صفحات الحوار

منذر مصري: لا أؤمن بالإلهام ولا أستطيع أن أعيش خارج اللاذقية

null
راشد عيسى
التجاهــل الــذي وُوجــه بــه فــي بلــده كــان أشــد عمــاء
مختارات لشاعر سوري تطبع في مصر. إنه حدث بلا شك، حتى لو كان مسبوقاً. من جهة لأنها مصر الوازنة بعد للاعتراف بالآخرين، ومن جهة لأن التجاهل في بلده أشد عماء، كما يقول منذر مصري في هذا الحوار. لكنْ للتجاهل وجه آخر أحياناً؛ تعبر عنه مفارقة ضجة ثقافية على هامش ديوان لم يصدر بعد لمنذر مصري، ديوان يحمل عنوان «منذر مصري وشركاه»، وتقوم فكرته على الكتابة فوق قصائد شعراء آخرين، فما الأساس الأدبي لتجربة كهذه، وهل يحتاج الإبداع أساساً إلى سوابق. ماذا بعد المختارات المصرية التي صدرت تحت عنوان «… لأني لست شخصاً آخر»، وماذا عن تلك الضجة، التي لا يريد مصري أن يلتفت إليها أو يسميها حتى. تلك وغيرها كانت أسئلة هذا الحوار.
أخيراً صدرت مختاراتك «… لأني لست شخصاً آخر» عن سلسلة «آفاق عربية» في «الهيئة العامة لقصور الثقافة» بالقاهرة، الأمر الذي يندر حدوثه لشاعر سوري، كيف حدث ذلك، مع تجاهل عربي مديد لتجربتك؟
[ يندر، لكن سبق وصدرت عن هذه السلسلة الشهيرة مختارات لنوري الجراح «رسائل أوديسيوس»، ولأدونيس أيضاً، ما دمنا نحن السوريين لا نرضى إلاّ اعتباره سورياً، أربعة أجزاء من أعماله الشعرية الكاملة على أن تستكمل لاحقاً. مثله مثل أنسي الحاج ولكن برفقة عدد أكبر من الشعراء اللبنانيين؛ بسام حجار، عناية جابر، جمانة حداد، سوزان عليوان، وجودت فخر الدين. أمّا كيف وقع ذلك كحادث!؟، فبغضّ النظر عن أنه آن لتجربتي أن تحظى بفرصة كهذه، فقد التقيت عام 2008 بمناسبة اختيار الوطن العربي ضيف شرف على معرض لندن العالمي للكتاب، بثلة من الأدباء المصريين، منهم مكاوي سعيد وسيد محمود، وكنت أردد أمامهم مستنكراً: «اسمي منذر مصري.. مصري ولا يبالي بي أحد في مصر!»، فأستغربُ عدم استغرابهم استغرابي!؟. وكأنهم في مصر ولفترة طويلة مضت كانوا يكتفون بأنفسهم. مصر كبيرة، وعدد سكانها هائل بالنسبة لأي دولة عربية. إذن، لديهم السوق الكافي لإنتاجهم واستهلاكهم، فلا يجدون أنهم في حاجة لأحد. لا أدري إن كنت قرأت ما كتبته عبلة الرويني عن لقائها مع أنسي الحاج في كتابها «الشعراء الخوارج»، حين سألته «هل أنت غير معروف في مصر» فغضب أنسي ورفض الإجابة عن بقية أسئلتها. ولكن هذا تغير الآن، وخاصة شعرياً، شعراء جيل السبعينيات ومن بعدهم يعون بأنهم جزء من حركة شعرية تشمل البلاد العربية من مشرقها إلى مغربها، وربما كانت سباقة لهم في لبنان وسوريا والعراق. هذا ما أدّى لتلك الاستعادة لأدونيس وأنسي الحاج وعدد من الشعراء العرب، وإصدار أعمالهم في طبعات شعبية، وكأنها محاولة تعويض ما فات في الماضي. سيد محمود هو من عرض عليّ الفكرة، بأنه يجب أن يعرفوني كشاعر على نطاق أوسع في مصر. فاتفقنا على أن أرسل له مختارات من شعري. ثم استغرق الأمر ما يقارب السنتين حتى صدر «… لأني لست شخصاً آخر»، في شباط 2010.
أمّا عن «التجاهل العربي المديد لتجربتي»، فالأمر ليس دقيقاً. التجاهل الذي ووجهت به في بلدي كان أشد عماء بكثير، منذ «أنذرتك بحمامة بيضاء»(1984) وهي مجموعة مشتركة، مع أختي مرام والراحل محمد سيدة، لم يصدر لي كتاب حتى انتشلتني بيروت ووضعت فمها على فمي وقبلتني قبلة الحياة تلك وأصدرت لي دار الريس «مزهرية على هيئة قبضة يد»(1997). وبعد ثلاث مجموعات صدرت لي في بيروت، أي بعد 22 سنة صدر لي في سوريا «المجموعات الأربع الأولى» (2006)، الكتاب الوحيد الذي أصدرته دار «أميسا» لغير صاحبها خالد خليفة، خلال كل هذه السنين معروفاً، إن لم أقل معترفاً بي، عربياً أكثر مني سورياً. حتى جاءت القاهرة وطبعت لي مختاراتي.
تعوّل كثيراً على نشر ديوان لك في مصر، ألا يدفعك ذلك إلى التشاؤم قليلاً، استناداً إلى قول (لا أدري لمن ينسب) «الشعر يولد في العراق، وينتعش في الشام، ويموت في مصر»؟
[ أعوّل على أي شيء ينشر لي، ما عدا المقابلات، فما بالك بنشر ما أظنه أفضل قصائدي. وإذا كنت أصدّق أي شيء سيئ يقال عني، فأنا أيضاً أصدّق وأثق بشعري. أنشر قصائد كتبتها منذ ربع قرن من دون غضاضة. وقد اعتدت، ما أن يصدر كتاب لي حتى يواجه بكل أشكال الانتقادات و.. التهجمات. لكنه شيئاً فشيئاً يقوم بعمله ويتقدم ويصل. «مزهرية على هيئة قبضة يد» صُوّر أكتر ممّا بيع. قال لي شاعر يمني في القاهرة إن لديه نسخة مصورة من «مزهرية…» ولكن بدون قصيدة «ساقا الشهوة».
وبالتأكيد لا يدفعني قول كهذا للتشاؤم، وعموماً لا آبه لمعمّمات كهذه. قال لي محمد آدم إنه الآن، بصدور مختاراتي في مصر، صرت جزءاً من الذاكرة الشعرية المصرية، وأظنه من الرائع أن أموت في مصر، أن يكون لي قبر في مصر. بجانب قبور البشر- الآلهة، حيث تهيم أبداً الأرواح العظيمة.
عسف الأنطولوجيا
أصدرت العام الماضي، من منشورات «دمشق عاصمة الثقافة العربية» أنطولوجيا ضمت 26 شاعراً تحت عنوان «انعطافة السبعينيات في الشعر السوري». كيف تسوغ أولاً اجتماع الـ26 شاعراً في ذلك الكتاب؟
[ «انعطافة السبعينيات في الشعر السوري» هي الجزء الثالث من مشروع شبه أنطولوجي، تولت إصداره الأمانة العامة لاحتفالية «دمشق عاصمة ثقافية عربية 2008»، ولا أحتاج لأسوغ اجتماع 26 شاعراً في كتاب طبيعته تقوم على فكرة جمع شعراء يشكلون، باعتبار أو بآخر، جيل السبعينيات في الشعر السوري. ولكني كما يشير العنوان «انعطافة السبعينيات في الشعر السوري»، وكما شرحت في المقدمة، اخترت أن أركز على الشعراء الذين قاموا بتلك الانعطافة في الشعر السوري، أقصد تشكل ما يمكن اعتباره أول جيل لقصيدة النثر السورية. بعد أن كان شعراؤها السوريون، والماغوط على رأسهم، لا يشكّلون سوى حالات فردية، ساهمت بتوليد هذه السلالة.
قوبلت تلك الأنطولوجيا بانتقادات، مثلها مثل أنطولوجيات شعرية نشرت في السنوات الأخيرة، وقد هاجمت أنت بعضها. أليس بالإمكان العثور على أنطولوجيا تتسم بالموضوعية؟ أم أن لكل شاعر أنطولوجيته؟
[ لم تقابل الأنطولوجيات تلك بالانتقادات التي تستحقها. لا مديحاً ولا هجاء. كتب عنها تعليقات متفرقة، كان نصيبي منها، أغلبه، ثناء شخصياً. نعم، كتبت مرة عن ديوان الشعر العربي الحديث – الربع الأخير من القرن العشرين – كتاب في جريدة. لتبرئة نفسي من الطريقة التي عومل فيها نوري الجراح، وكنت أنا من أعدّ مختاراته للملف، مثله مثل رياض الصالح الحسين وأختي مرام مصري، بطلب من المكلف رسمياً الأستاذ شوقي بغدادي. ومرة كتبت عن مختارات من الشعر السوري نشرت في إحدى المجلات الفرنسية المتخصصة. ولكن ليس بصيغة التهجم إطلاقاً. لا يمكن أن أعترف هكذا ببساطة أن كتابتي، حتى ذات الشبهة السياسية، تهجم.
أمّا عن الأنطولوجيات عموماً فقد خلصت للاعتقاد، أنه لا يمكن لأي أنطولوجيا إلاّ أن تتضمن شيئاً من العسف. أعدّ ستيفان فايندر أنطولوجيا ألمانية عن الشعر العربي المعاصر، مفوتاً ذكر سليم بركات وبسام حجار. كما أعدّ خالد المعالي أنطولوجيا ألمانية أخرى للشعر العربي من دون ذكر لعديد من الشعراء العرب الذين تضمنتهم أنطولوجيا فايندر. ثم إني لو سمحت لنفسي أن أحكّم ذائقتي الشعرية الخاصة في هؤلاء الستة والعشرين شاعراً لاكتفيت ربما بثمانية منهم، أحدهم نوري الجراح الذي لم يرد في كتابي بحجّة أنه مذكور في عداد شعراء الجزء الرابع.
وأستغل الفرصة لأن أشير، إلى أنني أعتبر كتاب «انعطافة السبعينيات…» لا أكثر من مسودة كتاب، وذلك لأنني أرجأت العمل به شهوراً ثم أنجزته خلال خمسة وعشرين يوماً لم أنم في العشرة الأخيرة منها، ثم أرسلته للأمانة في آخر موعد من المدة المحددة، من دون أن يتاح لي تدقيقه، فطبع وصدر من دون مراجعة، والدليل على هذا كمٌّ مخجل من الأخطاء الإملائية والمطبعية.
كتابك «منذر مصري وشركاه» قيد الصدور، وفيه إعادة كتابة لقصائد شعراء آخرين. ما الأساس الأدبي لتجربة كهذه؟ تحت أي باب تدرج ذلك؟
[ كتبت، ولن أعيد الآن كتابة ما أعتبره أساس وباب هذه التجربة. الآن أجدني أميل للتساؤل، ومن دون أي ادّعاء؛ هل يحب أن يكون هناك أساس أصلاً. هل يجب أن يكون هناك باب ليدخل منه ويخرج منه المبدعون. طبعاً بعد السماح لنفسي ادّعاء أن تجربتي هذه تقوم على أساس الإبداع، وتندرج تحت يافطة معلقة على باب الفن. حسناً هي بدعة، ليتها كذلك حقاً، فهل أهل الفن مثلهم مثل أهل الأعراف والتقاليد ضدّ البدع؟
الأمر أثار جدلاً، إن لم نقل غيظاً من زملاء وأصدقاء أعدت كتابة قصائدهم. البعض اعترض بدءاً على عنوان الكتاب بسبب من أنانيته، على حد وصفهم، كيف تفسر؟ هل فاجأتك ردود الفعل؟
[ أي أنانية، أن أعمل ما يقارب الأربع سنوات على شعر الآخرين؟ أي أنانية.. بعمل ينبع من رغبة بالمشاركة والتقدير وإظهار الحب؟ وأكثر من رغبة في تعريف الآخرين بما يزخر به الشعر السوري من روح وجمال وغرابة، الشعر الذي يقوم أغلب أصحابه بطبعه على نفقتهم الخاصة، ثم يلوبون عمّن يقرأه ليقدموه له، فلا يقابل إلا بالإهمال والاستهجان والتندر. وما يقارب الثمانين شاعراً سورياً قرأتهم مجموعة مجموعة، قصيدة قصيدة، كلمة كلمة، ثم انتقيت، بخبرتي وذائقتي ما وجدته أجمل سطورهم، وصغتها قصائد عنهم، واضعاً عليها أسماءهم أولاً باعتبارهم أصحابها واسمي ثانياً باعتباري المسؤول عما آلت إليه المحاولة أولاً وأخيراً. أمّا عن العنوان، فأنا أفهم أن يتحسّس البعض من كونه يحتوي اسمي، هكذا صراحة، رغم أنه، حسب رأيي، استدعته طبيعة التجربة بذاتها. «منذر مصري وشركاه» ليس قصائد مختارة، ليس أنطولوجيا، والتي يحدث أن تسمى حماسة أبي تمام وحماسة البحتري. كما يسمّى صحيح البخاري وصحيح مسلم! ولكن إذا سمح أحد لنفسه أن يحاسبني على العناوين، فهل أسمه فلان وفلان وفلانة وفلانة وشريكهم؟ حسناً فعلت هذا، من دون أن يطلبه مني أحد، على الغلاف الثاني، وذكرتهم اسماً اسماً حسب الأحرف الأبجدية. كما أنني أعددت لوحة الغلاف من صور كل من استطعت الحصول على صورة له منهم. أمّا من طالب صراحة بحذف اسمه وقصيدته فهو شاعر واحد. بقية المحتجين والمستنكرين ذوي الأسماء المقنعة، غير واردين في المجموعة. ولا أستطيع أن أخمّن ماذا يدفع أحدهم لأن يقول «كل من يقبل أن يتم انتهاك قصيدته على هذا النحو، هو شاعر خنثوي» تصوّر! إلاّ لكونه ليس منهم.
لا أدري إن كان فاجأني هذا أم لا. لا ريب أنه كان يجب أن أتوقعه، خاصة وأنني أخبص، ليس في أرض أناس عاديين، بسيطين، يتقبلون الأمور على حسن نية، بل مع الشعراء، نوع صعب حساس ومعقد من الناس، طبيعي أن يجد بعضهم ما يأخذه على التجربة. ليس ما قمت به معصوماً أو مقدساً، فأنا أصلاً لا أصدق بالعصمة والقداسة، ولا أدّعي أني في منزلة تسمح لي أن أقوم بتبنّيهم، خاصة أن منهم موتى ومنهم من يزيدني سناً وأهمية، ومنهم من لا أريده ابناً ولو كان يحمل كل جيناتي. ما أسمح لنفسي بادّعائه هو أن ما قمت به فيه شبهة الجدة على الشعر العربي، والإبداع العربي عموماً. لا أحد عندنا لديه من الوقت ما يضيعه في إعادة صياغة، شعر أو رواية أو لوحة، سبق وقام بها آخرون. لا أحد لديه التواضع الكافي. لا أحد لديه وقت إلاّ لنفسه، وربما هذا هو الصحيح. ولكن، كما قلت لك، لم تكن هناك ردود فعل شديدة الأهمية. ثم أني تقبلت الأمر وسررت به في النهاية، لولا ما حدث لما عرفت أبعاد ما فعلته، سلباً أو إيجاباً. هناك كثيرون من أصحاب التعليقات ناصروني بأسمائهم الصريحة. موقع «ألف» الذي سمح بكل هذا أبدى إعجابه بالفكرة بعد نشر المقدمة. مما جعله أيضاً عرضة لهجوم بعض المعلقين. كما أن ذلك دفع عبد الوهاب عزاوي لكتابة مقالته «دفاعاً عن منذر مصري» الذي أغنى فكرتي أنا نفسي عن كتابي.
هل أثّرت تلك الضجة المبكرة على «منذر مصري وشركاه» على حذف أسماء وقصائد؟
[ أجبت منذ شهر تقريباً (أخشى أنه سبق السيف العذل، فالكتاب بات قاب قوسين أو أدنى من كفنه). ولكن ماهر شرف الدين، صاحب دار «الغاوون»، الذي تطوع لنشر المجموعة، كتب لي منذ فترة، أنه سيرسل لي بروفة الكتاب للاطلاع والتصحيح، ولتاريخه لم يفعل. فإن كان التعديل ما زال ممكناً فسأفعل ما أراه مناسباً. ليس مشكلة بالنسبة لي حذف اسم وقصيدة من كتاب قد يبلغ عدد صفحاته الثلاثمئة إذا طبع بالحجم الذي تعتمده الدار. مع أني سأشعر ببعض الأسف، أعترف. فقد سبق ونشرت منذ أربع سنوات ثلاثة أقسام من الكتاب في جريدة «بقعة ضوء»، تناقلتها أغلب مواقع الانترنت المهتمة ولم يعترض أحدهم حينها، لا على ورود اسمه ولا على طبيعة التجربة، لا بل لم يبخل عليها بالثناء في أنها تختلف عن تجارب سابقة تشابهها بطريقة ما، في أنها تقوم على احترام نصوص الآخرين لأبعد حدّ.
ثمرة العزلة
هل صحيح أنك عشت عزلة ما إثر تلك الضجة حول الكتاب؟ ربما كان صحيحاً أن الأصدقاء لا الأعداء هم الذين يحكمون على المرء بالعزلة كما يقول كونديرا؟
[ مرة ثانية سأبدأ جوابي بـ أي عزلة؟ أنا أحيا في أصدقائي والناس. ولست على استعداد أن أغير مفاهيمي عن الصداقة والبشر بهذه السرعة. في حياتي تعرضت لما لا يقارن بشيء. لولا الأصدقاء والناس لهلكت حينها. أنا.. يا صديقي، صاحب قصيدة «الناس» التي كتبت تحت عنوانها: «الناس يحتاجون الناس ليحلموا بهم» و: «أمّا هم فيلعنون أمّا أنت فتبارك» مَزامير:109:28
أمّا ذكرك «ضجة» في سؤالين متتاليين، فهل حقاً أن ما أثير حول الكتاب في أحد مواقع الانترنت كاف ليعتبر ضجة؟ أحدهم علّق على المقال الذي هاجم التجربة من عنوانها إلى صفات وأخلاقيات صاحبها!؟ بأنه «أشرف وأشهر مقال في سوريا لأنه حطّم أناة منذر مصري المتضخمة وهوسه الرعوي». وأنا إذا صدقت أن أناتي متضخمة وهوسي رعوي، وهذا شيء جميل وممكن جداً، لماذا لا، ألست شاعراً؟ فمن الصعب أن أصدق أن مقالاً عني يمكن أن يغدو أشهر مقال في سوريا، أي أنني شخصية أدبية متضخمة لهذا الحد. أمّا إذا عدت لسؤالي عن سؤالك، ما إذا كان الأمر يعتبر «ضجة» حقاً، فهذا يثبت ليس فقط ما تنتهي به مقدمتي للمجموعة «أمّا الشعر العربي، فلا شيء يموج على صفحته، لا شيء يغضّن جبينه»، بل ما لمّح إليه عبد الكريم ونوس في تعليقه؛ ذلك الخراب الذي وصلت اليه الثقافة السورية. كان هناك تعليقات اعتذر عنها موقع «ألف» بسبب طائفيتها. الدرس الذي لا أريد تعلمه، وهو ذاته الذي صممت أذنّي عنه عندما وقّعت مع عشرة مثقفين سوريين رسالة عزاء لغسان تويني، فطالب هؤلاء الذين ليس لهم أسماء، بخوزقتنا في ساحة المرجة.
عموماً يوحي التصاقك بمدينتك، اللاذقية، وأنت نفسك تتردد في وصفها بالمدينة، وكذلك صورة القبو الذي تسكنه، بالعزلة، هل الأمر كذلك فعلاً. وهل يحتاج الشاعر إلى العزلة؟
[ كل ما قمت به، كائناً ما يكون، كان ثمرة وحدتي. نعم يحتاج الشاعر للوحدة، للعزلة، ليتكلم مع حاله، ليرى انعكاس صورته على الحائط، ليجتر ذكرياته، ليقرأ ويكتب. يكتب ماذا؟: «ربما الوحدةُ هي السبب – كما كان الآخرونَ في ما مضى – لأن أعيدَ التفكير – ثلاثَ مراتٍ على هذا النحو – فأرتبكُ وأتناقض». لكنني في قصيدتي «بدلَ أن أقرعَ الجرسَ أطفئ الضوء» عن صديقي أسامة منزلجي اكتشفت «… فالوحدةُ في خياله – اللافتةُ الأشدُّ إغواء – كي يحطَّ – من يحملُ الصفات». أقصد أن الوحدة غالباً ما تكون انتظاراً، انتظار من يحمل الصفات المطلوبة، الذي، ربما، إذا لمحك مع آخرين لا يحطّ عليك. مرة، على الجبهة، بعد الحرب، شعرت أن الربيع «قد جاءَ خصيصاً ليشاركَني وحدتي».
أمّا ما إذا كانت اللاذقية مدينة، فنعم، أتردّد بوصفها كذلك. لكنها مدينة على طريقتها. علاقتي بها لا تتحدد بشوارع وأبنية، بخطوط وأشكال، إنها أشبه بخليط سوائل لزجة تتصاعد منها الأبخرة. أحاسيس وروائح وأصوات. أشباح أناس ألمحهم يعبرون شارعاً أو يدخلون باباً. وقد حدث كثيراً أن سمعتهم ينادون اسمي. ثم إنني لا أسكن قبواً، لا شي أسوأ من أن تسكن قبواً في مدينة ساحلية. كل شيء يرطّب ويعفن ويصير له تلك الرائحة، رائحة قبو محمد سيدة، ذي المجارير والفئران، ولكن أيضاً محتّم أن يكون مرسمك في مدينة اللاذقية قبواً في شارع المتنبي في حي الأميركان. أمّا بيتي فهو يقع في مشروع تجميل الصليبة، بناية مصبغة نورا، الطابق الثامن، تستطيع على شرفته الغربية أن تقف وترنو إلى البحر ولو من فوق الأسطح والصحون اللاقطة.
في الوقت نفسه تكتظّ كتابتك بحضور ساطع للآخرين؛ مرام مصري، محمد سيدة، رياض الصالح الحسين، عباس بيضون، وسواهم كثير، كيف تفسر؟ (أعني بين تلك العزلة وهذا الاكتظاظ)؟
[ لن آتي الآن بأقوال مثل «وحدة الملآن بستان». ولا، «أنت في وحدتك بلد مزدحم». كتبت عن مرام لأنها الأصل الأنثى مني، وعن محمد سيدة لأنه يحيا بي ما دمت أتنفس، وعن مصطفى عنتابلي لأننا وجهان لعملة واحدة، هي الأرقام التي تحدد القيمة وأنا النسر الفارش جناحيه، ورياض وأسامة وياسين وهالا وعباس وميشيل والياس ووديع وأحمد شليلات.. لأني رأيت روحي وسط دريئتهم كدائرة حمراء. منذ «آمال شاقة»، الآخرون يشاركونني دور البطولة في قصائدي، في «بشر وتورايخ وأمكنة» هناك قصيدة عنوانها:«يا محمد وابراهيم ومصطفى» ثم لا يلبثون أن يأخذوها بكل استحقاق في مجموعة «دعوة خاصة للجميع»، حيث أنها برمتها تقوم على فكرة إهداء كل قصيدة لصديق. والتي فيها، منذ تلك الأيام قصائد أنهج بها أسلوب «منذر مصري وشركاه» ولم يعترض وقتها مصطفى ولا محمد خير ولا رياض ولا محمد ولا عباس، بل إن عادل محمود، وفي قصيدة «جريمة إلقاء تحية الصباح»، مقطع من إحدى قصصه ومقطعان من شعره، قال لي: شكراً منذر.
أي إلهام منحك المكان الذي تسكنه؟
[ لا أصدق بالإلهام، صديقي راشد، إلاّ إذا كان القصد منه، المزاج. عندما أكون بمزاج الكتابة أكتب، وبمزاج الرسم أرسم. وبمزاج الحب أحب. أمّا عن لاذقيتي فقد منحتني كل شيء، كل شيء. وبالمقابل كتبت عنها قصيدة واحدة: «لا أستطيع مغادرة الأغنية». ولكن الآن يخطر لي أن أكتب عنها مجموعة قصائد. لماذا لا؟ أشعر بأن مزاجي يسمح، ولدي ذكريات كافية لا ريب. إحداها في زيارة سعدي يوسف قبل الأخيرة للاذقية تكلمنا عن المكان ودوره في حياتنا وشعرنا، هو المتشرد الذي لا وطن له ولا بيت ولا هوية، وقتها. أذكره يقول لي إنه ليس للإنسان، الشاعر خاصة، أن يطمع بأي شيء أكثر من مكان كاللاذقية.
تعلم، أنني من الذين لا يسمح لهم بالسفر خارج سوريا من دون أن يحصلوا على موافقة أمنية، وقد حصلت عليها آخر مرة من دون كثير عناء. ولكنهم في المرة الأولى سألوني ما إذا كنت سأعود إلى سوريا، أجبت: أول ما أحبّ أن تصدقوه عني، هو أنني لا أستطيع أن أحيا خارج اللاذقية، وإن لي أخاً ينزف لوعة في ستوكهولم لكونه يحيا خارج اللاذقية،: (ما اسمه لو سمحت!؟). وإن أختي مرام ترسل لي بين فترة وأخرى مع أي صديق سوري تلتقيه في باريس مبلغاً من المال تقتصده ممّا تجنيه من الشعر، لتشتري بيتاً صغيراً صغيراً في اللاذقية.
(دمشق)
السفير الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى