صفحات العالمميشيل كيلو

شتاء ساخن وصيف حار

ميشيل كيلو
لا أتذكر متى سمعت هذا المصطلح لأول مرة  . أعرف أنني لم أعش يوماً واحداً من دون أن يطرق مسامعي، وأنه كان على الدوام واحداً من أكثر المصطلحات ترداداً في لغة السياسة العربية، التي واكبتها بدرجات مختلفة من الفهم، منذ خمسينات القرن الماضي، وأقلعت عن تصديق كلمة واحدة مما تقوله، منذ حرب حزيران/يونيو عام 1967 .
لم يمر عليّ، خلال هذه الحقبة المديدة، شتاء واحد إلا وكان ساخناً . ولم أعرف صيفاً واحداً لم يكن حاراً . ومع أن الصيف لا يكون عندنا بارداً بل حاراً، فإن لغتنا السياسية زجت به في تنافس حراري مع شتاء ساخن، وأخذت تكرر صفته هذه بتلذذ . بينما ظل الشتاء ساخناً حتى أثناء موجات البرودة، التي كانت تحملها بعض الأيام والأسابيع والأشهر، وتدوم بدوام تيارات الهواء القادمة إلينا من سيبريا، التي تجعلنا نشعر بالتجمد ونكاد نهلك ونحن لصيقون بالمدفأة المنزلية، طيلة “الشتاء الساخن” .
لا يعمل من أطلقوا هاتين الصفتين على الشتاء والصيف في سلك الأرصاد الجوية، وليسوا من معدي نشرات أخبار المناخ في التلفازات والصحف . إنهم بالأحرى سياسيون يحتلون مواقع رفيعة في السلطة والدولة، ولهم كلمة مقررة في شؤون بلدانهم، لكنهم يجهلون، على ما يؤكد مصطلحهم، الذي يجعل “الشتاء ساخناً والصيف حاراً”، ما قد يقع في المستقبل القريب، الذي يمثله الشتاء والصيف القادمان، لذلك تراهم يطلقون نبوءتهم التشاؤمية، التي تبلغ الشعب العربي أنه سيواجه وضعاً عصيباً لا حيلة لهم فيه، يتسم بقدر من العراك والصراع سيعجل بوقوع معجزات تحدث بقوة السياسة مرة، كجعل الشتاء ساخناً، وبعجزها مرة أخرى، كجعل الصيف حاراً .
إلى هذا، يقول المصطلح السياسي، المتدثر بلغة طبيعية مفارقة، إننا لسنا الجهة التي ستجعل شتاءنا ساخناً وصيفنا حاراً . وتحذرنا، نحن الشعب العربي الذي لا حيلة له في أموره ولا يسأله أحد عنها أو يسمح له بالإدلاء بدلوه فيها، من إغلاق أعيننا ولو للحظة واحدة في الشتاء والصيف، لأن أولهما سيكون ساخناً وثانيهما حاراً، على الصعيد السياسي طبعاً، فكأننا نحن وليس هم من يجب أن يتحمل المسؤولية عن نتائج الانقلاب السياسي في الأحوال الطبيعية، أو كأنه ليس من واجبهم إعداد أنفسهم وسلطتهم وجيوشهم وأحزابهم لملاقاة تأزم المناخ السياسي المنتظر، والسماح لنا بقدر من المشاركة في الشأن العام يتيح لنا مساعدتهم على تبريد الشتاء وتسخين الصيف، فلا نقع فريسة سخونة الأول وحرارة الثاني، ولا يضيعون ويضيعوننا، بسبب استئثارهم بكل شيء، وركننا في زوايا أوطاننا المهملة .
لم تسمع أذن من عايش نصف القرن الماضي من العرب غير هذا المصطلح مقترناً بمصطلح يشبهه يتحدث عن “هذا الظرف الصعب والمنعطف الخطير واللحظة الحرجة” . بين شتاء ساخن وصيف حار، وظرف صعب ومنعطف خطير ولحظة حرجة، ضاع كل شيء: العمر والأمل والوعد، وحل عوضاً عنها زمن تدهور حثيث ومتواصل، جعل الشتاء البارد طبيعياً ساخناً سياسياً، والصيف حاراً طبيعياً وسياسياً، وزاد صعوبة الظرف وخطورة المنعطف وحرج اللحظة، بينما لم يبدل مرور الأيام وتغير الحكام من الأمور شيئاً، وجعل بوسع أية جهة برانية أو خارجية، مهما كانت ضعيفة ومتهالكة، أن تكدر عيشنا، وتتلاعب بمصيرنا، وتقرر لنا ما يجوز وما لا يجوز، من نحب ومن نكره، ما نقول وما لا نقول، وصار بمستطاع قبضة من الأشخاص التمرد على أية دولة ومحاربة أية سلطة إلى ما شاء الله، ومنازلة الجيوش العربية بأسلحة لا تقل فتكاً وتقدماً عن أسلحتها، ففي كل دولة دول مضادة، وفي كل مجتمع مجتمعات معاكسة ومتمردة، هذا إذا تساهلنا واعتبرنا ما هو قائم على صعيد السياسة والمؤسسات والبنية الفوقية دولة، وعلى صعيد البنية التحتية مجتمعات! .
تغيرت العلاقات وتبدلت القوى العظمى التي تسيطر على المنطقة العربية والعالم، واختفت أدوار وظهرت أدوار بديلة لها، وقامت ثورات تحولت إلى ثورات مضادة، وبرزت زعامات ملهمة واختفت لصالح زعامات ملتهمة، وتوسعت “إسرائيل “إلى ما وراء حدود فلسطين، ونجحت في ضرب وتحجيم قوى عربية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وأفشلت ما وعدت بتحقيقه من مشاريع نهضة وتغيير . ومع ذلك، بقي العجز العربي وتعاظم، فظل بسببه الشتاء القادم ساخناً والصيف الآتي حاراً، ولم تخرج أمة العرب من الظرف الصعب والمنعطف الخطير واللحظة الحرجة، التي لا يعرف ولا يستطيع أحد من أولي الأمر أن يقول لنا إلى متى ستدوم، وهل ستتناقص في يوم من الأيام سخونة الشتاء وحرارة الصيف، بحيث يمكن احتمال العيش فيهما؟
ملأ أسماع أجيال خمسة عاشت حقبة نصف القرن المنصرم، الحديث عن الشتاء الساخن والصيف الحار . في الآونة الأخيرة، خلال السنوات العشر الماضية، أخذ الربيع يصير ساخناً وحاراً بدوره، في حين انقلب الخريف من طقس انتقالي لطيف إلى مناخ متوعد، لن يكون حالنا معه أفضل من حالنا مع بقية فصول سنواتنا . إنهما ربيع وخريف محملان بمخاطر أين منها مخاطر سخونة الشتاء وحرارة الصيف، وما جلبتاه لنا دوماً من كوارث وبلايا . لا يبقى لنا، في مناخ عربي كهذا، غير أن نسأل الله عز وجل الستر وحسن العاقبة، ونأمل ألا يكون زماننا القادم أشد من زماننا الراهن عصفاً بنا، بعد أن بلغنا من الأوضاع أسوأها، وغدونا ريشة في مهب رياح الفصول، وغطت أزماتنا الربيع والخريف والشتاء والصيف، وتخطت مصائب الشتاء والصيف، مع أنهما لم يعودا أشد سوءاً في السنوات الأخيرة من ربيع العراق “احتل في ربيع عام 2003”، وخريف لبنان وغزة “دمر أولهما على مشارف خريف عام 2006 وضربت ثانيهما في نهاية خريف عام 2008” .
في لغتنا، تبدو القضية مناخية تتعلق بفصول ساخنة وحارة . أما في الواقع، فهي قضية يفرضها علينا ضعف عام فرضته نظم تخوفنا من الشتاء والصيف القادمين، عجزت منذ نيف ونصف قرن عن فعل أي شيء للحد من سخونة الأول وحرارة الثاني السياسيتين .
إلى متى يبشروننا في نهاية كل خريف بأن الشتاء سيكون ساخناً، وفي بداية كل ربيع بأن الصيف سيكون حاراً؟ . إلى متى سيعمل قادتنا كراصدين جويين ومنجمين مناخيين، ومتى يبدأون العمل كسياسيين بين مسؤولياتهم جعل فصولنا، وحياتنا، طبيعية ومعتدلة وجميلة وقابلة للاحتمال؟
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى