صفحات العالمما يحدث في لبنان

سوريا تعيد تجميع أوراقها “بتسهيل” المحطات اللبنانية

روزانا بومنصف
المحاذير والشكوك تتركز على وجوه العودة إلى المراحل السابقة
احرزت دمشق من خلال ادائها الاخير في ما اعتبر تسهيلاً في الاسبوعين الاخيرين لولادة الحكومة نقاطا مهمة في استعادة ورقة جديدة لها في لبنان امكنها ان تبيعها من الغرب وفرنسا تحديداً، على قاعدة ان الرئيس السوري بشار الاسد يلتزم ما وعد به او تعهدّه لنظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي، وقد نجح في استعادة اوراق داخلية له في لبنان كان خسرها بعد انسحاب قواته العسكرية في نيسان 2005 بحيث بات يمكنه ان يفاوض عليها من اجل تحقيق مطالب له في الغرب او قبل ذلك لدى العرب ايضا.
فالرئيس السوري ضغط بقوة على حلفائه في الاسبوع الاخير الذي سبق تأليف الحكومة من اجل انجازها قبل توجهه الى باريس، مما ساهم في تعزيز صورته السياسية وموقعه ودوره  في القضايا العالقة في المنطقة، فيما أثار التدخل السوري “التسهيلي” راهنا للولادة الحكومية قلقا يبدو مشروعاً في نظر الكثيرين لجهة احتمال ان تكون مؤشراً لعودتها مجدداً الى القرار السياسي اللبناني ان لم يكن في حضورها العسكري كما كان في السابق، انما من خلال محاولات التعطيل المستمرة لحلفائها في لبنان، وهو ما قاد الى الصيغة الاخيرة للحكومة التي لا تفي نتائج الانتخابات النيابية حقها. وهذا القلق يبدو مشروعا ايضا من زاوية وجود شكوك كبيرة في الايجابية الكلامية التي يبديها اركان قوى 8 آذار في الموضوع الحكومي الى حد انقلابي في الخطاب والمواقف، بحيث يبدو كل ذلك “أجمل من ان يصدق” في الواقع، اذ يخشى ان تكون هذه الايجابية الكبيرة مرتبطة بامرين على الاقل: احدهما كان التزام دمشق التفاهمات التي بحثت معها والتي تعهدت بموجبها تسهيل ولادة الحكومة، وتاليا تهدئة الوضع في لبنان عشية استحقاقات معينة على غرار زيارة الاسد لباريس اخيرا. والامر الاخر هو الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق والتي يمهد لها القريبون من العاصمة السورية على انها محورية وتمهد لمرحلة مختلفة، على ما هي مفترضة في الواقع من حيث المبدأ، انما على قاعدة استعادة ما مضى في العلاقات مع سوريا قبل التمديد للرئيس السابق للجمهورية اميل لحود واغتيال الرئيس رفيق الحريري، مما يخشى معه ان تظهر المؤشرات للعودة الى السابق من جهة افرقاء “المعارضة”، التي نعاها الرئيس نبيه بري، في حال لم يرق سوريا بعض وجوه الزيارة او مضامينها او لم تر فيها ما يحقق الاهداف التي ترمي اليها، انطلاقا من التجارب التي يستعين بها راهنا بعض القريبين من سوريا في القول ان اقتراب الحريري منها سيسمح له بأن يحكم، والعكس صحيح وفق ما يقول هؤلاء.
والمؤشرات الانفتاحية من دمشق والتي قرأها كثيرون خلال السنة الاخيرة على انها مؤشرات ايجابية في بعض مظاهرها ازاء لبنان، بما فيها التمثيل الديبلوماسي بين البلدين الذي يعني في ما يعنيه اعترافا سوريا بلبنان واستقلاله ليست كافية لمعرفة ما اذا كانت العاصمة السورية تغيرت فعلاً، باعتبار ان مؤشرات اخرى كثيرة تشي بالعكس وتتناقض كليا مع المؤشرات الايجابية. والسؤال الذي يرغب في معرفته اللبنانيون فعلا هو ما اذا كان لبنان لا يزال هدفا استراتيجيا لسوريا في سعيها المتدرج مجدداً الى وضع اليد عليه وحكمه لاحقا كما حصل في السابق عبر استعادة لواقع نفوذ لديها دللت عليه، اقله في تقدير الغرب، من خلال عدم تدخلها مثلا في الانتخابات النيابية، وقبل ذلك تسهيل انتخاب رئيس الجمهورية، واخيراً تسهيل ولادة الحكومة بحيث يمكن القول ان اي امر لا يتحقق في لبنان من دون مساهمتها المباشرة، أو ان سوريا باتت تستخدم لبنان او مختلف الاوضاع والمحطات فيه ورقة للمساومة من اجل استعادة موقعها والحصول على طلباتها كما حصل في مختلف المحطات المذكورة والتي استطاعت فيها سوريا المساهمة ايجابا في اتاحة المجال امام حصولها، علما ان المعارضة لتحقيق هذه المحطات تندرج سياسيا في خانة فك العزلة الدولية عنها بدءا بفرنسا.
ويعتقد بعض المطلعين ان ما تقوم به سوريا يصب في خانة استخدام المحطات السياسية اللبنانية من اجل اعادة تحسين موقعها والحصول على طلباتها من دون التجاهل أنها استطاعت عبر كل العرقلة التي حصلت في الاعوام الاخيرة استعادة بعض الاوراق التي كانت لها. والواقع انه لا يمكن تجاهل ما قامت به حركة 8 آذار في الاصل دفاعاً عن سوريا ولشكرها، وما ساهمت فيه هذه الحركة في الاعوام الاخيرة لجهة إرساء ما اعتبرته توازن داخلي هو في الواقع ايضا توازنا خارجيا وتثبيته في المعادلة الداخلية السياسية. وقد لفت البعض في هذا الصدد ما قاله الرئيس السوري في حديث صحافي عشية وصوله الى باريس من “ان تأليف الحكومة يجعلنا نرتاح الى لبنان”، وعنى بها حكومة وحدة وطنية تلبّي في رأي المطلعين أنفسهم التطلعات السورية والتوازنات التي تراها سوريا مناسبة لها في لبنان عبر ما حققته وما توحي للخارج في وقت واحد. لكن ذلك لا يعني الاطمئنان الى النيات ولا الى الاهداف، مع الرهان المتجدد لدى البعض على العودة الى السابق مع الزيارة المرتقبة للرئيس الحريري على رغم اقتناع كثر بأن الزيارة مهمة جدا لسوريا لاعتبارات كثيرة ليس اقلها ازالة تبعة الاتهام السياسي عنها في موضوع اغتيال الرئيس الحريري من اجل ان تتمكن من استعادة الكثير مما فقدته نتيجة ذلك. لكن من الصعب جدا الاعتقاد أن هذه الزيارة يمكن ان تؤثر على التوازن السياسي في لبنان الذي هو مرآة للتوازن الخارجي ايضا في شكل من الاشكال، والذي لا يعتقد ان تغييره قد يكون الهدف السوري من الزيارة في المدى المستقبلي القريب على الاقل.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى