صفحات العالم

تـــــوبـــيــخٌ حــلـــيـــفٌ…

بقلم جهاد الزين
اللهجة التي خاطب بها الامير تركي الفيصل “الاستابلشمنت” السياسي الاميركي، وفي مقدمته، مسمياً إياه بالاسم، الرئيس باراك أوباما لم يسبق لأمير سعودي بارز ونافذ أن استخدمها بهذه العلنية، على الاقل في مجال مناقشة السياسة النفطية للولايات المتحدة الاميركية.
ففي مقاله الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” لعدد ايلول – تشرين الاول 2009 (وهي المجلة التي انتقلت ملكيتها وإدارتها من مؤسسة “كارنيغي” الى “الواشنطن بوست”) يعتبر الامير تركي الفيصل ان شعار باراك أوباما عن “الاستقلال في مجال الطاقة” هو مجرد خطاب ديماغوجي (Demagoguery). إذ يقول الامير ان هذا الشعار مجرد “خرافة” لأنه “لا تلوح في الافق أي تكنولوجيا قادرة على تأمين بديل كامل عن النفط”… وبلهجة حازمة يكاد القارئ “يسمع” نَفَسها التوبيخي يدعو الامير تركي بن الملك الراحل فيصل، ورئيس المخابرات السعودية السابق والسفير السابق في لندن وواشنطن القادة الاميركيين الى “الاقرار بالتكافل” بين الدولتين لأن مصيرهما “مترابط” الى “عقود مقبلة”.
الذي يلفت الاهتمام نقطة ثانية أخرى في مقالة تركي بن الفيصل… هي عندما ينتقل الى اثبات كيف كانت السياسة السعودية الانتاجية في المجال النفطي سياسة مسؤولة عبر قيامها بزيادة الانتاج كلما حصلت أزمة امداد نفطي من الممكن أن تؤثر على حاجات الاستهلاك الاميركي… والعالمي.
وهذه نقطة في غاية الاهمية في إظهار جانب استراتيجي من الدور السعودي كأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. فالامير يذكّر الاميركيين كيف عملت السعودية على خفض اسعار النفط عبر زيادة الامدادات سواء مع قيام الثورة الايرانية عام 1979 وخلال “حرب الخليج الاولى” عام 1991 كذلك بعد “الهجمات الارهابية في 11 ايلول” 2001 معتبراً ارتفاع الاسعار عائداً الى اعتبارات أخرى.
كل ما يذكره الامير تركي صحيح ومعروف في الدور السعودي كاحتياط استراتيجي للامدادات النفطية الى الغرب والعالم. وهو على المستوى الشخصي آتٍ من البيت الذي قيل إن سيده – الملك فيصل – قُتل بسبب دوره المعاكس خلال الأزمة النفطية عام 1973 أي عندما قادت السعودية الحظر النفطي الشهير بسبب الحرب العربية – الاسرائيلية يومها.
الامير تركي، بدءاً من العام 1979 يعطي أمثلة على التزام السعودية تعويض عجز السوق حين تحصل أحداث كبيرة، ورقم القدرة السعودية على زيادة الانتاج هو 4,5 مليون برميل يومياً “كافية لتعويض غياب ثاني وثالث أكبر منتجين في منظمة أوبيك” بين ليلة وضحاها، والمعروف ان الانتاج السعودي الحالي هو ثمانية ملايين برميل يومياً.
ربما تنبغي الاضافة إلى ما يذكره الامير تركي، أو لشرح معنى الجزء الايجابي والموالي من الرسالة التوبيخية التي يوجهها الى الرئيس أوباما، ان هذه القدرة الاحتياطية للانتاج السعودي في حال نشوب أزمة، تلعب دوراً ردعياً أو وقائياً في فترات عدم التأزم من حيث إفهامها لدول مثل ايران أو فنزويلا ان سلاح الحظر النفطي الذي يمكن أن تلجأ اليه هاتان الدولتان سيفقد مفعوله أمام زيادة الانتاج السعودي.
لقد استعملت السعودية سابقاً هذا الدور الردعي. ففي العام 2006 وكان الامير تركي لا يزال سفيراً في واشنطن جاءت “بعثة” من خبراء سعوديين وجالت بين مراكز الابحاث الاساسية في العاصمة الاميركية لتطرح أرقاماً عن قدرة السعودية على تعويض النفط الايراني في الاسواق العالمية في حال حصول هجوم أميركي على ايران… وكانت المسألة يومها – أي الهجوم – مطروحة بقوة، وادارة الرئيس جورج بوش في ذروة استعدادها لبدء تنفيذ المرحلة الثانية “الجراحية” من الانتشار العسكري الاميركي في العراق.
بطبيعة الحال ليست السوق النفطية العامل الوحيد الذي جعل الولاية الثانية للرئيس جورج دبليو بوش تنتهي دون اتخاذ قرار عسكري ضد ايران… لكن الاكيد أن الحساب النفطي – انتاجاً وطرق امدادٍ – هو حساب اساسي في أي احتمال عسكري للمواجهة الاميركية – الايرانية.
سيظل للاحتياط السعودي قدرة استراتيجية ردعية وعملية طويلة الامد اذا صح توقع الامير السعودي، بل جزمه، بأنه لا طاقة بديلة قادرة وحدها على الحلول مكان النفط لعقود آتية… وهذا يذكّر بحقيقة لا يختلف عليها رئيسان في اميركا، حتى لو كانا متباعدين قدر تباعد بوش وأوباما، ان العلاقات الاميركية – السعودية هي علاقات ثابتة متينة واستراتيجية.
بعد الحدث العراقي لعام 2003، كان المعلقون الاميركيون يتجادلون ما اذا كانت الرياض أو دمشق أو القاهرة هي العاصمة الثانية المعرضة للتغيير السياسي… وكم ظهر هذا الجدل ساذجاً عندما تبيّن بسرعة ان الرياض ليست فقط خارج أي طرح تغييري من واشنطن، بل هي الحليف العربي الاول الثابت لواشنطن في المنطقة…
باختصار “المدرسة الواقعية الجديدة” في السياسة الخارجية الاميركية بقيادة الرئيس أوباما… لا تستطيع الانفكاك عن هذه المعادلة… ذات “المضمون النفطي”… والقائمة في التطبيق السعودي على نقطتين:
1- زيادة الانتاج خلال الأزمات.
2- طاقة انتاجية احتياطية ذات قوة ردعية… وقد تكون الثانية أهم… أحياناً.
(alkadaya@hotmail.com)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى