صفحات مختارة

تجربة القوميين العرب في السلطة

عبد الاله بلقزيز
في سنوات الخمسينات والستينات، نجحت الحركة القومية العربية في الوصول إلى السلطة في بعض البلدان العربية. حدث ذلك بعد فترة قصيرة على نشوئها التنظيمي والسياسي لا تكاد تتجاوز جيلاً واحداً. الأمر الذي يستفاد منه أنها كانت أكثر تنظيماً من غيرها من الحركات السياسية الأخرى كالأحزاب الشيوعية والحركة الإسلامية (“الإخوان المسلمون”، “حزب التحرير”، “حزب الدعوة”..) على أن عاملاً آخر ساعدها في هذا الانتقال السريع من الحركة إلى السلطة هو توسلها بالمؤسسة العسكرية لإحداث التغيير في النظام السياسي. وحين نتذكر بأن هذه المؤسسة هي الأكثر تنظيماً وانضباطية وفعالية في مؤسسات الدولة والمجتمع، وهي التي تملك وسائل القوة اللازمة لتغيير التوازن الاجتماعي والسياسي، أدركنا لماذا حصل لجوء الحركة القومية إلى اسلوب الانقلاب العسكري لحيازة السلطة.
بدأت التجربة في مصر، مع تنظيم “الضباط الأحرار” في 23 يوليو ،1952 واستأنفت مع “حزب البعث” في سوريا والعراق بعد سنوات (،1958 ،1963 1968). لم يكن تنظيم “الضباط الأحرار”، الذي أسسه جمال عبد الناصر، حزباً قومياً ولا فرعاً من حزب قومي.
كان خليطاً من الضباط المتباينين فكراً: من المتأثر بالإخوان، إلى المتأثر بالليبرالية، إلى المتأثر بالماركسية، جمعتهم الوطنية المصرية ومرارة هزيمة 48 والفساد والرغبة في التغيير. أما الفكرة القومية، فتبلورت لاحقاً في تجربة السلطة، لا بصفتها فكرة عقائدية، بل بما هي حاجة موضوعية حتى بالنسبة إلى الأمن الوطني المصري. يختلف الأمر في حالة “حزب البعث العربي الاشتراكي”. فهو حزب عقائدي يقوم على فكرة الأمة الواحدة وحقها القومي في وحدة كيانية، ووصوله إلى السلطة في سوريا والعراق ما كان بهدف البقاء في سوريا والعراق بل لغاية وحدوية أعلى (أو هكذا كان الأمر ابتداء). كانت الفكرة القومية تأسيسية في مشروعه ولم يلتقي بها في تضاعيف تجربة السلطة مثل عبد الناصر.
رأى خصوم عبد الناصر و”البعث” في طريقة وصول الأخيرين إلى السلطة انقلاباً وجادلوا في تسميته ثورة. وكان واضحاً ان اسقاط صفة الثورة عن التغيير الذي حدث إنما هدفه اسقاط الشرعية السياسية عنه والايحاء بأنه شكل من الاغتصاب غير المشروع للسلطة أو انه على الأقل ليس تغييراً سياسياً حقيقياً للأوضاع. لكن عبد الناصر و”البعث” لاحقاً أثبت أن ما حصل من تغييرات في البنى الاقتصادية والاجتماعية كان ثورة بجميع المعايير. وحين يستعيد المرء اليوم فقرات برنامج البناء الاقتصادي والتنموي الذي نهضت به الأنظمة المستندة إلى الفكرة القومية والنظام الناصري خاصة يدرك إلى أي حد كان ذلك التغيير في بنى المجتمع شاملاً. فمن سياسة الاصلاح الزراعي (توسعة الأرض المزروعة، تحديد الملكية وتمليك الفلاحين..)، إلى التصنيع، إلى تأمين القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، إلى سياسات إعادة توزيع الثروة والحد من الفوارق الطبقية الفاحشة…، كانت صورة بعض البلدان العربية تتغير فعلاً وتدخل إلى العصر باسم المشروع القومي.
إذا أضاف المرء إلى ذلك كله، ما كان من هذه الأنظمة من سياسات استقلالية في المنطقة، والانخراط المستمر في الصراع العربي الصهيوني وتحمل أكلاف ذلك منفردة، ودعم حركات التحرر الوطني في المغرب العربي واليمن وإفريقيا. والتحالف مع “المعسكر الاشتراكي” العالمي، وتبني سياسة الحياد الايجابي لتعزيز الاستقلال الوطني، وخوض تجربة التوحيد القومي ولو لفترة زمنية قصيرة ولكن (كانت) واعدة..، اجتمعت الأسباب كافة للقول إننا ما كنا في حال تلك النظم السياسية وطريقة قيامها أمام انقلاب عسكري، وإنما أمام ثورة، صحيح انها تمت من طريق الاستيلاء العسكري على السلطة وليس من طريق ثورة شعبية، لكن نتائجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي عينها نتائج أية ثورة، مع فارق ذي اعتبار هو ان التبديد الذي تعرضت له هذه المكتسبات، في ما بعد، ما كان ليحصل بالسهولة واليسر اللذين حصل بهما لو أتت السلطة الثورية من ثورة شعبية أو من صندوق الاقتراع.
من النافل القول إنه في باب المصادفات السياسية السيئة أن القوميين العرب وصلوا إلى السلطة على ظهور الدبابات وليس من طريق حامل اجتماعي شعبي. ولكن أياً يكن أسلوب حيازتهم للسلطة، في ذلك العهد، وعلى الرغم من حيثيته اليوم بل ومن أثره في انتكاس تجربتهم، فإن الكم غير اليسير من المكتسبات السياسية والتنموية التي أنجزوها، يضفي الكثير من أسباب الشرعية على السلط التي أقاموها في بعض البلاد العربية. وهي شرعية مضاعفة للحركة القومية وللفكرة القومية اللتين أقامتا دليلاً على أنهما ممكنان تاريخيان لا حالة طوباوية.
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى