صفحات العالمما يحدث في لبنان

تأليف الحكومة وفهم المخاطر الإقليمية

سليمان تقي الدين
الصوم السياسي عن الكلام رائع هذه الأيام، ليته يعم جميع الأطراف دون استثناء. نحن بحاجة إلى فسحة بيئية نظيفة سمعية بصرية. لا نجد في كل ما يقال منذ شهرين أي تفسير للأزمة الحكومية، أزمة التأليف. لا الذين يتحدثون عن عقبات الداخل يقنعون ولا الذين يتحدثون عن عقبات الخارج. يظهر أن العقدة في «ترسيم الحدود» بين الداخل والخارج الذي يتحرك فيه السفراء بكثافة إلا السفير الذي خاض البعض معركة حضوره. لا نريد صيغة تعطل عمل الحكومة فنعطل تشكيل الحكومة نفسها. أهل الحل والربط، هم غير ما يتصورهم عامة الناس. كان يجب أن يعرف الجمهور وقائع اتفاق «الطائف» ووقائع اتفاق «الدوحة» ليعرفوا هزال النخبة السياسية المتحكمة ودونيتها أمام الخارج.
إن سعر الطبقة السياسية عندنا، أي حاجاتها ومصالحها باتت معروفة. نحن «دولة فاشلة» بكل المعايير منذ أن آلت الأمور في السلطة إلى قيادات همها الأول والأخير حصتها من السلطة. لكن رصيدها في ذلك ليس معزولاً عن الرعاية الخارجية. لو أمكن لنا أن نكتب سيرة هؤلاء القادة وكيف تتم تنشئتهم والعناية بهم وترويضهم كما تدريب الخيول لعرفنا أيضاً وجهاً أساسياً من أزمة بلادنا. يمكن لكل دولة أن تقول في لحظة ضيق كما قال أحد القادة «فلان نحن اخترعناه». وفي أواسط الثمانينيات علق منسق أنشطة العدو الإسرائيلي (لوبراني) على تصريحات أحدهم العنترية بالقول: «تعودنا التعامل في لبنان مع الوقائع لا التصريحات». خطاب النخبة السياسي الحاكمة كله مزيّف قائم على مقتضيات السوق. لا شيء من دون ثمن.
قليل من اللبنانيين يعرفون أن «العالم السفلي» أو عالم «الغرف السوداء» هو الذي يقرر مصيرهم وأن حرية الإعلام في لبنان لم تلامس أبواب هذا العالم ولم نكتب يوماً تاريخنا الفعلي الواقعي الذي يصنعه خليط من رجال الأعمال والمقاولين في السياسة مع القوى والمصالح الخارجية.
تشكلت الحكومة أم لم تُشكل في المدى القريب، هي ليست في أي حال من يستطيع أن يرفع عنا اثقال السنوات الممتدة منذ أربعة عقود. عندما تحررت بيروت والجبل عام 1983 من الاحتلال الإسرائيلي كانت المهمة أن نزيل آثار العدوان. لقد تركت إسرائيل خلفها أعمق الجراحات في البنية السياسية والنفسية والديمغرافية، ولا أظن ان تلك قد عالجناها. تحت شعارات الوحدة الوطنية ما زال يجري أكبر فرز طائفي ومذهبي. الانعزال يعم جميع الفئات. كل المصالحات التي جرت بعد الحرب الأهلية حتى هذه اللحظة هدنات سياسية لم تستقر في الوعي الجماعي والوجدان. تأليف الحكومة له وظيفة وطنية واحدة أن يوقف جيشان المنافسة الطائفية والمذهبية في الصراع على السلطة لعل وعسى. وفي خط معاكس يبدو تأخير التأليف على أنه تحفظ أو حذر أو رفض ضمني لمنطق الشراكة وكأن وراء ذلك رهاناً على متغيرات هي بالضرورة خارجية لتثبيت هذا الاتجاه أو ذاك.
ما يقلق في اللعبة السياسية اللبنانية، إذا أحسنا النيات إلى أبعد حد، أنها لا تأخذ بنظر الاعتبار تصاعد العنف السياسي الطائفي في المنطقة. ثمة دول مركزية تتفكك أو تعيش في الفوضى. كل السعي الأميركي لاحتواء النزاعات الكبرى نحو صياغة معادلة إقليمية جديدة لم تفلح حتى الآن بإرساء القواعد. ما زالت الأمور في مرحلة التفاوض الأولى ومحاولة بناء الثقة. هذا ما يفسر ان قوى عديدة ما زالت تعمل على تحسين شروط التفاوض والضغط عبر مسلسل التفجيرات هنا وهناك. هذا الاختمار السياسي للمنطقة يقوم على عفن الدماء والأشلاء وعلى نشر روح البغضاء والحقد بين مكونات المجتمعات العربية وجوارها لبنان المعلق الوجود منذ أربعة عقود على انتظار حلول مشكلات المنطقة تضعف مناعته كمجتمع وليس كدولة فقط أو كحكومة. العنف هو القاطرة السريعة للتاريخ. عندما تتوطن مجموعات التطرف أو التشدد أو الأصولية أو التكفيرية أو ما شئنا من تسميات في بلد صغير بهذا النسيج المركب والمعقد، إذا وقعت حادثة واحدة يرتجّ من أقصاه إلى أقصاه.
قد لا يحتاج بلد من هذا النوع إلى حرب خارجية إذا استطاع الخارج أن يسقط القلعة من داخلها. وكذلك اختراق القلعة على المستوى السياسي قد يسهل مهمة الحرب. البديهة تقول إن الحرب امتحان لجميع قدرات شعب أو مجتمع. نحن نقول اليوم إن المجتمع الإسرائيلي صار طرفاً في المعادلة بفضل قوتنا ومقاومتنا. لماذا لا نحسب بصراحة ووضوح دور المجتمع اللبناني اليوم في عداد حساباتنا لمصادر ضعفنا أو قوتنا؟ إذا صح ما نقول نستطيع أن نتهم معرقلي تأليف الحكومة على الأقل بالقصور في إعادة لم شمل البلاد ومعالجة مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية. لبنان بهذا المعنى جزء من التوازنات الإقليمية ومن النظام الإقليمي الذي صمد أمام الهجمة الأميركية، لكنه نظام مخترق بالجراح التي يجب مداواتها قبل أن تلتهب. إزالة آثار العدوان مجدداً في غزّة التي صمدت في وجه إسرائيل وخرجت من المعادلة الوطنية الفلسطينية. في إيران التي صمدت أمام أميركا ولم تفلح في نشر الثقة مع العرب ولا حتى في تعزيز وحدتها الداخلية من غير إجراءات نصفُها مؤقتاً بالاستثنائية. والعراق الذي أطلق العملية السياسية ومشروع بناء الدولة لكنه ما يزال يعاني صعوبات تكوين وحدته الوطنية.
لقد صار الخليج العربي الأكثر استقراراً بين أزمتين في العراق وفي اليمن إذا لم نذكر حراك الدواخل في البحرين أو الكويت أو المملكة الأكبر. هذا واقع عربي لا يحتاج إلى حرب خارجية جديدة لأنه يعيش تداعيات الحرب التي لم تخرج منها المجتمعات العربية بالدروس الحقيقية. لم نفهم بعد مغزى تفكيك العراق، ولم نفهم بعد مغزى لعبة المحاور العربية بين اعتدال وممانعة. تأسست في مجتمعاتنا عناصر التفجير، لقد زرع الغرب وإسرائيل سلسلة ألغام وقنابل عنقودية سياسية تنفجر بالشيوخ في السياسة والأطفال الأبرار. هذه لحظة تاريخية للمراجعة لدى جميع القوى والتيارات والدول. ولبنان هذه المرآة العاكسة. وهذا البلد الذي تختبر فيه الكثير من السياسات الإقليمية عليه في جميع القوى أن يعيد قراءة وجهة التاريخ الذي يجرجرنا في هذه المنطقة.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى