صفحات ثقافية

لا أفكار وربما لا شعر أيضا

null
أمجد ناصر
حالة الاستنقاع واضحة في العالم العربي حتى لتمكن رؤية الاشنات والطحالب والأعشاب الضارة على وجهها. حياة معطلة بين ماء مالح وماء مالح رغم كلام ‘الحداثة’ وحديث الأصول اللذين يبدوان كعاصفة في فنجان. كرقص في العتمة. حياة تكاد تكون عاطلة من العمل كما من الأفكار. على صورة قادتها الذين يتحللون، كأبطال ماركيز، في العزلة والشيخوخة. الغريب أن الأمام في العالم العربي، اليوم، هو الخلف. الماضي مؤبد بيننا فيما يحاول الحاضر أن يشق طريقه لكنه يتخلق، على ما يبدو، خارج الرحم، فيولد مشوهاً. التراكم الذي يعرفه غيرنا في الأفكار والبناء والتنمية لا يجد أرضاً ثابتة عندنا. هناك الأمواج المتعاقبة. موجة تمحو التي سبقتها.. ثم نبدأ من الصفر. أو نعيد اكتشاف المكتشف.
لفترة وجيزة كانت هناك أفكار في العالم العربي. تطرح، تناقش، بشيء من التحزب والعصبية، وربما الايمان الديني، صحيح، ولكنها مثلت حالة جنينية لإقلاع ثقافي أو فكري معين. لم تستمر تلك الحالة. انقصفت في مهدها. البعض يعزو ذلك الى صعود العسكر وتسنمهم مقاليد الأمور. بعض آخر يعزوها الى عدم تجذر تلك الافكار في التربة الاجتماعية، أصلا، وبقائها لعبة النخبة وتسليتها. اليوم لا صراع فكرياً ملحوظا في الحياة العربية. بل ربما لا أفكار. هناك الفكرة الدينية المستعادة، دائما، في حال الضعف و’الدفاع’ عن النفس وانسداد الآفاق، وهي فكرة أبدية لا يطرأ عليها تحول أو يدركها تغير. يتنازع هذه الفكرة الحاكم والمحكوم في آن. الحاكم عن طريق فقهائه الذين يفتون باطاعة أولي الأمر، بوصفها من طاعة الله، والمحكوم بتكفير الحاكم الحائد عن الصراط المستقيم. السياسة تحوم حول الفكرة الواحدة المنشقة نصفين. في حالة الحاكم يزين الفقيه الأمر بضرورة الاستقرار وصون الأرواح والممتلكات قائلا بالاعتدال الذي هو أصل الدين. في حالة المحكوم يحمل الفقهاء المضادون على تبعية الحاكم وذيليته للغرب وعدم نهوضه بواجبه الشرعي وتفصيل الدين على مقاسه. فلسطين، الغرب، ولاحقاً العراق، حاضرة في الخطابين اللذين لا يعوزهما الانشاء والبلاغة والحجج التي تسندهما من داخل النص الديني نفسه. هل هناك فكرة أخرى خارج هذا الاستقطاب الذي يشل الحياة العربية؟ يبدو أنها غير موجودة. هل هناك صراعات في الساحة الثقافية والفكرية العربية؟ نعم. ولكنها مفتعلة أو تدور على جبهات خلفية.
اصطلح بعض شعراء العالم ومؤسساته الثقافية على اعتبار الحادي والعشرين من آذار (مارس) يوما للشعر العالمي. تخصيص يوم للشعر يعني أن الشعر يعاني قهرا، هضم حقوق، وربما عزلة كالأقليات وهناك من يرغب في التضامن معه، رد حقوقه، اعادة الاعتبار اليه. كان ينقص أن يخصصوا له قراراً من مجلس الأمن! الشعر أقلية. كان هكذا وسيبقى. ولن يغير في مصيره ‘الطبيعي’ تخصيص يوم له. إنه كالانسان. وحيد ومعزول وأقليّ. الانسان يبدو، للوهلة الأولى، كثيراً في العالم. تلك هي الجموع. الكتل البشرية. الجماهير. الشعوب. وليس الانسان، وأحسب أن الفرق بين الاثنين واضح. على مقربة من يوم الشعر العالمي دارت في القاهرة ‘معركة’ حول الشعر. كان هناك مهرجانان انعقدا في لحظة واحدة تحت سماء العاصمة المصرية المشبعة بالتلوث والأنين والتأزم الحياتي الخانق. المهرجان الاول أقامته وزارة الثقافة والثاني أقامه شعراء ‘قصيدة النثر’ المطرودون من ‘جنة’ المهرجان الحكومي.
لم تحمل صحف القاهرة صدى نقاشات أو أفكار من وقت طويل. هناك تلاسنات، تنابذات، معارضات، بعيداً عن الأسئلة الملحة، الأسئلة التي تخوض في حالة الاستنقاع الطويلة. النقاش الملحوظ الذي تحمله تلك الصحف هو حول الشعر. ليس الشعر بوصفه لسان الوحيد على الأرض، أو باعتباره فنا، وانما الأوراق الصفراء التي تتساقط من شجرة الشعر. القسمة الضارية على الشعر في العالم العربي مثيرة للشفقة: وزن ونثر! شعراء تفعيلة وشعراء قصيدة نثر. هذه اجتماعية الشعر وليست الشعر. هذه ماركات وليست جوهراً. هذه ‘خناقات’ من شرفات متداعية وليست جدلا في القصيدة. لم تبتعد قشور السياسة أيضاً عن ذلك الصراع الذي يدور على جبهة خلفية. مثل الخطاب الديني المنقسم بين الحاكم والمحكوم أبى حديث القاهرة عن الشعر، اليوم، إلا ان تتراءى فيه جهة السلطة وجهة المعارضة، فيما الناس الذين يئنون من أثقال حياتهم، من صعوبة الخبز وزحمة الطريق وتلوث الفضاء وشيخوخة الادارة وعجزها، في مكان آخر. يمكن لنا أن نرى، للإنصاف، في ذلك الصراع وجها من وجوه الاستنقاع الذي تعيشه الحياة المصرية تحت حكم الشيخوخة المديد. لعله، في العمق، أكثر من مجرد صراع على الشكل والأسلوب واللغة والمنبر لكنه غير قادر على الافصاح عن ذلك حتى الآن. النكتة طبع في المصري. إنها سلاحه على تحمل حياة لم تعرف الخفة، على ما يبدو، يوماً. لم ينته صراع القاهرة الشعري بنكتة. ليته فعل. بل بمهزلة. إذ منح أحمد عبد المعطي حجازي، راعي مهرجان وزارة الثقافة للشعر، جائزة مهرجانه لنفسه! ثمة من قال إن صاحب البيت دعا الضيوف إلى المائدة وأكل الطعام وحده، لكن من قال ذلك لم يعرف أنه، أصلاً، طعام بائت!
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى