية وظالمة، مثل التي سنّتها البرلمانات الفرنسية والبريطانية لإدارة مستعمراتها، خاصة أن الأغلبيات التي تصنع القوانين لا تمثل الشعب ولا تدافع بالضرورة عن قيم بقدر ما تدافع عن مصالح وتمثل موازين القوة في لحظة معينة بين قوائم انتخابية متنافسة.

الضامن هنا لفرض تطابق القوانين مع الحق هو ضمير المقاوم المدني الذي يستطيع أن يجهر: رغم أن الأغلبية قبلت بهذا الظلم، فإنني من موقعي كمواطن مسؤول، أرفضه وأنبّه لعواقبه.

البعد الثاني سياسي ويتعلق هنا بسدّ ثغرة في عمل الآليات الديمقراطية، فرغم حسناتها التي لا تضاهى بالمقارنة مع آليات النظام الاستبدادي، هي ليست مثالية حيث لا توجد إلى اليوم ديمقراطية مثالية وإنما أنظمة تقترب أو تبتعد عن النموذج المنشود.

فالمواطن “يختفي” بين استحقاقين انتخابيين حيث يعتبر دوره منتهيا بعد إدلائه بصوته.. أي سلطة له إبان الدورة التشريعية على الممثلين الذين فوّض لهم السلطة؟ أو أي خيار له إذا أدت اللعبة السياسية إلى سنّ قوانين ظالمة أو اعتماد سياسات منافية للمبادئ المصرّح بها؟ لا شيء.. سوى العصيان المدني.

الخلاصة أن العصيان المدني أداة لا يمكن أن تتواجد إلا داخل النظام الديمقراطي للضغط المتواصل على هذا النظام حتى لا يحيد عن مساره في السعي إلى مزيد من الديمقراطية، فمن أين أتت الفكرة الغريبة لكاتب هذه السطور أو لقيادات “كفاية” و”الكرامة” في مصر أنه قد يصبح أداة فعالة لمحاربة الدكتاتورية؟

يكتشف كل من يدرس وطننا العربي أن الشروط الثلاثة لتوفره غير موجودة.

أولا- النظم الاستبدادية تمنع استباقيا أي حركة احتجاجية توفي بمواصفات العصيان المدني، أي التنظم العلني والمتواصل لإنهاء القوانين المنافية للحقوق بما أنها ركيزة وجودها.

ثانيا- لقد أضعفت سياسات القمع وحاصرت وحتى شلت المجتمع المدني القادر على قيادة وإدارة مثل هذا العصيان.

أخيرا وليس آخرا- المجتمع العربي متشبع بثقافة الطاعة كما هو متشبع بثقافة التمرد العنيف. المشهد العراقي صورة كاريكاتيرية لهذا التأرجح العربي بين الخضوع والتمرد.. بين الاستبداد والفوضى.

من أين لأمة كهذه أن تتبنى أو تقود خيارا يجمع بين شق عصا الطاعة وشقها بصفة سلمية؟ الردّ في اعتبار المشهد العام وخاصة في متابعة ديناميكيته.

ما من شك أن النظم الاستبدادية العربية الحالية غير التي عرفتها ألمانيا النازية وروسيا الستالينية أو حتى عراق صدام أو سوريا الأسد في الثمانينيات.

فنحن أمام أنظمة بالغة الاهتراء نزفت من كل مصداقية ومن كل هيبة، تعيش في حالة حصار ورعب. هذا لا يعني أن هذه الحيوانات الكاسرة -وإن ضعفت وهرمت- ليست قادرة على ضربات مخالب أخيرة موجعة.

ما نعنيه أنها ماتت في العقول وفي القلوب، ودفنها في أرض الواقع مسألة وقت يطول أو يقصر لكنه آت لا ريب فيه. هذا الضعف المخفي وراء القسوة والمكر، هو الذي يفسّر تمكن المجتمعات المدنية من الوقوف على قدميها ومن التوسع المطرد ولو ببطء وصعوبة.

أما ثقافة الطاعة فهي أيضا في انحسار متواصل نتيجة انهيار صورة المستبد الظالم، وإغراء الأنماط الجديدة لبطولة المقاومة المسلحة، ناهيك عن دور رياح الخارج في “تلقيحنا” بأفكار وإستراتيجيات جربتها شعوب غيرنا، وهي الآن -مثل الإعلامية- تحت تصرفنا.

هنا يجب أن لا يجرفنا جذل التفاؤل بعد تخلصنا من إحباط التشاؤم، فالعصيان المدني ليس البديل المنتظر والوصفة السحرية وإنما سلاح إضافي.

لنتذكّر أن المجتمع كائن حيّ، ذكي، له ذاكرة تاريخية يغرف منها لشق طريقه نحو المستقبل بوعوده وأخطاره.

في هذا الإطار، مجتمعاتنا بصدد تجريب مختلف الوسائل للتخلص من عدوها الأكبر، أي نظامها السياسي الذي هو اليوم حجر العثرة الرئيسي في طريقها.

هي تجرّب عبر حاملي فكر وطبع معيّن، التوجه الإصلاحي القائل بإمكانية التغيير من داخل الاستبداد بالمشاركة في “انتخاباته ” ودخول “برلماناته” وقبول تطوره البطيء “جدا“.

هي تجرّب عبر فريق ثانٍ المقاومة المسلحة، وعبر فريق ثالث العمل السري داخل أجهزة النظام نفسه لحلّه على الطريقة الموريتانية.

ها هي اليوم تلجأ لوسيلة رابعة لتحقيق الاستقلال الثاني. لماذا؟ بداهة لأن التغييرات من داخل السلطة تأخرت كثيرا، و لن يعجل المخاض إلا ضغط مقاومة المجتمع المدني.

هناك أيضا ارتطام الخطاب الإصلاحي بحائط من الإسمنت المسلح، فالطرف الثاني يرفض أي مسّ “بالمقدسات”، أي الحقّ في التأبيد في السلطة وتوريثها، وتزوير الانتخابات، ومصادرة أجهزة الدولة، أي أنه لا يقبل إلا بالإصلاح الذي لا يصلح شيئا.

أما حلّ المقاومة المسلحة كما جرّب في مصر والجزائر، فلم يثمر شيئا وربما لو أثمر لكان الدواء أمرّ من الداء.

وفي كل الحالات هو لا يفعل حاليا سوى تثبيت استبداد أصبحت مقاومة الإرهاب لصالح الغرب ورقته الأخيرة.

لكل هذه الأسباب ظهر خيار المقاومة المدنية، فالأفكار لا تظهر في مجتمع من عدم، وإنما تنبثق من حاجة ومن نضج الظروف، وأصحابها ليسوا سوى وسائط تنطق بما يعتمل في عمق الوعي الجماعي.

كل هذا لا يعني بالطبع نجاح العصيان المدني حتميا، فالمجتمع سيواصل لعب أوراقه في نفس الوقت، والظروف هي التي ستحدد ورقته الرابحة.

مسؤولية الثوار السلميين القيام بالمهمة التي أوكلها لهم المجتمع، وهم على ثقة بأن الطريق الذي ينتهجون هو الأكثر تلاؤما مع طبائع دكتاتورياتنا التي لا تستحي وإنما تخاف، والأقل تكلفة من الدم والدموع، وأكثر الخيارات قابلية للتعجيل بنهاية الكابوس.. والمستقبل وحده الحكم.

___________

كاتب تونسي

الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى