صفحات العالمما يحدث في لبنان

شرعيتان لا تنتجان دولة

سليمان تقي الدين
منَ يطرح اليوم ورشة إصلاحات أو تعديلات دستورية يخطئ في تشخيص الأزمة ووسائل معالجتها. جوهر المشكلة أننا منذ بدء الحرب الأهلية، أي منذ أربعة عقود تقريباً، لم نعد دولة قانون.
المؤسسات الطائفية صارت أقوى من الدولة في حكم الأمر الواقع. لم ينجح اتفاق الطائف في أن يسترد للدولة سلطتها وحقوقها، السياسات التي جرى اعتمادها خلال عشرين سنة أعادت اقتسام الدولة وظيفياً بين القوى السياسية خاصة وان الليبرالية المطلقة التي سيطرت على مشروع اعادة الاعمار بعد الحرب سعت الى تقليص حجم الدولة ودورها.
الادارة الرديفة والخصخصة والمجالس والصناديق أطاحت بفكرة الدولة المركزية ودورها ووظيفتها في التخطيط للانماء المتوازن وفي إعادة بناء الوحدة الوطنية لمرجعية الدولة نفسها. واذا تضافرت على هذه التوجهات المسألة الوطنية في تحرير أرض الجنوب والمسألة الاقليمية التي حالت دون تطبيق القرار 425 وعززت من التدخل الامني الخارجي، صار الأمن نفسه وهو عصب الدولة في مكان ما خارجها.
يعتقد البعض بسذاجة سياسية أن صلاحيات الرئاسة الأولى كما صارت عليه في تعديلات “الطائف” من قبيل السهو أو الغلط، وأنه يمكن سدّ “الثغرات” الدستورية فتستقيم الحياة الوطنية ويصبح للنظام السياسي مرجعية من داخله لحسم النزاعات. يتجاهل أصحاب هذه الطروحات أنه لم يعد ممكناً ومقبولاً أصلاً بمرجعية للنظام الطائفي بعد أن صارت لدينا ثلاث قوى طائفية كبرى تطمح لأن تكون هي المرجع وهي محور النظام.
ما كان عام 1989 (الطائف) خجولاً في تناوله مسألة الشراكة في السلطة التنفيذية، صار صريحاً جلياً بعد انشقاق الاسلام السياسي على نفسه وبلورة كتلتين مذهبيتين لكل منهما سندها الاقليمي القوي.
قام كل مشروع “الطائف” على مرحلة انتقالية تطمئن فيها الجماعات لا سيما المسيحيون عبر المناصفة البرلمانية لكي يصار الى تجاوز الطائفية. النظام البرلماني الذي نص “الطائف” على قواعده ومفاصله في المقدمة والنصوص الدستورية لا يستقيم مع شخصنة السلطة ومذهبتها. اذا كان البعض يريد التمسك بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما يعلن، فهو لا يريد “الطائف” كنظام دستوري متكامل بل يريد ضمناً ثنائية مسيحية سنية في اقتسام السلطة التنفيذية والعودة الى الصيغة الفاشلة لعام 1943 وتعديلاتها الواقعية قبل الحرب. من يريد تعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية التنفيذية فهذا أمر يناقض كل منطق “الطائف” الذي يجعل السلطة التنفيذية في الحكومة التي يشارك فيها الجميع.
الرئاسة الأولى ليست مسؤولة وهي لا تحاسب لهذا السبب، وهذا هو أساس النظام البرلماني الذي نصت عليه مقدمة الدستور صراحة نقيضاً للوجه الرئاسي الغالب في دستور 1926.
الأزمة اليوم ليست في النصوص الدستورية ولن تحل بتعديل الصلاحيات، لأن الرئاسة الاولى لا تستطيع أن تمارس أي سلطة خارج منطق التوافق الطائفي الذي صار القاعدة الأساسية لحكم لبنان. ما يرسم ملامح النظام السياسي الدستوري هو قانون الانتخابات، ولا يسمح بإعمال مبدأ الأكثرية والأقلية، بل يفرض الشراكة والتوافق بسبب المكونات الطائفية التي أفرزها هذا القانون. النصوص الدستورية التي تفرض تمثيل الجماعات تمثيلاً عادلاً لا تسمح بكل منطق الأكثريات النيابية بل هي ضمناً تفرض التعامل مع الاكثريات داخل الطوائف والمذاهب.
اذا كان البعض يستشعر ازمة النظام السياسي من خلال هذه الضرورات في تأليف الحكومة فهو مدعو الى استكمال تطبيق الدستور البرلماني لا الهروب الى اقتراحات لن تنقذ المعنيين من الصفة الطائفية لهذه المطالب والاقتراحات. المسألة مجدداً في المؤسسات السياسية الشعبية وليس في الاطار الدستوري لترجمتها. ما يستحق الجهد الآن هو رسم خارطة طريق لتطبيق الدستور وفي المقدمة إنشاء الهيئة الوطنية المسؤولة عن التخطيط لتجاوز الطائفية.
رئيس الحكومة المكلف (سعد الحريري) وفريقه السياسي يؤكد أنه لا يتجاوز نتائج الانتخابات وان الاكثرية النيابية ستحتفظ بأكثريتها في الحكومة وأرجحيتها في اختيار المواقع الوزارية. في نظام غير طائفي فقط يمكن ذلك دستورياً وواقعياً. في لبنان تكرست اعراف توزع الحقائب الأساسية (السياسية لا السيادية) على الطوائف الكبرى الثلاث، مثلما صار ذلك في وزارات الخدمات.
هذه القاعدة لا يمكن تخطّيها بوزارة أكثرية أو بوزارة وحدة وطنية. أما حكاية صلاحية تأليف الحكومة بين الرئاستين الأولى والثالثة فهو حق دستوري العبرة في إمكان استخدامه أو تطبيقه. هناك تناقض يكبر بين النصوص الدستورية والممارسة السياسية بل يذهب الى تعطيل هذه النصوص.
فاضت الحياة السياسية الطائفية عن كل قواعد النظام الديمقراطي فجرى تطويع النصوص. الاستمرار في هذا النهج هو مظهر من مظاهر الأزمة لكن الأساس هو في مسار آخر يذهب الى مقاومة التطييف للسياسي وليس العكس. وعلينا أن نختار الشرعية الطائفية أم الشرعية الدستورية.
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى