صفحات سوريةفلورنس غزلان

تلوث الثقافة وتلوث السياسة

null
فلورنس غزلان
تجتمع وسائل الإعلام العربية اليوم على الكم الهائل من الزيف والكذب والتلفيق، بل تشويه الحقائق وقلب الواقع ليغطي على روائح الفساد وتحويل الخسارات لأرباح والإنكسارات والهزائم لبطولات، مع اختلاف في حجم الكذب ومقدار النهب والسلب و سيلة من وسائل الوصول للمراكز السلطوية والمحسوبيات الحزبي منها أو المدعوم من جهاز من أجهزة التَحَكُم وعَد الأنفاس ومنع الهواء وكم الأفواه، ناهيك عن سوء الإدارة وتردي بل انهيار التعليم بكل مراحله من الابتدائية إلى  الجامعية، وكلنا يعلم أن أي تقدم أو تطور لشعب من الشعوب يرتكز في دعاماته الأولى على قدرة التعليم ومستواه في تخريج أجيال واعية تبني مجتمعاً متقدماً وتنتج كوادراً علمية قادرة على تطوير وتحديث المجتمع ، فالمستوى التعليمي  يغط منذ عقود تزيد على الأربعة ــ أخص بالطبع وطني الأم سورية بهذا الموضوع ــ في نوم عميق وتنويم مقصود وتربية تغرس عبادة الفرد وتربي أجيالا تعتمد النفاق والتصفيق والتهليل لأصحاب السلطة والحكم، كما تزرع الرعب والخوف وتقصي السياسة عن الطالب والموظف وعن الشعب بشكل شامل…وتربيهم من خلال اعتقالات لكل ناشط ومتحرك في المجال العام.
ــ فهانحن نرى كيف تزيد حالات الاعتقال وتنتشر ثم تطال نساء كن معتقلات في السابق كالدكتورة تهامة معروف( حلب)، التي اكتشفت السلطة مؤخراً أن لهم في ذمتها بعض سنين لم تحاسب عليها في حينها!!، ومن ثم الكاتبة رغدة الحسن( طرطوس)، وكيف تم اعتقالها على الحود اللبنانية ــ السورية، قبل أن تصل لدار نشر بيروتية وتُصدر مذكراتها عن سجنها إبان فترة الأب الرئيس، حتى تلك الفترة سيحاسب عليها كل من يحاول كشف عوراتها وجرائمها التي لاتعد ولا تحصى…وهذا يعني أن تردي الوضع السياسي يسير من سيء إلى أسوأ ــ !.
كما توظف كل إعلامها وأقلامها المأجورة وأبواقها في سبيل دعم حكمها والعمل على استمراره وإدامته، رامية عرض الحائط بمصالح الشعب الاقتصادية والسياسية وخبزه اليومي وعمله ذا المردود المتدني، مما يزيد من هوة الفارق الطبقي بين طبقات برجوازية جديدة تتمثل في هرم السلطة وما حولها من المستفيدين من النظام والموالين لأجهزته، وما تبقى من عامة الشعب المبتلى والمغشوش بسياسة الممانعة أو سياسة التلفيق لشعارات دعم المقاومة والدفاع عن الإسلام ” الوطني”! ــ باعتبار أن الاسلام الوطني هو التابع والموالي والداعم والداعي لرجال السلطة على منابر المساجد، أو المُجَّنَد والمُجّنِد لأعوان النظام من منظمات إرهابية وغير إرهابية تنفذ مخططات بقاء السلطة وإستمرارها،تصل لدرجة التناقض مع الأخلاق من جهة والإيمان السليم من جهة أخرى،  فعلى سبيل المثال لا الحصر ــ لم يعد يخجل مواطن ما من الوشي بجاره أو زميله من أجل لعق حذاء المتنفذ، ليحصل بعدها على مقابل!، حتى لو سحق الآخر ومحق عائلته ومستقبل أفرادها، هذا بعد أن كان العرف السائد ذات يوم أن مثل هذا العمل يعتبر مشيناً وسُبَةً على من يقوم به، فصار بعرف البعض شطارة ووسيلة للوصول والثراء……مالذي ينتج عن هذا المسح البسيط ؟…
ـــ رفع سقف الكذب والنفاق حتى في أبسط الآراء المتعلقة بالحياة اليومية، رفع مستوى الانحياز للباطل…والتملق للمتنفذين.مع انهيار كامل لكل المعايير الخلقية في العلاقات الإجتماعية.
ــ انعدام حق الاختيار ويبدأ منذ سن الطفولة الأولى  في الأسرة حتى عمر الشباب والكهولة سواء على الصعيد الشخصي أم العام، لأن التربية والتعليم بكل ما يحمله وعاءها ومضمونها الأسري الثقافي والتعليمي التربوي والمسلكي من تردي في الطريقة والأداء والوسيلة إلى جانب المناهج بالطبع…كله يقدم ثقافة مشوهة ، ثقافة مُلَوَثة مُلَوِّثة بكل أنواع التلوث الفكري، سواء منها المتوارث كبعض العادات والتقاليد، أو المكتسب من خلال الحياة والتَعَلُم، وجُلَها يعيد الثقافة القهقرى نحو الخلف ويعيد مجتمعاً برمته إلى عصور بادت ، مما يزيد في عدد الضحايا، وكثرة العنف وانتشاره كطريقة من طرق التعبير، بدلا من الطرق الحضارية الحوارية، والمطالبة بالحق من خلال الإضرابات والتظاهرات، لأن الحوار بين المواطن والسلطة مقطوع مبتور منذ عقود وتواصله يقتصر على الأوامر من فوق والتلقي من عامة الشعب والتنفيذ والطاعة دون الاعتراض. والتظاهر يعني مسيرات شعبية تأييدية لسياسة النظام ،وإلا فويل لمعترض مصيره المحتوم خلف القضبان أو محوه من الوجود، وفي أحسن الحالات منعه من التعبير في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة في سوريةــ إن وجدت ــ فكلها ممسوك ومقبوض على عنقه، ومن ثم حبسه داخل جدران الوطن…فقد غدا المحرومون من السفر يُعَدون بالالاف. ونتج عن هذا بالطبع مجتمعا غير متماسك وبعيداً عن الترابط ، غير قادر على استخدام  أي مجال من المجالات العامة أو وسيلة عملية  في الدفاع عن حقه ، سواء في اختيار ممثليه النقابيين، أو في اختيار ممثليه في البرلمان ــ مجلس الشعب ــ، أو في اختيار رئيس البلاد….
ــ منع قيام وتشكيل أحزاب سياسية، فسورية محرومة من قانون للأحزاب وحسب رأي أهل السلطة أنه يكفيها مالديها من ديمقراطية تمثلها ” أحزاب الجبهة الوطنية”! التابعة والراضية بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، والممنوع عليها التواصل مع الشباب ومع العسكر!!، بالإضافة لانعدام قانون واضح وصريح يسمح بتشكيل جمعيات ومنظمات للمجتمع المدني…فحسب نظرية وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل” السيدة ديالا الحاج” فإنها تمنح بين فترة وأخرى تصريحاً لهذه الجمعية أو تلك حين تضمن ولاءها وهدفها في التطبيل للسلطة أو بعدها الكلي عن السياسة وتسميها ” جمعيات أهلية” وهكذا سمتها السيدة أسماء الأسد …لأن كلمة مجتمع مدني مخيفة ومرعبة للسلطة. أما جمعيات حقوق الإنسان ، وحتى الناشطة منها فمعظمها يعمل دون ترخيص، رغم أنه قدم أوراقه الرسمية والمطلوبة لوزارة الشؤون ولم يحظ بمباركتها، وإن غضت النظر عن نشاطها فترة ، فهي وسيلة للخنق وممارسة الضغط واستغلال عدم الترخيص للإيقاع بالجمعية والقائمين عليها واعتبارها ” تنظيماً غير شرعي مرتبط بالعمالة للخارج ومايصدر عنه يتعارض مع قوانين الدولة وينشر أنباء كاذبة…الخ الموال” وهذا بالضبط ماحدث للمحامي الناشط مهند الحسني ” ..ووصل الأمر إلى أن تقف نقابة المحامين وتتهمه، ثم تقاضيه وتسحب منه حقه في ممارسة المهنة!…ووصل الضغط إلى حد تبرؤ ذويه منه ومن نشاطه!…فهل أتاكم حديثاً وتثقيفاً أكثر شفافية ومصداقية مما وصل إليه حال البلاد؟!
ــ انهيار كامل في العلاقات الإجتماعية السوية بين المواطنين، والتي يفترض أن تقوم على أساس الإخاء والانتماء للوطن، أي المواطنة، وانتشار العلاقات الطائفية والعشائرية والتعصب المذهبي ، مما يزيد من عزلة المواطن عن أخيه المواطن، ويضعف من روابط المواطنة بينما يقوي وينمي علاقات مادون المواطنة، والتي تعتبر أسوأ مظاهر التفكك الاجتماعي وأشدها خطراً على وحدة وكيان الوطن.
ــ سلطة لاتريد أن ترى سوى نفسها ومواليها، لاتريد أن تسمع سوى صوتها وأصوات أبواقها، والمهللين لها…ولا تريد أن تفتح نوافذ حرية أو حوار ، مع أي طرف لا يصفق ولا يؤيد، كما لاتعترف به ولا بوجوده ولا ترغب بهذا الوجود، وتعمل على إلغائه من الدنيا ومحوه من ذاكرة الشعب، سلطة تريد إلغاء الذاكرة التاريخية القريبة والبعيدة، التي لاتصب في مصلحة بقائها، سلطة لاتسمح بالنقد ولا بلغة الكلمة الصادقة، لاتعرف الصدق مع شعبها ولا تتعامل معه بصدق أو شفافية ، أو حتى بكونه مواطن، تستخدم حبال الكذب وتطيلها معتقدة أن  حبال سلطتها ستستمر أبدية، توظف كل إمكانياتها لقمع الكلمة أو أي وسيلة من وسائل التعبير، لأنها لاترى في المواطن سوى الامكانية على الخرس والعمى والطرش، حتى يستحق كلمة مواطن صالح غير خائن!، فأي ثقافة ، وأي سياسة في مجتمع تملك مقاديره سلطة من هذا الصنف؟.
سيقول بعضكم، أين المعارضة وأحزابها من هذا التردي، وأين مثقفو البلد ودورهم في التوعية والتأثير في الثقافة وبنائها والرد على هذا التلوث للفكر والعقل والتربية؟
هل يكفي أن نقول أن القمع وحده المسؤول بقدر ماحمل ويحمل من صور البشاعة والتضييق والتخويف،وما هو السبيل لإعادة الثقافة الوطنية لدورها المنشود؟…ومع مَن يمكن أن يتحاور المثقف المتنور؟…ففي حقيقة الأمر يصاب المرء أحياناً بشيء من القنوط واليأس، حين يفاجأ بعبثية الحوار، وبمقدار ما يحمله مَن يدعي الثقافة من تعصب شوفيني للرأي معتقداً كل فرد من هؤلاء أنه وحده دون غيره مَن يملك الحقيقة، أو معتقده ومذهبه الفكري هو عين الصواب وهو المطلوب لإنقاذ الوطن!، وتشعر حيال محاولاتك فتح كوة ما مهما كانت صغيرة لكنك تعتقد أنه لابد في نهاية نفقها من شعاع نور، أو نقاط لقاء وطني جامع، فمن يتخذ من الإسلام السياسي حزباً أو مبدأ حياتياً يعتقد أنه وحده من يحق له أن يقرر مصير الوطن، لأنه لايحكم من خلال شخص الإنسان ودستوره ليس دستوراً إنسانياً ، بل دستوراً إلهياً نزل من السماء ولا يحق لأحد مهما كان أن يعترض على حكمة الإله، لأن البشر خطاؤون أما الآلهة فمعصومون…!، سواء منها المذهب الشيعي وحكم الفقيه أو السني صاحب الحاكمية الإلهية، أما القوميون العرب، فكل الحلول برأيهم تخرج من عباءة الوحدة وتحت راياتها، وبدونها لايمكننا تحرير الأرض ومن غيرها لايمكن بناء الدولة القومية المرجوة ، فالرابط الوطني القطري معدوم ويسبقه على الدوام الرابط القومي، وكل قضية داخل أي وطن يقع بين المحيط والخليج هي قضية عربية بامتياز، وكل إثنية تعيش وعاشت فوق هذه الأرض هي حكماً جزءاً من هذه المنظومة العربية ويجب أن تعيش تحت راية الأكثرية القومية العربية بما فيهم الأقباط والآشويوين والأكراد وغيرهم ، أما حملة راية العلمانية، فبرأيي أنهم ينقسمون  ــ مع الأسف ــ إلى عدة أصناف، بعضها يدافع عن العلمانية ويتلبسها وهو يخفي خلفها هدفاً مذهبياً مشيناً تفوح رائحته من بين السطور، رغم محاولاته إخفاء عيوبه وإضفاء هيبة ووقار على دفاعه عن علمانية يدعمها ويوجهها الاستبداد وتتناقض مع أبسط حق من حقوق الإنسان ، كما تتعارض مع الديمقراطية، فكيف يكون عليه شكل علمانية من هذا الصنف؟، أما الصنف الثاني، فرغم أنه علماني المنهج لكنه بعيد عنها في المسلك، تراه مناوراً هنا ومتراجعاً هناك ويسميها استراتيجية وتكتيك مرحلي!
البعض يعتقد أن علمانيته يجب أن تقترن مع ماركسيته واشتراكيته وإلا فلن تكون علمانية، بينما يراها البعض الآخر علمانية ليبرالية!!، كل هذا التشظي والتشعب في الانتماء الثقافي يضع المرء منا في حلقة مفرغة يدوخ معها وبين عناصرها..بكل تأكيد هذا كله موجود في دول العالم إنما بشكل مغاير تماماً ونسبة الفوارق أكثر ضآلة حين يتفق الجميع على الأهم وهو ” المواطنة ثم المواطنة”، فهل يمكن لفرنسي كاثوليكي وفرنسي بروتستانتي أو فرنسي مسلم ألا يتساويا أمام القانون؟، هل يمكن لفرنسي من جزر الغوادلوب أو الدومانيكان أن يُحكَم بقانون يختلف عن المواطن الفرنسي في جزيرة الريئينيون أو مدينة باريس ــ  رغم الاختلاف في اللون والمكان واتساع رقعة الأرض ..وبُعد هذه عن تلك ــ؟، إلا نحن..إلا عندنا قكل شيء مختلف ولكل فئة وطائفة قانونها وفيما بعد سيصبح لكل عشيرة دولتها وشريعتها وهل تختلف أحكامنا وحكوماتنا عن شريعة الغاب؟…حين نرفض الآخر جارنا أو زميلنا ابن أرضنا ووجد عليها أجداده قبل أجدادي..ويُراد له أن يعامل كأهل ذمة أو أهل كتاب لهم حق الحماية والرعاية وبالمقابل يدفع  الجزية ونبعده عن بناتنا وأعيادنا فيًعيد لوحده ونُعَيد لوحدنا…لأن الاختلاط تثاقف وهذا التثاقف مرفوض تحت اسم الشرع والقانون الإلهي!!…هذا هو الخطر …هذا النوع من الثقافة التي تغيب أمامها وتندحر يوماً بعد يوم المواطنة السورية…كيف نتخلص من ربق عقود طويلة مديدة فتتت وقسمت الشعب الواحد إلى مذاهب وفئات ولاء ومحسوبيات…وجعلت من سلطتها الحامي والموحد، ولولا وجود قوتها المسيطرة والقامعة والمخيفة المهيمنة لأكلتم بعضكم بعضاً!…وسيادتها قائمة فقط كرمى عيون لملمتنا وتوحيدنا رغم أنوفنا…وإلا فالعرقنة مصيرنا!، مَن الذي يجب أن يثبت العكس ويعيد للمواطنة دورها وللوطن وحدته المجتمعية المُهدَدَة فعلا..؟ كيف لا يصاب المرء بالقنوط وهو يرى أن بعض الكتاب يكتب بغير ما يفكر، وأن قلمه يسير فوق الورق حسب العرض والطلب، أو أن البعض يلتزم حدود المسموح به فلا يتجاوز خطاً أحمر من خطوط الأجهزة الأمنية، وهذا البعض لايلام كثيراً…خاصة من دفع نصف عمره ثمنا للكلمة الصادقة، لكن الموجع هو هذا الكم الهائل من اللامبالاة للشأن العام، هل هو اليأس من الأحزاب والتنظيمات الموجودة سواء على الساحة الداخلية أم الخارجية؟ أم أنها لم تستوعب ما يريده الناس وخاصة الشباب والنساء؟ أم أنها لم تحسن أداء أدوارها؟…أم أن ضعفها وما تعرضت له من قمع قد أوقفاها عن الفعل وشلا حركتها؟ كل هذا مجتمعاً لاينفي واجب المجتمع علينا ودور كل كاتب وكل مثقف سواء على الصعيد الفردي أو التنظيمي،  أن يبذل ما بوسعه لتضييق الهوة بين أطراف الخلاف رغم تشعبها ورغم ما أبديته من يأس ، فهل لنا من خيار آخر سوى  استمرارنا في اجترار الجراح والتشبث بالأمل؟.
ــ باريس الأربعاء 17/ 02/ 2010
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى