الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّوريةصفحات العالم

واجبنا أن نقلق

حازم صاغيّة
سابقاً كانت أوصاف «المهارة» و«البراعة» و«الذكاء» تُسبغ على السلوك الإيرانيّ في ما خصّ «الملفّ النوويّ». الآن، تبدو الأمور مختلفة، فتطغى تعابير «القلق» و«التهديد» و«الإخلال المتعمّد بقرارات الأمم المتّحدة».
الوكالة الدوليّة للطاقة النوويّة دانت إيران لتغطيتها على بناء موقع لتخصيب اليورانيوم، قرب مدينة قم، ومررتْ، بهذا الخصوص، قراراً بالغ القسوة حيال طهران. جاء هذا بُعيد قيام البرلمان الإيرانيّ بـ»حضّ» حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد على تقليص تعاونها مع الوكالة الدوليّة. وما لبثت الحكومة المذكورة أن أجازت خططاً لبناء عشرة مواقع أخرى للتخصيب.
السلوك استفزازيّ بما لا يرقى إليه الشكّ. وربّما كانت حسابات أحمدي نجاد، ومن ورائه المرشد خامنئي، أنّ إيران تستطيع، عبر الاستفزاز والتصلّب، تحسين مواقعها التفاوضيّة، فضلاً عن إسكات الانتقادات الداخليّة لسياساتها النوويّة. ذاك أن النجاح يُظهر تلك الانتقادات وأصحابها في مظهر البلهاء، بل في مظهر المتواطئين مع «أعداء إيران». وأغلب الظنّ أن أحمدي نجاد وصحبه لا يرون إلاّ النجاح في أفقهم لأنّ إدارة أوباما غارقة في وحول أفغانستان والعراق، فضلاً عن الأزمة الإقتصاديّة.
وهذا، كما يمكن الترجيح، حساب متسرّع، تسرّعُه هو ما يفسّر تحوّل اللغة، في ما خصّ سلوك إيران، من أوصاف إلى أوصاف أخرى نقيض. فقرار الوكالة الدوليّة ضدّ بناء إيران موقعاً آخر سرّيّاً للتخصيب وجد الدعم من روسيا والصين. وكان أغلب المراقبين قد توقّع تحوّلاً تدريجيّاً في الموقف الروسيّ بمجرّد تخلّي إدارة أوباما عن مشروع الدرع الصاروخيّ. وهذا لا يعني، بالضرورة، أن الروس والصينيّين سيشاركون في جولة أخرى من العقوبات التي قد تواجه إيران. بيد أنّه يعني حرمان إيران من الدعم الروسيّ في معركة ديبلوماسيّة كتلك. وهو قد يعني أيضاً امتناع موسكو عن تزويد طهران منظومة «إس 300» المضادّة للصواريخ، ما يضعف كثيراً القدرة الدفاعيّة الإيرانيّة.
لكنْ في معزل عن مشاركة روسيا والصين، أو عدم مشاركتهما، لن تكون مواجهة العقوبات الجديدة المحتملة بالأمر البسيط: فالأطراف المرشّحة للمشاركة فيها ستضمّ، على الأقلّ، الولايات المتّحدة والدول الوازنة في الاتّحاد الأوروبيّ. كذلك يُقدّر أن العقوبات الجديدة المحتملة ستتركّز على التجارة النفطيّة الإيرانيّة أكان لجهة السلع البتروليّة المكرّرة والمستوردة من الخارج، أم لجهة شركات التأمين والناقلات. أي أن معظم التصدير والاستيراد الإيرانيّين المتعلّقين بتلك الثروة الحيويّة سيتوقّف تماماً. ونعلم أن الاقتصاد الإيرانيّ أحد أكثر الاقتصادات العالميّة أحاديّة في الاعتماد على مصدر بعينه. والمعروف، كذلك، أن إيران تئن تحت وطأة ما نزل بها من عقوبات حتّى الآن: فالولايات المتّحدة كانت قد فرضت قيوداً عليها منذ احتجاز موظّفي سفارتها في طهران في 1979، وهو ما انتهى مقاطعةً تجاريّة شاملة في 1995. وفي كانون الأوّل (ديسمبر) 2006، صدر قرار مجلس الأمن 1737 الذي يطالب الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة «بالامتناع عن تزويد أو بيع أو نقل… كلّ البضائع والموادّ والتجهيزات والسلع والتقنيّات مما قد يساهم» في البرامج الإيرانيّة الغامضة. ثمّ في آذار (مارس) 2007، مرّر المجلس القرار 1747 الذي حاول ضبط تلك البرامج عبر منع التعامل مع مصرف «سيباه» المملوك رسميّاً، ومع 28 شخصاً ومنظّمة بعضهم موصول، على نحو أو آخر، بـ»الحرس الثوريّ». ومعروف أن استيراد السلاح من إيران ممنوع، فيما الدول الأعضاء مطالَبة بتجنّب بيعها أنظمة سلاحيّة مهمّة ومؤثّرة. كذلك يُفترض أن تقتصر القروض التي تعطى لإيران على الوظائف الإنسانيّة وأغراض التنمية وحدها. وفي آذار 2008، كان للقرار 1803 أن وسّع الرقابة على الحركة والسفر بحيث طاولت مزيداً من الشركات الإيرانيّة ومن الأفراد المتّهمين بصلة أو أخرى بالمشاريع الغامضة. وقد منع القرار المذكور بيع إيران السلع المزدوجة الاستخدام، أي المدنيّة والعسكريّة في وقت واحد، داعياً الحكومات الدوليّة إلى سحب دعمها الماليّ عن الشركات المتاجرة مع إيران، وتفتيش الناقلات التي تقصد ذاك البلد أو تأتي منه، ومراقبة النشاطات التي يتولاّها مصرفان إيرانيّان.
والخلفيّة لا تحمل إلاّ على افتراض الأسوأ: ففضلاً عن اللغة والاستفزازيّة الإيرانيّتين اللتين اندفعتا، في الفترة الأخيرة، إلى حدّهما الأقصى، هناك السابقة القائلة إن طهران أخفت برنامجها للتخصيب طوال 14 عاماً، وحين أبلغت الوكالة أخيراً بموقعها القريب من قم، فعلت ذلك بعد أن تناهى الخبر للوكالة بوسائل أخرى. هكذا لم يحل الإخطار الإيرانيّ دون اتّهام أوباما الإيرانيّين بتطوير موقع جديد «قد تكون له استخدامات عسكريّة».
وهذا الأفق المدلهمّ لا يبدو كافياً في نظر الإسرائيليّين الذين يرون، وعلى عادتهم، أنّ الحلّ العسكريّ هو وحده ما يريحهم. وفي هذه الحال لا يبقى لنا إلاّ الفرح العميم، نحن الذين نريد سلاحاً نوويّاً إيرانيّاً يصادم مثيله الإسرائيليّ فوق رؤوسنا.
الشيء الذي يليق بنا اليوم هو أن نقلق!.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى