الدور التركي في المنطقةصفحات العالمهوشنك بروكا

تركيا من الإنفتاح إلى الإنغلاق

هوشنك بروكا
بعد حوالي أربعة أشهر من إعلان تركيا عن نيتها في “الإنفتاح” على أكرادها، وذلك ضمن خطةٍ كان قد كلّف بها وزير الداخلية التركي بشير أتالاي، ل”حل القضية الكردية بالطرق السلمية والديمقراطية”، على حد قول عرّابي المشروع في حزب العدالة والتنمية، أطلقت المحكمة الدستورية العليا في تركيا، الجمعة، طلقة الرحمة الأخيرة على هذا “خطة الإنفتاح”، وذلك بعد قرارها القاضي ب”حظر” حزب المجتمع الديمقراطي وأغلاقه بالكامل، إضافةً إلى مصادرة كافة أمواله وممتلكاته، ومنع 37 قيادياً في الحزب(بينهم رئيس الحزب أحمد تورك، والبرلمانية آيسل توغلوك والرئيس السابق للحزب نورالدين دميرتاش، لمدة خمس سنوات، من ممارسة العمل السياسي.
التاريخ السياسي التركي في الخمسين سنة الماضية، هو تاريخٌ حافل بالسياسات المقموعة والأحزاب المغلقة والكيانات الممنوعة. فحزب المجتمع الديمقراطي هو الحزب الممنوع رقم 25 تركياً، والسابع كردياً، الذي تم أغلاقه في تركيا، من قبل المحكمة الدستورية العليا، منذ تأسيسها سنة 1963.
القرار الذي اتخذه رئيس المحكمة هاشم كيليج المعروف بولائه السابق المعلن، واللاحق المستتر لسياسات حزب العدالة والتنمية، وبإجماع كافة الأعضاء الأحد عشر، كان قراراً متوقعاً في نظر الكثير من المراقبين في الأوساط التركية والكردية.
فالقرار، جاء في نظر الكثيرين، مكملاً لما سبقته من إشارات تهديدية واضحة صدرت من قبل سياسيين أتراك في الحكومة وخارجها، تجاه سياسة حزب المجتمع الديمقراطي، لا سيما منها تلك الممثلة بجناح “آمينة آينا” المعروفة بمواقفها الجريئة، والتي توصف في الأوساط التركية ب”الراديكالية”، على عكس زميلها في قيادة الحزب بالتوازي، أحمد تورك المعروف بمواقفه الأكثر هدوءاً واعتدالاً.
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مثلاً، كان قد هاجم في الأسابيع الماضية حزب المجتمع الديمقراطي، أكثر من مرة، متهماً إياه ب”المحرّض على العنف”، و”المتواطئ مع الإرهاب”(والمقصود هنا هو حزب العمال الكردستاني)، علماً أنّ المحكمة الدستورية التركية، قد اتخذت من هاتين التهمتين، أساساً قانونياً لقرارها الأخير، لمنع الحزب الكردي الممثل ب21 برلمانياً، وإغلاقه بالشمع التركي الأحمر الأكيد.
أول الإنذار بهذا الغلق، بدأ بُعيد التاسع عشر من أوكتوبر الماضي، وذلك إثر عبور قافلة السلام(التي ضمت ثمانية من عناصر العمال الكردستاني إلى جانب 26 من مناصريه اللاجئين في مخيم مخمور بكردستان العراق) إلى تركيا، كبادرة حسن نية وتأييد لخطة “الإنفتاح التركي على الكرد”. في أول ردة فعلٍ عنيفة لأردوغان، على الطريقة التي أثارت جدلاً كبيراً في الشارع التركي، والتي استقبلت بها الجماهير الكردية بقيادة حزب المجتمع الديمقراطي عناصر القافلة “استقبال الأبطال” و”المنتصرين”، قال أردوغان منزعجاً، أكثر من مرة:
أنّ “طريقة الاستقبال التي حصلت خلقت أزمة ثقة بيننا وستجعلنا أكثر تأنيا في اتخاذ قراراتنا”. و”ما نراه اليوم من استقبال استفزازي قد يعيدنا بتركيا إلى الوراء، حيث نقطة الصفر”.
وفي أول تعليق له على قرار المحكمة الدستورية العليا بغلق حزب المجتمع الديمقراطي، قال أردوغان بلهجة المنتصر: “علّ هذا المنع يلقنهم درساً..فليأخذوا منه العبر!”.
صحيحٌ أن القرار في ظاهره، يعتبر ضربةً قوية للأكراد وحزبهم الأكثر شعبيةً في المناطق الكردية، إلا أنه يعتبر في باطنه ضربةً لتركيا نفسها؛ تركيا الأتراك والأكراد معاً. فمع قرار الغلق هذا، ستتعطل المبادرات السلمية والديبلوماسية التي كان من الممكن لها أن تؤدي إلى حلول ممكنة للمشكلة الكردية في تركيا، فضلاً عن أنها ستؤدي بهذا الشكل أو ذاك إلى بعض تعطيلٍ في مسيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات، بشكلٍ عام، وهو ما يعني تعطيلاً أكيداً، للعبور التركي إلى النادي الأوروبي.
اقتصادياً، سيؤدي هذا التعطيل السياسي، أوتوماتيكياً، إلى تعطيلٍ موازٍ في أسواق المال التركية نفسها، لأن هذا التعطيل السياسي على مستوى الداخل التركي، سيخلق دون أدنى شك، تعطيلاً مماثلاً، على مستوى توظيف رأس المال الخارجي، وذلك نتيجةً لحالة اللاثقة واللاأمان واللاإئتمان التي ستسود تركيا بعد هذا القرار.
أما حصاد حكومة العدالة والتنمية، فلن يكون سوى جني المزيد من التعطيل في تنفيذ مشاريعها وخططها التنموية، وإصلاحاتها السياسية والإقتصادية التي طالما وعد أردوغان أتراكه وأكراده بتحقيقها، مهما كلفته من ثمن.
في تصريحٍ سابقٍ له حول “خارطة طريق” حكومته فيما يتعلق ب”الإنفتاح على الأكراد”(أُسقِط من المبادرة إسم الكرد كلياً، لتسمى لاحقاً ب”الإنفتاح الديمقراطي”، أو “الإنفتاح الديمقراطي الوطني لحماية وحدة البلاد”)، قال أردوغان: “نحن جادّون في السعي إلى حل مشكلة الأكراد التي هي مشكلة كل تركيا، حتى النهاية، مهما كلفنا ذلك من ثمن”.
والآن، بعد أن وصل انفتاح حكومته على الكرد، مع هذا القرار النهائي، وهو لا يزال في الأول من الطريق إلى الخارطة، إلى نهايته، تُرى ماذا سيكلّف هذا “الحل المعطل” للقضية الكردية في تركيا أردوغان من ثمن؟
ماذا بقي في جعبته من خطط و”خرائط الطريق” ل”أكراده”، لتحقيق مشاريع حكومته الواعدة بإصلاح تركيا، من دياربكر إلى أنقرة؟
المتوقع، هو أنّ الثمن الذي سيدفعه أردوغان وحزبه في تركيا، لن يكون أقل من الثمن الذي سيدفعه الأكراد من جراء هذا الغلق، الذي سيلحق كل الضرر بكل تركيا، أكراداً وأتراكاً.
حزب العدالة والتنمية، سيفقد على الأرجح مصداقية شارعه التركي فضلاً عن فقدانه لثقة الشارع الكردي، لأن كلا الشارعين، كانا موعودان ب”حل سلمي ديمقراطي أكيد” لمشكلة المشاكل في تركيا، أي المشكلة الكردية. ولكن ما حصل هو العكس، إذ ترك أردوغان، بعد كل هذه الوعود الكبيرة، “تركيا الأكراد” ممنوعةً عن الصرف والحل، في منتصف الطريق إلى أنقرة.
فهو ب”نصف ركوبه” ل”أنصاف الحلول”، للعبور الناقص إلى حل ناقص للمشكلة الكردية، لم ينكس بوعوده التي وعد كل تركيا ب”حل المشكلة حتى النهاية” فحسب، وإنما تراجع أيضاً عن سياساته الإصلاحية، وخطابه المرن تجاه الأكراد، مرتمياً بذلك في أحضان العسكر، مستسلماً لما رسموه له ولحزبه من خطوط حمر، و”سياسات حمر”، لم يتسنَ لأية حكومة حتى الآن تجاوزها، لتتماهى سياسة حزبه في هذا المنحى، بالتالي، مع السياسات التقليدية للأحزاب المقرّبة من المؤسسة العسكرية، أي حزب الشعب الجمهوري لدنيز بايكال وحزب الحركة القومية لدولت بختجلي، المعروفين بتطرفهما وتشددهما وعدائهما لأي حل سلمي ديمقراطي للقضية الكردية، خارج الحل التركي الأوحد: “تركيا واحدة للتركي الأوحد”.
عليه، فإن غلق حزب المجتمع الديمقراطي، الذي هو بالنتيجة غلق لكل ما يمكن أن يسمى”إنفتاحاً تركياً على الكرد”، يعني تنازلاً حقيقياً ونهائياً لأردوغان وحزبه عن سياساته الجريئة غير المسبوقة تجاه الأكراد، وتماهياً أكيداً مع سياسات الأحزاب القومية التركية المتطرفة، التي هاجمته أيما هجومٍ، بُعيد طرحه لخطة حكومته ونيتها في حل المشكلة الكردية سلمياً ضمن أطر الديمقراطية التركية المتاحة، قائلةً: “نحن لسنا رفقاؤك يا رئيس الوزراء في هذه الطريق، وحسبك ما لديك من رفقاء…إننا لايمكننا المشاركة في عملية لا نعرف من وراءها”(دنيز بايكال).
أما بختجلي فقد وصف سياسة أردوغان تلك، حرفياً، ب”اللاأخلاقية”.
الثمن الذي ستدفعه حكومة العدالة والتنمية، سيكون على الأغلب، باهظاً أيضاً.
فهي الحكومة التركية الوحيدة، حتى الآن، التي يربط المراقبون الكثير من نجاحاتها، بمرونة تعاملها مع الكثير من مشاكل تركيا الشائكة، لاسيما منها المشكلة الكردية.
بعد فشل الأحزاب التركية القومية الكلاسيكية، خلال العقود الأخيرة، في استمالة الشارع الكردي وكسب أصواته، عبر إغراء الكرد ب”عسل التتريك”، نجح حزب العدالة والتنمية، نسبياً، في سد هذا الفراغ السياسي، مستغلاً عامل الدين(الإسلام في كونه ديناً مشتركاً بين الأكراد والأتراك)، وذلك لردم الهوة بينه كحزب إسلامي معتدل لكل تركيا، وبين الجماهير الكردية المتدينة، والتي ترى في الدين طريقاً أكيداً إلى الجنة في الدنيا وفي الآخرة.
هنا نجح أردوغان نجاحاً كبيراً، في خطف دين الجامع كردياً، لصالح دنيا حزبه، تماماً مثلما نجح على المستوى العربي، في خطف القضية الفلسطينية من عربها، في أكثر من مناسبة ومحفل دوليين، تحت يافطة الرابطة الدينية ذاتها، وذلك للعب بها إقليمياً، على أكثر من محور، وفي أكثر من اتجاه.
أما الآن، بعد أن فشل أردوغان في الوفاء بوعوده ل”أكراده المسلمين”، بحل مشكلتهم، التي سيزيد المنع من طينها بلةً، فالأرجح أن الطاولة ستنقلب على حزبه، كما ينقلب السحر على الساحر.
بهذا القرار ستدخل تركيا، على الأغلب، تاريخاً جديداً من “الإنغلاق” على أكرادها، بعد زمانٍ قصيرٍ جداً من “إنفتاحها القلق”، أو “انفتاحها المفخخ”، على حد قول الأوساط الكردية، وهو ما يعني عودة تركيا مع “مشكلتها” الكردية(التي قال عنها أردوغان يوماً بأنها “مشكلة كل تركيا”، وهي “مشكلة أنقرة” أولاً وآخراً قبل أن تكون مشكلة خارجها)، إلى المربع الأول، إن لم نقل “المربع الصفر”.
غلق تركيا لحزب المجتمع الديمقراطي، يعني في المنتهى، غلقاً لبعضٍ من تركيا في برلمانها بأنقرة، حيث حصة الحزب الممنوع فيه هو 21 برلمانياً، قبل أن يكون غلقاً ل”آمد” دياربكر، حيث قلعة الحزب وبؤرة نشاطه السياسي.
منع تركيا لحزبٍ فاز في الإنتخابات المحلية الأخيرة ب98 بلدية، وهو ممثل ب21 برلمانياً، وصلوا إلى أعلى سلطة تشريعية في البلاد، عبر صناديق الإقتراع، يعني منعاً للديمقراطية التركية ذاتها، ومنعاً لإرادة الملايين الكردية التي منحت ثقتها لهذا الحزب، بإعتباره الممثل الشرعي الوحيد لها.
منع تركيا لحزب ممثل بملايين كردية، ترى فيه متنفسها السياسي العلني الوحيد في تركيا الداخل، يعني توقع المزيد من الإحتقان السياسي، والمزيد من البحث عن الخروج على تركيا، والمزيد من البحث عن الحلول الخارجة على اعتدال المدينة في الجبل وسلاح “دولته”، وهو ما سيعني المزيد من العنف والعنف المضاد، والقتل والقتل والمضاد، والقومجية والقومجية المضادة، حيث سيكون الخاسر الأكيد، في أتونها، كل تركيا؛ كل الكرد وكل الترك؛ كل أنقرة وكل دياربكر.
منع حزب المجتمع الديمقراطي، وتصفيته في المدينة، على المستوى السياسي، يعني انتصار تركيا العسكرية على تركيا المدنية مرةً أخرى، وهو ما سيعني مستقبلاً، سلوك الحل العسكري للقضية الكردية، على المستويين التركي رسمياً، والكردي شعبياً، كما كان الأمر عليه في السابق، خلال 86 عاماً(أي منذ تأسيس الجمهورية التركية سنة 1923).
والحال، فإن قرار المحكمة الدستورية التركية العليا(وهو قرار سياسي، مترجم قضائياً، على أية حال)، الذي أطاح بحزب المجتمع الديمقراطي في المدينة، ليس إلا تمهيداً لإقدام المؤسسة العسكرية التركية على اتخاذ قرارٍ عسكريّ موازٍ، للعبور إلى الجبل، بهدف تصفية حزب العمال الكردستاني، الذي اختار الكفاح المسلح طريقاً لحل قضية أكراد الشمال في 15 أغسطس 1984، والذي تتوعد تركيا أتراكها في كل مناسبة، بمحوه من الوجود التركي، منذ أكثر من 25 عاماً.
حصاد هذا الصراع التركي الكردي، للآن، هو سقوط حوالي 40 ألف قتيل من الطرفين، وتخلف كبير في البنية التحتية في جميع المناطق الكردية(مقارنةً مع التقدم الكبير الحاصل في الضفة الأخرى: تركيا التركية)، هذا فضلاً عن دمار أكثر من 4 آلاف قرية كردية.
والسؤال الذي لا يزال مطروحاً، حتى اللحظة، بعد كل هذا الدم والدم المضاد، هو لماذا؟
أما الجواب، فلا يزال هو هو:
لأن تركيا الواحدة هي للأتراك وحدهم فقط!
ولأن التركية هي لغة الشمس، ولا لسان في تركيا فوق لغة أهل الشمس!
ولأن كل تركي فيها، لايمكن إلا أن يساوي العالم كله!
ولأن كل موجود تحت العلم التركي، ليس له إلا أن يكون سعيداً لأنه تركي!
هذا ما يقوله الدستور التركي نفسه، الذي لا اعتراف فيه خارج التركية بالكردي(ومعه العربي والأرمني والشركسي واليوناني والبلغاري واللاز..الخ)، إلا في كونه “تركياً فصيحاً”، سواء إن شاء أو أبى.
ايلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى