صفحات مختارة

قضية المرأة في مشروع الإسلاميين

شمس الدين الكيلاني
رموز الإصلاح الإسلامي، زمن عصر النهضة، في جدل ثري مع العالم والحداثة الغربيين، من موقع إدراكهم للفارق الذي بات يفصلهم في مجال الحضارة عن أوروبا، انطلاقاً من الاعتقاد بأن هناك توافقاً بين جوهر الإسلام وقواعد المدنية الحديثة، ولذا لم يتحفظوا من الاقتباس منها، لاستئناف (رقي) بلادهم، ولم يكن تجديد حياة المرأة، خارج مرأى رقيهم هذا، فكان أن أشار الطهطاوي إلى أن عمران المماليك يقوم على حفظ حقوق الرعية بالتسوية في الأحكام، والحرية، وصيانة النفس، والمال، والعرض (الأسرة) على موجب أحكام الشرع.
ولعل أهم قضايا المرأة التي أثارها الإصلاحيون، هي مسألة تعليم المرأة، والحجاب والطلاق، وتعدد الزوجات.
فدعا الطهطاوي إلى تعليم البنات، ورأى أن وقوع اللخبطة لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الخيرة أو الخسيسة، وهو ما ذهب إليه الشعار بالتشديد على ضرورة تعلمها، شريطة استعمال العلم لمطالعة الكتب لتهذيب الأخلاق، وألا تستخدمه للمكائد، وأبدى اعتراضه على ما سماه “حجر النساء في البيوت”، وأثار الأفغاني موضوع مساواتها بالرجل، فيشير “لا مانع من السفور إذا لم يتخذ مطية للفجور” ويدعو إلى الزواج بواحدة فحسب، أو الكف عن الزواج، إلا أنه أبى أن “تشارك المرأة شقاء عمل الرجل على حساب إدارة مملكة البيت، وتربية الأطفال”، أما تلميذه محمد عبده، فكان أبرز المجتهدين في الإصلاحيين، الذي أعاد التفكير بالنص التأسيسي على قاعدة توافقه مع المنطوق العقلي، وتوافقه مع وقائع عصره، فتطرق قضايا المرأة، في سياق أُطروحاته الإصلاحية، معتبراً الزواج “ميثاقاً غليظاً”، قطرياً، ويشدد على المساواة بين المرأة والرجل باستثناء الرئاسة”، تفسيراً للآية “والرجال قوامون على النساء”، وهو أمر ناتج عن كفالة الرجل للمرأة، ويفسر الآية التي تبيح تعدد الزواج شرط العدل، على أنه ناتج عن إباحة لعادة موجودة سابقاً، وأن شرط العدل، أتى بغيضاً أكثر منه تحبيذاً له، ولقد وصل التفكير الإصلاحي الإسلامي ذروته مع تأليف قاسم أمين في “تحرير المرأة”، وهو مؤلف ذهب البعض إلى أن عبده قد شارك في تأليفه، وأبدى تأييده له إثر صدوره، وأطراه تلميذه رشيد رضا في مجلة المنار قبل انقلابه الفكري، حيث مزج أمين بين المرجعية الإسلامية، والمرجعية الحديثة، فقد افترض أن العائلة أساس المجتمع، ويرتبط تقدم الأخير بارتقاء المرأة.
لكن من تبدل المناخ الثقافي والسياسي، إثر الحرب العالمية الثانية، وانهيار الخلافة العثمانية، وبروز الوجه الاستعماري للحداثة الغربية، بعد أن قسمت العالم العربي، ورعت المشروع الصهيوني، انكمش التيار الإصلاحي على الذات، وازداد تمسكاً بالهوية، والاستقلال الثقافيين، ومن هذه العلائم تراجع “محمد رشيد رضا” عن تأييده لأُطروحات أمين، إلى كتابه “نداء للجنس اللطيف” ودعوة المرأة للالتزام بأحكام الشريعة، ثم ازداد هذا الميل الانكماشي عند التيار “الاخواني”. في تشديده على المرجعية الإسلامية وحسب، وبالتالي على حق الإنسان إتباع الطريق الشرعي لبناء الأسرة وإنجاب الذرية، وإعفاف النفس، لجأ إسلاميو (أو صحويو) النصف الأول من القرن الماضي إلى الإسلام لبيان أنه أعطى المرأة حقوقاً سبق بها التشريعات الحديثة، فرفع الإخوان شعار “القرآن وسفورنا” فتردد صداه من الباكستان إلى المغرب، كعنوان للخصوصية الثقافية الحضارية، إلا أنهم تميزوا السلفيين التقليديين، في تأييدهم لتعليم المرأة، ولمشاركتهن الحياة العامة، فالمرأة عليها أن تناضل وتدرس، وتعمل شريطة أن تظل منقبة، ولا يحظر عليها سوى القضاء والرئاسة.
سيزيد الإسلاميون (الصحويون) تصلباً في فترة الستينات والسبعينات، بالتوازي مع صعود “الأنظمة التقدمية” وتحكمها بالمجتمع والدولة، وفرضها نظماً (مستوردة)، فصار الأمر سجالاً، ورفضاً قاطعاً لأي مرجعية خارج دائرة الإسلام، مع اكتساب هذا النبذ طابعاً تكفيرياً مع سيد قطب، الذي غدا مع جماعة المودودي النواة المركزية للتيار الإسلامي التكفيري، الذي طال بتكفيره الدولة إلى المجتمع نفسه، معتبراً إي اقتباس من الحداثة، نوعاً من الجاهلية، بما فيها الاقتباس مظاهر السلوك النسوي الحديث، وتميز هذا التيار عن الإصلاحية، والسلفية الداعيتين إلى أسلمة المجتمع والدولة عبر التربية. للوصول إلى تطبيق الشريعة، بثلاثة علائم، إتباع طريق الثورة وقتل الفرعون كطريق لأسلمة المجتمع والدولة، وثانياً بالنظر إلى الإسلام كنظام شامل لا يحتاج إلى مرجعية أخرى، وثالثاً هو اهتمامهم الخاص بالمرأة، بدعوتهم إلى مشاركة المرأة بالشأن العام، والعلم، وفي العمل، والجهاد، والحركية السياسية، من وراء حجاب، كل هدفهم إعادة النساء إلى المنزل كما يفعل السلفيون، بل فصل الجنسين في المجال العام، وتخصيص أماكن خاصة لهن في المسجد، والأماكن العامة، مع تبسيط النقاب، بحيث يؤمن لهن الاحتشام مع المشاركة.
سيظهر تغير على مواقف الإسلاميين بعد أن شعروا بالثقة بالذات، بتحولهم إلى قوى جماهيرية واسعة، ومع انتصار الثورة الإيرانية، إلى جانب دروسهم لإخفاقاتهم في العديد من البلدان، ونجاحاتهم في العمل السلمي / البرلماني، في الأردن، وباكستان، ولا سيما بعد أن هيمنوا نسبياً على المجال الثقافي على حساب القوميين واليساريين، والليبراليين، فاتجهوا نحو تهيئة أنفسهم ليكونوا شركاء في السلطة، أو مديرين لكفتها، أو منافسين في المباراة الانتخابية، وقد تواقت هذا، مع الرواج الواسع لمفاهيم حقوق الإنسان، والديمقراطية، وازدياد الطلب عليهما، فكان لابد للإسلاميين من عرض مفاهيمهم الخاصة، مع تغير وجه المعركة الثقافية، التي صارت “حقوق الإنسان” ميدانها الرئيسي، بما فيه “حقوق المرأة”، فتقدموا في الثمانينات بإعلانات عن “حقوق الإنسان” في الإسلام، وساهموا في كتاباتهم المختلفة عن الموضوع نفسه، فنقل الإسلاميون اتجاه المرجعية من “الحقوق الطبيعية”، إلى المفهوم القرآني “الاستخلاف الإلهي”، وبدلاً من “حقوق الإنسان”، انطلاقاً من مركزية الإنسان ومصالحه الأرضية، أدرجوا تلك الحقوق المرأة تحت بند “حفظ النسل وحقوق الأسرة” الواجبة شرعاً، وعادوا إلى مدونة الشاطبي، مستأنفين جهود المدرسة الإصلاحية، في اعتماد مقاصد الشريعة كمرجعية عليا للتشريع، فنظروا إلى حقوق المرأة من زاوية فقه المقاصد، الذي يضع المصلحة العامة كفاية للشريعة، وهي بأصنافها الثلاثة حسب الشاطبي: ضرورات وحاجيات، وتحسينات، وتتضمن الضرورات: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، وهذا الأخير يشمل حفظ النسل، بما فيه من حق إقامة أسرة، وما يتفرع عنها، من حقوق للمرأة، زوجة، وأم، وأخت، وابنة.
فإذا كانت الرابطة الإيمانية هي التي تجمع المرأة والرجل على مستوى الأمة في إطار الاستخلاف الإلهي، فإن الأسرة تمثل الوحدة التي تجمعها على مستوى الجماعة، ومفهوم (استخلاف) الله للإنسان يشمل الرجاء والنساء، وهو أساس توحيد المرأة والرجل، فالمساواة هنا هي الأصل، والتي تتمثل في القيمة الإنسانية، المساواة في الحقوق الاجتماعية، وفي المسؤولية والجزاء، أما الجوانب النسبية للمساواة فتتعلق باختلاف الاثنين في بعض الخصائص، التي تخدم تكاملهما، أما “القدامة” فإنها مسؤولية تكليفية على الرجل في أسرته، بأن يوفر الحماية، والحاجات اللازمة لأسرته، ويسويها بالعدل، وتخضع لاشتراكات تؤمن حقوق الأطراف الأخرى في الأسرة.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى